بل نرمي قشر الموز

أن تطلب منه أن يبادر لعمل شيء ولا توفر له السبيل لعمله !!، وأن تمنعه من أن يفعل شيئاً ضرورياً ولا توجد له البديل عنه .

الأمر الأول لا أجد مثالاً له أفضل من المطالبة المتكررة للمواطن والمواطنة بضرورة إجراء فحوصات طبية كل ستة أشهر للتأكد من خلوه من الأمراض أو لتمكينه من اكتشاف ما لديه من علل خفية قبل أن تستفحل ويصعب علاجها، وتلك نصيحة طبية لا يكاد يمر يوم إلا ونسمعها دون أن يسأل أحد نفسه عن مدى توفر الآلية التي يمكن من خلالها للمواطن والمواطنة المبادرة لإجراء هذا الفحص في مستشفياتنا الحكومية أو المصداقية لنتائج فحص روتيني مثل هذا في المستشفيات الخاصة .

والحقيقة المرة أن ما نطالب به المواطن في هذا الصدد ونتهمه بعدم الوعي عندما لا يفعله هو أشبه بالمستحيل فجميع خدماتنا الصحية ليس من ضمن إجراءاتها ما يسمح لمواطن واعٍ أن يذهب بنفسه ليطلب إجراء فحوص احترازية لا كل ستة أشهر ولا كل ست سنوات (باستثناء فحص ما قبل الزواج)، بل ليس في قاموس الجهات المقدمة للخدمات الصحية في كافة القطاعات كلمة تدل على أن من حق شخص غير مريض أن يطمئن على نفسه، لا بد من أن تكون مريضاً جداً حتى يتم تحويلك من مستوصف رعاية أولية إلى المستشفى حيث الأجهزة والفحوص المتكاملة، بل حتى مركز الرعاية الأولية قد يستغرب منسوبوه أو يضحكون لو دخلت إليه تسير بنشاط وتريد أن تتأكد أن نشاطك هذا لا يخفي مرضاً صامتاً أو بداية مرض .

أما المستشفيات الخاصة فهي ستقبل من وجهة نظر تجارية إجراء فحص يسمونه شاملاً، لكن نتيجته هي الأخرى تجارية لا يعول عليها والدليل شهادات السلامة التي أعطيت لخادمات يعانين من الإيدز أو التهاب الكبد المعدي فميزة الفحص التجاري انه يعطيك النتيجة التي تفضلها، وكلنا يريد نتائج سليمة .

الأمر الثاني، أعترف أو أفتخر أنني استوحيته من تعليقات القراء في موقع جريدة الرياض الإلكتروني على مقالي السابق بعنوان “سائح محشور” حول عدم توفير دورات مياه لائقة في كل مراكزنا التجارية ودوائرنا الحكومية، فقد وصلت التعليقات إلى 53تعليقاً أكثرها يشكو من عدم توفر دورات مياه على الطرق الطويلة والحالة السيئة جداً لدورات المياه في محطات الوقود (الحل الوحيد للمحتاج)، وفي الوقت ذاته نجد أن من المكرر في برامج التوعية النهي عن قضاء الحاجة في الخلاء لكونه مشهداً غير حضاري يعكس صورة مشوهة عنا ويشير إلى تخلف !! لكن البديل الذي يقضي على هذا السلوك المتخلف غير موجود .

عندما تريد مواطناً يعكس صورة حضارية فعليك أولاً أن توجد له الأدوات الحضارية البديلة، فالخلاء موجود وما لم تستبدله بمكان أجمل وأنظف وأكثر راحة فعليك أن تتوقع أن يختار الحل الوحيد .

أصعب شيء على الإنسان أن تطلب منه أن يقلد غيره في سلوك حضاري وأنت لم توجد له المسلك المتوفر للغير، حتى عبارة “لا ترمِ قشر الموز” التي كنا نقرأها في كتب “المطالعة” في المرحلة الابتدائية كانت متعبة لنا كأطفال في ظل عدم توفر الحاويات فإما أن تضع قشر الموز في جيبك أو أن ترميه وأنت تردد “الله يعيننا على الزلقة” .

اترك رد