سنوات المكاشفة لا سنوات الضياع

في ظني أن الزمن الذي مارسنا خلاله قدراً كبيراً من التحفظ تجاه تسمية الأخطاء بمسمياتها وشخصياتها، كنا نمارس خلاله العقلانية والرزانة والموضوعية التي تتناسب مع ذلك الزمن وروح ذلك العصر، فكنا آنذاك محقين حين نكتفي بذكر الخطأ دون تشهير اسم المخطئ في وسائل الإعلام لأن احتمال حدوث الخطأ والاستعجال آنذاك كان كبيرا، وامكانية تثبت وسائل الإعلام مجتمعة ازاء نشر أطراف القضية كان في حكم غير المضمون، أي أننا كنا آنذاك على حق في تغليب جانب الحيطة .
اليوم أرى أن ذلك الزمن قد ولى، وأعتقد أننا أكثر جاهزية لممارسة قدراً أكبر من المكاشفة، بل إن ضرورة المكاشفة وتسمية المخطئين بمسمياتهم باتت كفتهما هي الأرجح، بدليل أننا مارسنا قدر لا بأس به من الشفافية والوضوح في سوق المال مثلا ونجحنا ووفقنا، ولم تندم هيئة سوق المال قط عندما صرحت بأسماء الموقوفين من التداول أو الشركات المخالفة والمضاربين المخالفين .

الضرورة تحتم علينا اليوم تطبيق عقوبة التشهير في كل مجال تتوفر فيه أدواتها والحاجة إليها كوسيلة ردع .

أيضا أرى في رأيي المتواضع أن الصحيفة أو الصحفي إذا توفرت لديه الأدلة الدامغة والحجة الكفيلة بدحض كل نفي أو مطالبة أو إقامة دعوى رد اعتبار، فإنه لا يوجد ما يمنع من ذكر المخالفين بأسمائهم والمؤسسات المخالفة بأسمائها ففرص الدفاع عن النفس والمقاضاة متوفرة ولله الحمد، خصوصا وأن في تسمية المخالفين حماية للصالحين من التعميم، فبدلا من أن نقول أن احدى الشركات الغذائية مثلا منتجاتها ضارة ونشكك في جميع الشركات ونحدث قلقاً اجتماعيا فإننا نحددها بالاسم ليعم النفع وتعم الحماية شريطة أن يتوفر لدينا كل ما يثبت ذلك من مستندات ووثائق وهو أمر معمول به في كثير من الدول المتقدمة وأحد أسباب تقدمها .

الغريب أننا في هذا الصدد نمارس حالياً ازدواجية عجيبة فبعض الدوائر الحكومية نذكرها بالاسم بينما دوائر أخرى وقطاع خاص نشير إليه بضمير المجهول، قال لي معالي وزير الصحة الدكتور حمد المانع ذات يوم مستغرباً، إن وسائل الإعلام عندما يخطئ أحد مستشفيات وزارة الصحة تذكره بالاسم وربما العنوان واسم الشارع، بينما المستشفيات الأخرى يقال (أحد المستشفيات) دون الإشارة لما يدل عليه، وكان معاليه محقا تماما وأتفق معه أن الوزارة تعاني من هذه التفرقة وتنعم بها جهات أخرى لاتقل أخطاءً بل تزيد، وأتمنى أن يشهد الزمن الحالي سنوات المكاشفة لتنتهي حلقات سنوات الضياع .

اترك رد