المدير «السوبرمان»

حدث لدينا الكثير من التحولات الإيجابية بالغة الأهمية والتي انعكست وسوف تنعكس في شكل نقلة نوعية في تعاملنا مع بعضنا وتعامل دوائرنا الحكومية مع المواطن وثقافة أفراد مجتمعنا في تفاعلهم مع الأشياء من حولهم.
حققنا تقدماً كبيراً في مجال الحوار وقبول الرأي الآخر وزيادة هامش الحرية الصحفية وتفعيل الانتخابات والتعامل مع بعضنا بشفافية.

ثمة جوانب أقل حساسية وأسهل للإصلاح مما ذكر لكنها لا تزال بعيدة عن رياح التغيير لأننا ما زلنا نتركها لسلوكيات أفراد وأهواء أفراد والفرد بطبيعته يصعب تغييره إذا كان أنانياً جداً ويصعب تأقلمه حتى مع تغير مجتمعه.

من تلك الجوانب ما كتبت عنه يوم الأربعاء الماضي تحت عنوان (سجائر وطنية) والمتعلق بالمدير أو المسؤول الذي يستخدم الموظف المبدع والمخلص لخدمته شخصياً ثم يتنكر له ويرميه كما يرمي «قطف» أو عقب السيجارة التي أحرقها لتنعشه ثم داسها. ولست هنا لأعيد ما كتبت فيمكن العودة له لمن يرى أهميته، لكنني أتطرق له لأن الجانب الآخر الذي أنا بصدد ذكره مرتبط به من حيث كونه سلوكاً فردياً للوزير أو الوكيل أو المدير العام أو المدير التنفيذي ويفترض بنا ألا نتركه للرغبة الفردية والأهواء خاصة وأننا نعيش مرحلة تحول إيجابي في مجالات أكثر حساسية.

الجانب الآخر الذي أقصده هو عدم إبراز الموظف المبدع الحقيقي الذي يقف خلف إنجازات الدائرة وتعمد بعض المديرين التعتيم على المبدعين وتركهم دائماً يعملون خلف الكواليس وممارسة (شخصنة) الإنجازات وجعلها تبدو وكأنها إنجاز المدير مع أنه يستحيل تصديق ذلك لأن إمكانيات المدير معروفة لموظفيه ورؤسائه وللناس من حوله فالبارز في مجال ما لا يمكن أن يبرز في كل المجالات لأن شخصية (السوبرمان) شخصية كرتونية غير حقيقية وإن كانت أثرت في طفولة البعض وجعلته يعتقد أنه يمكن أن يبدع في كل المجالات.

لا بد لنا لكي ننهض أن نعتمد سياسة تكريم كل صاحب إبداع عن طريق تقصي الحقائق ومطالبة رئيس الدائرة بالكشف عن الموظفين المخلصين المبدعين وترشيحهم وليس قبول دفن وإخفاء كل مبدع لأن رئيسه يريد الإنجاز لنفسه.

انظر الى قاموس انجازات بعض مؤسساتنا وستجد أن أكثر مفرداته تكراراً هو (الجندي المجهول) أو (العاملون خلف الكواليس) والمضحك المبكي أن المدير وأمام جمع محدود من موظفيه لا يتردد في الاعتراف بالشاعر الحقيقي للقصيدة لكنه لا يريد لهذا الامتنان أن يخرج للعموم في شكل تكريم أو حتى شكر أو إعلان ينسب الحق لصاحبه!! لأنه وعلى ما يبدو يصعب عليه نفسيا قبول نسب الإنجازات إلى أصحابها وهذه حالة مرضية فردية لا يجب أن يقف المجتمع أمامها مكتوف الأيدي وإلا سنجد أنفسنا يوماً ما بلا مبدعين ولا مخلصين!!

انه يريد أن تكون مؤسسته مملكة نحل يختفي فيها الذكر بمجرد قيامه بدوره المميز ولكن ثمة فرقا كبيرا فنحن في هذا الوطن لا ننشد طعم عسل في حفر من الشمع نحن نريد بناء دائماً وصلباً وهذا يتطلب رعاية وتشجيع المهندس الحقيقي للبناء بل وتفريخاً للمبدعين في كل المجالات ليكون لدينا مدير واحد وآلاف المبدعين.

اترك رد