صورتان

المراجع في قطاع خدمي هو في الغالب موظف في قطاع آخر له علاقة بالناس ، وما يشتكي منه الشخص كمراجع يمارسه نفس الشخص وهو موظف، فتجد موظف المطار يشتكي من فضاضة وقسوة العاملين في المستشفيات وموظفي المستشفيات يستغربون من أسلوب تعامل موظف الخطوط ، وأساتذة الجامعات يمارسون التنظير في فن التعامل مع المراجعين ويتقززون من الواسطة وسوء المعاملة وتسرب الموظفين في الدوائر الحكومية وطلاب الجامعة يشتكون بحسرة من سوء تعامل أستاذ الجامعة وأن لا شيء يتم لدى الأستاذ بدون واسطة ، وأقرباء المرضى يشتكون من تسرب الأطباء نهاراً جهاراً في مستشفيات الجامعات (أساتذة طب) وفي المستشفيات (المتقدمة) الأخرى (علامة تخلف) ، والطبيب يشتكي من أن الصيدلي يصرف الأدوية بدون وصفة ويسبب العمى لمرضى العيون والمريض يؤكد أن الطبيب لا يكشف على مرضاه ويصف الدواء بدون فحص ولذا فهو يذهب للصيدلي ، والصيدلي يشتكي بحسرة من تحيز الأطباء مع شركات أدوية محددة يصفون أدويتها لأنها تتكفل بحضورهم المؤتمرات على حساب الشركة ، والصيدلي يبيع المريض الدواء الأكثر سعراً ويتعامل مع الوكلاء بسياسة (البونص) المجاني .
نائب المدير العام ينتقد تصرفات وسلوكيات المدير العام ، فإذا أصبح النائب مديراً عاماً مارس نفس ما كان ينتقد وربما بدرجة أكثر بجاحة وخطورة .

الموظف العادي ينتقد أصحاب المناصب ويتهمهم بالغطرسة والتملق والأنانية وربما الفساد ، فإذا نال منصباً أصبح شيخ المتغطرسين وشهبندر المتملقين ومحطم الأرقام القياسية في الأنانية والفساد .

لماذا هذا التناقض الواضح في شخصية نفس الشخص عندما يوضع في موضعين ، موضع المراجع وموضع الموظف ، موضع النائب وموضع المدير ، موضع الصغير وموضع المنصب الكبير؟!.

يجب أن لا نقول إنها طبيعة البشر ، لأن ثمة دولاً متقدمة بها الكثير من البشر ولا تعاني من هذه الازدواجية ، إنها خليط من قصور في التربية التي لا تقوم على أساس (أن تعامل الناس كما تريدهم أن يعاملوك) ، كما أن ثمة جانباً مهماً جداً ، وربما الأهم وهو غياب نظام دقيق يحكم التعاملات ، ويراقب السلوكيات الوظيفية ويطبق العقوبات ، الأمر الذي خلق وسطاً مناسباً لتكاثر نسخ عديدة من صور ما نفعل مع بقاء صورة ما نريد .

الأمر يحتاج إلى وقفة وطنية صادقة لأنه مرض اجتماعي يسبب العديد من الأمراض الاجتماعية الأخرى وأهمها الاكتئاب والعدوانية .

اترك رد