استراتيجية عربية للجراد

غزو الجراد لعدد من الدول العربية على التوالي وتعامل كل دولة مع هذا الهجوم بطريقتها الخاصة التي تفتقر للاستراتيجية الموحدة ربما كان من الضار النافع الذي يلفت انظارنا إلى أن صعوبة تنسيق المواقف السياسية العربية أحياناً ليس سببه الطبيعة الخاصة أو المعقدة للسياسة أو حساسية الموقف السياسي لاعتبارات مصالح كل بلد وتعهداته ودبلوماسيته.. وكأن الجراد جاء لتبرئة السياسة.
أسراب الجراد تطير بخط سير شبه معروف سلفاً، وفي هجمته لهذا العام لم يمارس الجراد أي تمويه أو تكتيك مخادع لخصومه، فقد سلك نفس خط السير المتوقع، بل إنه ساير أوضاع السياسة العالمية ومراكز القوى، فقد مر على فلسطين المحتلة أو ما يسمّى “إسرائيل” وعلى مدينة إيلات جنوب البحر الميت مرور الكرام دون أن يحدث أضراراً تذكر وكأنه يعلم أن أمريكا قد تلتفت إليه إذا هدد المصالح الإسرائيلية وتعتبره إرهابياً وتطارد فلوله في حرب تقضي على الحمام وطير الوروار وطائر الحب والبلبل الشادي وفراخ الحجل وتعجز عن الجراد!! لكن الجراد لا يريد أن يكون سبباً لإبادة مخلوقات أخرى.

الملفت للنظر هنا هو أنه حتى في أزمة الحرب على الجراد ورغم أنه سلك خط السير المتوقع فقد اختلف العرب ولم تكن لهم سياسة موحدة أو حتى تنسيق في طريقة التعامل مع أسراب الجراد فهذا بلد عربي يرشه بالمبيدات وبلد آخر يصدر فتوى بأكله كوسيلة للقضاء عليه وبذلك فإن الجراد المرشوش في بلد عربي سوف يؤكل في بلد عربي آخر بفتوى شرعية، ثم تواصل الأسراب الناجية من الرش أولاً والأكل ثانياً إلى أرض عربية ثالثة مستعدة لرشه بنوع آخر من المبيدات بينما أبناء البلاد العربية الرابعة على خط سير الجراد ينتظرون وصول أسرابه بالقناديل ويحتفلون بوصوله ويستعدون لتعبئة الأكياس وتناوله كوجبة شهية في طقوس احتفالية!!

ألم يكن بالامكان أن نتفق على أقل تقدير في حربنا مع الجراد على أحد “تكتيكين حربيين” إما “نأكله” أو “نرشه”؟!، حتى لا يأكل بعضنا جراداً رشّه البعض الآخر!!

حصل هذا الاختلاف مع أن الجراد ليس عضواً في الأمم المتحدة ولا دولة عظمى ولا عضواً دائماً في مجلس الأمن وليس له وزير خارجية مستقيل ستخلفه السيدة جرادة وليس له مصالح مشتركة مع الدول العربية ولن يؤثر في موازين القوى في المنطقة وليس محتلاً تحميه الولايات المتحدة الأمريكية باستخدام “الفيتو” ضد أي قرار نتخذه بحقه وليس للجراد “كونجرس” ولا محافظون ولا صقور.

ولا أتذكر أن الجراد يربطه بأجدادنا العرب أي معاهدات أو التزامات سوى معاهدة “كل ونأكل” والتي أهم بنودها أن يأكل الجراد المحاصيل ونأكل نحن ما نتمكن من اصطياده منه ويواصل الناجي خط سيره كوجبة متحركة تسير بسرعة 20كلم في الساعة لتتوجه إلى بلد مجاور تأكل منه ويأكل منها وهكذا..

إذاً فالجراد مهاجم بسيط وفر لنا كل سبل الاتفاق حول مكافحته ولم نتفق فمتى نتفق؟!

اترك رد