إدارة طبيب… خبزة مهندس

يوماً بعد يوم يتناقص عدد الأطباء الذين يعتبون على من يطالب بإيكال إدارة الشؤون الصحية للإداريين عوضاً عن إسنادها لأطباء لا يملكون ما يؤهلهم للإدارة بل إن تخصصهم أبعد ما يكون عن علم الإدارة وفنها!!.
وسبب تناقص العاتبين وتزايد المؤيدين هو أن الأطباء الممارسين أنفسهم بدأوا يعانون من جهل المدير غير المتخصص في الإدارة وتخبطه وافتقاده لمقومات الإداري الناجح والقائد الإداري الحكيم الذي يستلهم خطواته وقراراته وأولوياته بناءً على فكر إداري بُني على مزيج من علم إدارة وخبرة إدارية وإمكانات فردية.

الأطباء الممارسون المخلصون هم أكثر من يعاني من إدارة الأطباء، لأن المخلص في حاجة دائمة إلى القرار النافذ الشجاع والإدارة الحكيمة القائمة على أساس المساواة والإنصاف والعدل وإعطاء كل ذي حق ما يستحقه بناءً على مقومات الاستحقاق لا بناءً على عناصر الصداقة والمصاهرة والقرابة والتحيز للتخصص!!.

قد يستفيد الطبيب من تعصب الطبيب الإداري لمهنة الطب استفادة شخصية مهنية لكن الخدمة في حد ذاتها تنهار وهذا لا يرضي الطبيب المخلص، الذي يضع نصب عينيه مصلحة المريض والمنشأة الصحية.

عندما نتحدث عن النتائج الوخيمة لإيكال الإدارة لغير المختص في الإدارة فإنما نتحدث من واقع مشاهدة عن كثب ومعايشة لجملة أخطاء إدارية تمس حياة المواطنين وصحتهم وحقوقهم التي وفرتها لهم الدولة وهي أخطاء إدارية لا تقل أهمية عن خطورة الأخطاء الطبية نفسها، بل إن سوء الإدارة هو أحد أهم أسباب تفشي الأخطاء الطبية ذات طابع الإهمال أو الناتجة عن إحباط الأطباء المخلصين!!.

التستر على ممارسات طبية لا أخلاقية كالتحرش بمريضة نفسية مثلاً لا يمكن أن يمارسه مدير إداري صرف لا يعنيه مهنياً أمر الستر على طبيب ومثله يقال عن الأخطاء الجراحية!!.

ومن ينضم يومياً من الأطباء لتأييد إيكال الإدارة في الشؤون الصحية لعلماء الإدارة هم من المخلصين الذين عايشوا وشاهدوا انهيار صرح طبي أو أخلاقيات مهنية بسبب من لا يملك علماً إدارياً ولا خبرة ولا مقومات، لذا فإنه يرى النجاح في ادعاء السند وإحاطة نفسه بهالة من صهر وقريب وابن قرية مع إهمال تام لكل فريق العمل وعناصره غير من تربطه به قرابة.

هذا الفكر الإداري القاصر هو فكر إدارة مزرعة أو ملك خاص أو عيادة خاصة لكنه لا يسعف لإدارة منشأة صحية أو شؤون صحية أو حتى مستشفى كبير فهنا تبرز الحاجة إلى التخصص في الإدارة.

الغريب أن الأطباء هم الأكثر حساسية للتخصص الدقيق وحريصون على عدم تداخل التخصصات فالجرّاح لا يفتي في تخصص الباطنة ولا يقبل أن يتدخل طبيب أخر في تخصصه ورغم ذلك فإنه يقتحم علماً قائماً بذاته هو علم الإدارة الصحية دون اعتبار للتخصص بل ويفتي ومالك في المدينة!!.

إن لغتنا وإرثنا الحضاري زاخر بالأمثال والحكم وفي هذا الصدد جاء مثل «أعط الخبز للخباز ولو أكل نصفه» ومن يوكل الإدارة لطبيب كمن يريد من الإداري أن يجري عملية جراحية أو كمن يريد من المهندس أن يخبز خبزة!!.

اترك رد