غلاء الدواء ورخص الدخان

إذا أردت أن تقيس درجة وعي سكان بلد ما بطريقة جد سريعة ومقبولة الدقة فما عليك إلا أن تحصي عدد المدخنين في الشارع والمقاهي والمطاعم وكل مكان تقع عليه عينك وستجد أن عدد المدخنين يتناسب عكسياً مع مستوى الوعي العام للبلد «كلما زاد المدخنون دل ذلك على قلة في الوعي».
حتى في نشرات الأخبار في التلفزيون ولوكانت صامتة يكفي أن تلمح لقطات على سكان المدينة لتدرك من عدد المدخنين أنك أمام خبر عن بلد متخلف أو من دول العالم الثالث.

وإذا أردت أن تقيس مدى جدية وزارة الصحة في بلد ما وحماس ووعي القائم عليها فكل ما عليك هو أن تمعن النظر في مدى قدرتها على فرض الوقاية كسبيل أفضل من العلاج في جميع المجالات ومنها محاربة التدخين والعمل على قطع دابره بما في ذلك القتال من أجل رفع سعره وفرض رسوم عالية عليه ومنع التدخين في أكبر مساحة ممكنة في الأماكن العامة وليس فقط استصدار أمر المنع ولكن متابعة تنفيذه فوزارة الصحة الواعية تدرك أنها تنفق النصيب الأكبر من ميزانيتها في علاج مضاعفات التدخين في المجتمع.

إذا اقتنعت بمدى دقة وصدق المقياسين السابقين، مقياس وعي المجتمعات ووعي وزارات الصحة فيها عن طريق التدخين فتعال لنقارن وستجد أن المدخن في الولايات المتحدة الأمريكية أصبح منبوذاً أكثر من أي وقت مضى وسترى أن جميع الأماكن العامة المكتظة بالناس لامكان للمدخن فيها وأن الفصل حتى مجرد الفصل لم يعد موجوداً فلا وجود لمناطق مدخنين على الإطلاق حتى في مواقع الجذب الربحي كالمطاعم ناهيك عن المطارات ومواقف النقل العام بل ودورات المياه. بينما في مطاراتنا الدولية فإن اكثر ما يسبب سواد لوحة «ممنوع التدخين» هوالتدخين تحتها دون رادع وأن أصعب أنواع النهي عن المنكر هو محاولة منع مدخن من التدخين في مكان ممنوع لأن وزارة الصحة لا تساعد على ذلك!! ولم تستعن بالجهات المختصة لتطبيق المنع بصرامة.

وفي الصورة الثانية قارن بين أسعار السجائر في جميع دول العالم مقارنة بالمملكة وستجد أن سعر العلبة في بعض دول أوروبا أربعة أضعافها هنا أما السعر في كندا فإنه أربعة أضعاف ونصف وفي سويسرا ثلاثة أضعاف. وأن سعر الباكت لدينا رغم المطالبات الإعلامية والاجتهادية برفع سعره وفرض رسوم عليه لم يرتفع خلال عشرين سنة إلا بمقدار ريال واحد ربما كان دعماً لوكلائه لأن الريال لايردع ولايخفض استعمالاً.

أما إذا أردت أن تعرف مدى ضعف وزارة الصحة فاعلم أنها استجابت لضغوط التجار برفع سعر الدواء على المواطن في وقت عز فيه توفر العلاج المجاني على كم كبير من شرائح المجتمع من موظفي الدوائر التي ليس لها مستشفيات فارتفع سعر الدواء بنسبة تجاوزت 10 إلى 15٪ وهي أدوية أساسية لإنقاذ الحياة بينما بقي الدخان على ارتفاع قدره ريال في العلبة خلال عشرين سنة.

إن ارتفاع سعر الدواء وبقاء سعر الدخان على ما هو عليه يطرح تساؤلاً حزيناً حول مدى قوة وقدرة وزارة الصحة وجديتها في مواجهة المواقف مع التجار فمثل هذه الوزارة تحتاج إلى قدر كبير من القوة.

اترك رد