الفاسد المسنود

كمّ هائل من ردود الفعل الهاتفية وعن طريق البريد الإلكتروني تلقيتها ولازلت أتلقاها بعد بث حلقتين من برنامج «من الإخبارية» تحدثنا فيها (إبراهيم آل معيقل وأنا في وجود عادل أبو حيمد في الأولى وخالد مدخلي في الثانية كمديري حوار رائعين) حديثاً لا تنقصه الشفافية عن الأمراض البيروقراطية في الوزارات والدوائر الحكومية.عدد كبير من المهضومين لم أكن أتوقعه، ولا أعتقد أن أكثر الناس تشاؤماً يمكن أن يتوقعه، جميعهم يتحدثون عن ضياع حقوقهم ليس بسبب البيروقراطية كنظام إداري كثير التعرجات والمتطلبات واستنزاف الوقت فمعظمهم مضى عليه أكثر من عشر سنوات وهو يسبح ضد التيار بنفس طويل، وطالما أن الأمر يتعلق بتيار معاكس لأصحاب الحقوق فإن البيروقراطية منه براء والأمر أقرب إلى فساد الأهواء.

أخطر ما سمعت ورأيت كان أكثر الشكاوى وهو أن الخصم شخص له ظهر!! وكلنا ولله الحمد من الفقاريات ولنا «ظهور» لكنها ظهور تسند قاماتنا للوقوف لنصرة الحق أو تحنيها للركوع للخالق وليس غيره.

أكثر من اشتكوا كانوا يصفون معاناتهم مع مدير مسنود أو موظف له ظهر كما ذكروا، والسند أو الظهر هنا ليس إلا مجرد مدير عام أو من في حكمه تربطه بالمدير أو الموظف الظالم علاقة مصاهرة أو قرابة أو صداقة أو مصالح مشتركة!!

الأمر لا يحتمل أكثر من هذا المستوى من الدعم المحدود في محيط الإدارات الوسطى، لكن هذه الإدارات هي التي تتحكم في مصائر مئات الموظفين وآلاف المراجعين وتمارس الاضطهاد وسلب الحقوق والكيل بمكيالين وتقديم غير المستحق على صاحب الحق والتعامل مع الناس بعين جريئة واستغلال للسلطة وادعاء وجود سند قوي وترويجه كشائعة أو الاستناد فعلياً على «ظهر» لا يتذكر إلا قوته وينسى أن الله هو القوي فوق عباده، وفي كل الأحوال فإن الخوف من مدعي السند أو المسنود حقاً يؤدي إلى عزوف الكثيرين عن مواصلة المطالبة بحقوقهم عبر التسلسل الوظيفي لأنه يؤدي إلى طريق مسدود بخصم مسنود!!، ومن ثم تتراكم أعداد المحبطين اليائسين الذين لا سبيل لهم إلا الشكوى في وسيلة إعلامية أو شبكة عنكبوتية وتكون النتيجة شيوع صورة مشوهة قد تكون لها السيادة وتتسبب في خلق انطباع انهزامي يتيح الفرصة للفاسدين إدارياً في ممارسة استغلال السلطة.

هذا الأمر يحتاج الى وقفة جادة، تبدأ بطمأنة الموظفين والمواطنين بأن خصمهم لن يكون الحكم، ثم فتح قنوات محايدة وسريعة الإجراءات لاستقبال شكاوى هذا النوع من الضحايا وتحديد خصومهم واستجوابهم بجدية ثم إصدار أحكام سريعة ونافذة بالحد من الصلاحيات والنقل والتحييد وحتى الإعفاء إذا ثبت الجور والظلم.

لتكن مصلحة الوطن هي دافعنا وسندنا وما عدا ذلك فإن الظهر لا يعدو عظماً هشاً يسهل كسره وينتهي بفقرة العجز بين الوركين!!

اترك رد