إحباط الخير ونشوة الشر

راجعت مخزون شكوى الناس في الذاكرة منذ أن بدأت أتلقى همومهم طوال أكثر من ربع قرن من العمل الصحفي سواء كمحرر أو محقق صحفي أو كاتب فوجدت أن أكثر الناس إحباطاً هم أكثرهم إخلاصاً لعملهم وحباً لوطنهم “اللبنانيون يقولون: على قدر المحبة العشم كبير”.
مثلاً مراقب البلدية، الذي يجتهد في عمله ويخلص فيه ويمنحه جل وقته وقمة النزاهة، إذا ضبط مخالفة ووثقها وقدمها لرئيسه فلم يتفاعل معها أو حال دون العقوبة الرادعة أو قبل فيها شفاعة شيطان، يصاب المراقب بقمة الإحباط المؤثر في أداء عمله.

نفس الشيء ينطبق على جندي المرور ورجل الأمن وضابط مكافحة المخدرات والمحقق الجنائي بل وحتى القاضي، فكل مخلص لا يرى نهاية ناجحة لعمله يضاف إلى طابور المحبطين، إن عاجلاً أو آجلاً.

الموظف عندما يخلص في أداء عمله والانضباط فيه ثم يرى أن التقدير والترقية تذهب إلى قريب المسئول أو صهره أو صديقه أو أحد وشاة العمل فإن الموظف المخلص ينضم للطابور نفسه.

الطبيب النزيه المخلص لمرضاه الذي يجند كل وقته لهم ولعمله في دائرته الحكومية إذا رأى زملاءه يتسربون إلى المستشفيات الخاصة منذ العاشرة صباحاً ثم يسكنون أفضل من سكنه ويركبون أفضل مما يركب ويجدون من تقدير إدارة المستشفى خيراً مما يجد فإنه لا شك يحبط ويتألم وللحق فإن لهؤلاء عزاءً يرونه في عيون مرضاهم وتأديتهم لرسالتهم الإنسانية وما ينتظرهم من أجر الصابر الزاهد.

الموظف الخبير، ثاقب الرؤية، صاحب المقترحات البناءة إذا وجد أن مديره يتبنى أفكاره ومقترحاته وينسبها لنفسه فإنه لا بد محبط ومتوقف عن تقديم الخطط والمشاريع والمقترحات، يقول لي طبيب في تخصص نادر ويملك حساً مرهفاً لحل المشاكل المزمنة والمستعصية انه كان يقدم المقترح تلو الآخر فيطير به المدير بعد أن يستبدل اسم المقترح باسمه، يقول وبعد ذلك أصبحت أشترط أن أكلف رسمياً بإعداد الدراسات ويوثق تسليمي لها، فلم أكلف بعد ذلك وارتحت ولم أرح !!.

ومثلما أن أكثر الناس إحباطاً هو مراقب البلدية الذي لا يرى نتيجة للمخالفة التي بلغ عنها، فإن أكثر الموظفين نشوة بالنجاح هو ذلك الواشي الذي يقطر في أذن المدير لأنه يرى النتيجة الفورية لعمله، خصوصاً إذا كان المدير أخرقاً فليس أيسر من “خرق الأذن”.

أما ما هو الحل لعدة إحباطات للخير ونجاح واحد لأن الشر مطيته فهو بأن نضع لكل شيء ولكل عمل ولكل خطوة نظم وضوابط وسياسات وإجراءات لا تفترض الثقة بالنزعات البشرية.

اترك رد