الحق والرجال

هَمَّ شاب مجتهد أن يلقي قصيدة مدح أمام فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، رحمه الله رحمة واسعة، ظن الشيخ أنها قصيدة اعتزاز بالدين أو نصيحة أو وعظ. وعندما بدأ الشاب في الثناء على الشيخ أوقفه مباشرة وبمنتهى اللطف، مردداً رحمه الله «أنا لا أوافق، لأنني لا أريد أن يربط الحق بالأشخاص فكل شخص زائل.. إلى آخر ما قال» .وعندما أراد الشاب أن يسترسل في مديحه رحمة الله عليه أوقفه مردداً «أبداً لا أوافق» ثم قال «أنا أنصحكم من الآن وبعد الآن، لا تجعلوا الحق مربوطاً بالرجال فالرجال يضلون» ثم استشهد بابن مسعود قائلاً حتى ابن مسعود قال «من كان مستناً فليستن بمن مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أ.ه.» ثم واصل الشيخ قائلاً: إذا جعلتم الحق مربوطاً بالرجال فيمكن أن يغتر الإنسان بنفسه نعوذ بالله من ذلك ويسلك طرقاً غير صحيحة ولذلك فإنني أنصحكم أن لا تجعلوا الحق مقيداً بالرجال، الرجل لا يأمن من الزلل والفتنة وابن آدم بشر قد يغتر بالمديح فيدعي العصمة لنفسه. ويظن أنه معصوم ويظن أن ما يفعله الحق وكل طريق يسلكه مشروع فيحصل بذلك الهلاك ثم إن الإنسان سيموت ولن يخلد.. انتهى حديث الشيخ رحمه الله.

تمعنت فيما سمعت بصوت الشيخ فوجدته الحكمة التي نحن بأمس الحاجة لها اليوم وكل يوم بأن يُعرف الرجال بالحق ولا يُعرف الحق بالرجال، فالإنسان فعلاً كائن متغير بل إنه ربما كان أسهل الكائنات في التغير والتكيف مع ما حوله سواء بالسلب أو بالإيجاب، والأهواء تؤدي إلى تغيرات هي إلى السلبية أقرب منها للإيجابية، وإلى الباطل أقرب منه إلى الحق .. ولعلنا شهدنا أمثلة كثيرة من البشر لم نكن نتصور أن يتحول معدنهم أو يصدأ بفعل مال أو مركز أو شهرة.

نعم لنجعل حكمنا على الرجال من حيث اتبعوا الحق وأن لا نحكم على الحق من واقع أفعال الرجال وعندئذ سنمارس العدل في أحكامنا.

رحم الله شيوخاً ومشايخ لا يخشون في الحق لومة لائم.

اترك رد