وهم الشركة الكبرى

الاعتقاد السائد أن الشركات العالمية الكبرى تكون كبيرة حتى في أخلاقياتها، اعتقاد خاطئ تدفع المجتمعات، وخصوصاً في دول العالم الثالث ثمنه باهظاً في شكل ثقة عمياء قائمة على أساس خاطئ هو أن حرص الشركات الكبرى على سمعتها ينعكس (دائما) على الصدقية والأمانة وهذا غير صحيح، أو لا يفترض المراهنة عليه، خصوصاً عندما تتعارض الصدقية مع المكاسب الكبيرة، وإليكم بعض الأمثلة والدلائل:
قبل أن يتولى الصيادلة السعوديون زمام إستراتيجية الدواء في المملكة، خصوصاً في مجال التسجيل والترخيص والتحليل، كان الاعتقاد السائد أن شركات الأدوية الكبرى لا تغش في الدواء فكانت منتجات الشركات الدوائية المشهورة، فوق مستوى الشبهة ويخجل مسؤول التسجيل أو الترخيص أن يطلب تحليل مكوناتها وتقويمها محلياً، حتى جاء عدد من صيادلة الوطن المتابعين وشمل إطلاعهم كتاباً صدر في أمريكا، بعنوان الأقراص التي لا تعمل، للمؤلف سيدني وولف الذي أفاد بأن أكثر من عشرين شركة دواء أمريكية كبرى ذكرها بالأسماء تصنع أقراصاً مغشوشة بعضها لا يحتوي مادة فعالة على الإطلاق، واطلع هؤلاء الصيادلة على فضائح الأدوية الممنوعة في أمريكا وتسوق لدول العالم الثالث وتصنعها شركات عملاقة وكبرى في كل شيء إلا الأخلاق.

ومنذ ذلك الوقت فرض الصيادلة السعوديون تحليل كل الأدوية قيد التسجيل وعينات عشوائية للأدوية المستخدمة في المملكة واشتراط شهادة الاستخدام في بلد الصنع بصرف النظر عن حجم الشركة وشهرتها!!.

وتكشف أساليب التحري والمقاضاة في الدول المتقدمة بشكل يومي أن كبريات شركات التأمين تمارس التحايل والتلاعب بالمستندات لتلافي الوفاء بالتزاماتها.

وكشفت لنا حوادث السيارات كيف أن شركات صناعة سيارات كبرى تصدر للعالم الثالث سيارات بمواصفات مغشوشة بعضها صدر لهذه الدول بدون قاعدة الهيكل “شاصيه” وهذا ما أدى إلى انقسامها إلى نصفين بعد حوادث عادية يفترض أن لا تحدث ما أحدثته.

وفي جريدة الاقتصادية عدد الأحد 1429/4/21ه نشر تقرير يوضح أن شركات الأدوية والأغذية تتلاعب بنتائج الأبحاث والدراسات.

ونقل عن مجلة “نيو ساينتست” أن شركة ميرك الدوائية العملاقة كانت على علم بأخطار عقار (فيوكس) الذي سحبته من الأسواق عام 2004م قبل سحبه بأعوام وأنها أي شركة ميرك أخفت تقرير الوفيات من دراسة على (فيوكس) أفادت بوفاة 46مريضاً ولم تقدم التقرير لإدارة الغذاء والدواء الأمريكية!!.

وبعد فإن علينا في هذا الوطن الذي تقدم بسرعة وأحرز نقلات نوعية في المجالات العلمية والبحثية والطبية والرياضية أن نتخلص تماماً من مقولة إن الشركة الكبرى لا تكذب أو لا تتعمد الغش وعلينا أن لا نمنح الثقة بناءً على الشهرة وإنما على أساس الفحص الذي نقوم به نحن ونعتمد فيه على كوادرنا ومراكزنا بما يحقق الاطمئنان المبني على أساس المراجعة وليس مجرد التسليم بالأمانة، ولو أن أحداً استكثر على الصيادلة مطالبتهم بتحليل الأدوية التي أنتجتها شركات كبرى مشهورة فربما كنا نعيش الآن النتائج الخطيرة للثقة العمياء، ولذا فإنني اعتب كثيرا على من هاجم أساتذة جامعات وأكاديميين سعوديين متخصصين لمجرد أنهم انتقدوا دراسة أو بحثاً لشركة ربحية أجنبية، ثم إن من يهاجمهم لاعتراضهم أو نقدهم للدراسة إنما يناقض نفسه لأنه يصادر أراءهم ويشكك فيهم شخصيا لمجرد أنهم أبدوا وجهة نظر أكاديمية مدروسة أيضا!!.

فكفانا ثقة عمياء في الشركات المشهورة وكان يفترض أن تعرض طريقتهم ومنهجهم في الدراسة على ذات الأكاديميين السعوديين قبل الشروع بها.

اترك رد