لا تنحروا الانتخابات

شخصياً لا أؤيد استعجال الحكم على الإقبال على تسجيل الناخبين والقلق من تدني أعداد المقبلين على التسجيل عن الحد المتوقع، لأن الوقت لا زال مبكراً ليس قياساً بعدد الأيام الخمسة التي مضت ولكن قياساً بالطبيعة الخاطئة لمجتمعنا الذي لا يتحرك إلا في آخر يوم حتى وإن كان الأمر يعني أكثر الأشياء فتنة وهو حب الثراء فتجده لا يتوجه لمراكز الاكتتاب في مساهمة تشهد إقبالاً إلا في آخر يوم، وحتى في توفير احتياجات منزله التي تعنى بغريزة أخرى هي إشباع البطن فهو لا يتسوق لرمضان إلا في آخر يوم من شعبان رغم أنه يعلم أن رمضان قادم منذ سنة.
فما بالك إذا كان الأمر يتعلق بالتفاعل مع خطوة وطنية هي الأولى نحو مصلحة له لم يدرك بعد أبعادها وإيجابياتها وخطورتها على مستقبل مشاركته في القرار لاحقاً، ولم تتم توعيته بالدرجة الكافية لاستيعاب هذا المفهوم وإن كانت تمت دعوته للمشاركة بكثافة فبعض المواطنين ينفر مما يدعى إليه بإلحاح خاصة إذا لم يتوفر لديه مخزون كاف من الوعي والإدراك بمصلحته أو أن الدعوة أساسها منفعة لم يدركها.

لعل الاستشهاد بمثال لنتائج التخاذل في تجربة انتخابية أقصر الطرق للتحذير من التخاذل فأنا أتوق للأمثلة من الواقع حتى وإن كانت صغيرة أو محدودة.

يقوم اختيار رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الصيدلية السعودية على الانتخاب وهي من أوائل الجمعيات المهنية التي شكلت في بلادنا وفي إحدى الدورات لترشيح مجلس “لا أريد تحديده لأن الهدف الاستشهاد وليس الانتقاد” تخاذل فطاحلة الصيادلة عن التوجه لصناديق الاقتراع ناهيك عن ترشيح أنفسهم للعضوية في المجلس، مع أنهم من الصيادلة الذين لديهم تجربة طويلة ومعاناة مع وضع المهنة والنظرة لها ولهم آراء نقدية حادة وجيدة. وكانت النتيجة أن غالبية الأصوات كانت لمجاميع قليلة الخبرة حديثة التخرج مملوءة بالحماس للسيطرة على المجلس وفرض توجه أحادي يخدم التوجه ولا يركز على تصحيح وضع المهنة وإعطائها المكانة التي تستحقها وتستطيع من خلالها فرض مفاهيمها الصحيحة التي تنعكس ايجاباً على المريض المستهدف بالرعاية الصحية، لأن مهنة الصيدلة – ولا أقولها تعصباً – لو أخذت ما تستحق فإنها أول “وأؤكد أول” عناصر حماية المريض، والصحيح قبل أن يمرض، ويكفي أنها أول أشكال الرعاية الصحية على وجه التاريخ.

فشل ذلك المجلس الصيدلي أعاد المهنة إلى نقطة الصفر فكان أول المتقدمين وأول النادمين هم من امتنعوا عن التوجه لصناديق الاقتراع بينما لا ذنب لمن تم ترشيحهم لأنهم وصلوا بعملية جد “ديموقراطية” لكنها لم تكن مدعومة بالوعي الكافي بخطورة العملية الانتخابية.

إن علينا كمواطنين أن ندرك أن عدم توجهنا للتسجيل أولاً سيحرمنا من ترشيح أنفسنا وسيحرمنا من ترشيح من نرى فيه مصلحة بلدتنا وبلادنا وسيترك الغالبية الواعية المجال لكثرة قد لا تعي غير مصالحها الخاصة ونزعتها “القرابية” التي يسيرها الدم وليس العقل والدم ليس إلا سائل ينسكب على الأرض إذا لم يحقنه العقل!!

إن علينا أن نقتنع كمواطنين أن نجاح هذه التجربة الانتخابية الأولى – بعد انقطاع – أمر يحدده توجهنا للتسجيل أولاً والاقتراع ثانياً وأن نجاحها يحدد مستقبل تطبيق تجارب مشابهة في مجالات أخرى وأن علينا أن نعمل على إنجاح هذه الخطوة الأولى مع تجاهل كل رغباتنا الشخصية وتعاطفنا مع القريب والصديق لأن الانتخاب ليس صدقة يفترض أن نراعي فيها الأقربين ولا منفعة فردية نبر بها الصديق والحبيب.

إن علينا أن نعمل لأن يصل لهذا المجلس من ينفعه، ولا ينتفع به بالضرورة، ومن لديه الفكر النير والتخصص والطاقة للعطاء والغيرة على المدينة والوطن، وهذا لن يحدث ما لم نجعل اصواتنا مسموعة بتسجيلها ونحث من نرى فيه تلك الصفات على ترشيح نفسه بعد تسجيل اسمه.

اترك رد