مقارنات مجحفة

الأمر الملفت للنظر أننا نحن البشر، في الغالب، لا نستطيع التحكم في ممارسة شمولية عادلة في التقييم تعتمد على استحضار كل عناصر المقارنة في وقت واحد ودون تحيز، لنخرج بمقارنة غير منحازة خاصة عندما نقارن بين الماضي والحاضر، لأننا نستحضر المميزات دون أن ننسبها للظروف والإمكانات ونتذكر اللحظات السعيدة، دون الصعوبات .عندما نتحدث عن الماضي من وجهة نظر اجتماعية فإننا نصوره أفضل من الحاضر، ربما لأننا نستذكر منه ما نحب، أو نحصر مقارناتنا بين عناصر تصب في مصلحة الماضي، كأن نتذكر المواقف التي لها حنين، أو لأننا نعود بالذاكرة إلى مراحل من قدراتنا أو أعمارنا كنا خلالها أقوى وأكثر شباباً وطاقة، فتكون مقارنة الحاضر بالماضي غير منصفة إطلاقاً وتصب في مصلحة الماضي على حساب الحاضر.

وعلى العكس تماماً فإننا عندما نقارن الحاضر بالماضي من حيث تقييم عمل المؤسسات أو الجهات الخدمية فإننا نستحضر عناصر الإيجاب ولا نتذكر جانب الصعوبات فنظلم الماضي كثيراً عندما لا نحسب حساب فارق التقنية وفارق الإمكانات البشرية والمادية والعلمية وفارق توفر الخبرات المساعدة في المجالات الدقيقة .

لو أنصفنا في المقارنة بين حاضر مؤسسة أو جهة خدمية وماضيها آخذين في الاعتبار فارق المعطيات والظروف التقنية والمادية والبشرية لوجدنا أن مؤسسة الأمس، برجالاتها، لو توفر لهم معطيات اليوم لكانت المؤسسة أو الجهة الخدمية حلّقت بعيداً جداً في سماء الإنجاز بما لا يقارن بوضعها اليوم في ظل ظروفها اليوم، مما يدل على فارق كبير في القدرات القيادية يصب في مصلحة الماضي الذي أنجز خلاله رجال نذروا أنفسهم للعمل بأقل الإمكانات وأضعف التقنيات وأصعب التعقيدات وشح الخبرات ومع ذلك فإن الإنتاج وهو المعيار الأهم كان أكبر في الماضي منه في الحاضر .

اترك رد