الولاء بالصحة

أكرر القول بأن شؤون المرضى تحتاج إلى رقابة صارمة على مستوى رفيع وعن طريق هيئة عليا ترجع مباشرة إلى (من قرب الكرسي لمواطن يشتكي له) ومن قال للمسؤولين (لا عذر لكم بعد الآن).
أما لماذا هيئة عليا فلأن الرعاية الصحية لدينا كثيرة التشعب ومختلفة المراجع وغير واضحة المسؤوليات، فلدينا خمسة قطاعات إضافة إلى القطاع الخاص، لكل منها مرجعيته المنفصلة وطريقته في التعامل مع المواطن وأسلوبه في التعامل مع وزارة الصحة (المسؤول الأول فرضيا عن الرعاية الصحية)، ولكل قطاع درجة محدودة من الحماس نحو المواطن المريض، تحددها نفسية القائم على الإدارة الصحية ورغبته وأهواؤه ومصالحه ودرجة استعداده للبذل واحترام المسؤولية.

أقول هذا القول ليس جزافا ولا حماسا ولا نقدا متسرعا ولكن بناء على مشاهدة عن قرب ومعايشة لمشاكل الناس تحتم على كاتب عايش الخدمات الصحية أكثر من ربع قرن، ويتلقى يوميا عشرات رسائل المعاناة ومكالمات الألم أن ينقلها بصدق وأمانة ودون مجاملة.

قلتها ذات مرة وأكرر القول : أن ولاء المواطن وحبه لوطنه تلعب فيه رعاية صحته وصحة أبنائه ووالديه دورا كبيرا يجب أن لا يستهان به.

خذ على سبيل المثال (الذي يستدعي رقابة صارمة على مستوى رفيع مؤثر) موضوع عدم الرد على فاكسات الحالات الحرجة من كثير من المستشفيات المتقدمة ، حتى لو كان المريض المصاب في حادث أو عارض صحي يتبع لنفس القطاع التابع له المستشفى، رغم وجود الشواغر والإمكانيات لإنقاذ المريض لكن العنصر الوحيد الغائب هو واسطة نافذة يكسب عليها المسؤول الصحي جميلا ومعروفا ينفعه في قادم الأيام!!.

إذا تعرض مواطن لحادث في إحدى القرى أو الهجر وأصبح في حاجة ملحة لعناية مركزة أو رعاية متقدمة أو تدخل طبي أو جراحي متخصص، وبعث مستشفى القرية أو مستوصف الهجرة بتقرير طبي عاجل وملح إلى جميع المستشفيات المتقدمة فإن الاستجابة شبه مستحيلة بل مستحيلة دون واسطة نافذة، ودون موافقة سيادة المدير الصحي للقطاع شخصيا، في حين يفترض أنها من صلاحيات الطبيب الاستشاري المناوب (إن وجد ولم يكن مشغولا هو الآخر بجمع الأموال في مستشفى خاص).

أتمنى ممن يعتقد أن ثمة مبالغة في هذا التصوير لواقع مآسي المريض وأقاربه أن يجري دراسة إحصائية لعدد (الفاكسات) التي تم الاستجابة لها خلال ستة أشهر وسيجد أنها نذر يسير، ثم ليتقصى من أهل المريض الذي حظي بتلك الاستجابة وسيجد أنها لم تتم دون واسطة و (تقبيل رؤوس).

هذا فيما يخص التقارير الطبية العاجلة جدا التي تتعلق بضحايا حوادث وجلطات قلبية وعوارض صحية عاجلة، أما غيرها من الأمراض المزمنة ومن الأمراض السبعة التي أكدت الدولة حفظها الله على ضرورة قبولها فوريا في أي مستشفى حكومي، فإن الوضع أكثر مأساوية وقهرا.

لماذا تتحطم جهود الوطن في رعاية مواطنيه على صخرة عدم تقدير مدير إداري لحجم مسؤولياته وعدم إدراكه لخطورة آثار استهتاره على ولاء المواطن ورضاه ؟! بل لماذا نترك لكل من تولى مسؤولية أن يتعامل معها وكأنها جزء من أثاث بيته، يتحكم فيه كما يشاء، دون رقيب ولا حسيب ولا مرجعية عليا تحكمه، علما أن وزارة الصحة لا حول لها ولا قوة على ثلثي مقدمي الرعاية الصحية.

اترك رد