طائرة الجامعة

منذ حوالي ثلاثين عاماً وأثناء دراستي بكلية الصيدلة كنت أحد طلاب النشاط الثقافي بجامعة الملك سعود، وكان طالب النشاط في ذلك الزمن يتمتع بحظوة وتقدير حتى لدى مدير الجامعة (د.منصور التركي آنذاك) فمدير الجامعة كان مهتماً بالنشاط الجامعي لا يفوض غيره لحضوره ولا يغيب عنه، وأذكر أنني كنت أذيع حفل ختام أنشطة الجامعة بحضور معاليه وكان الحفل اجتماعياً رياضياً أخوياً بحق وغير متكلف، فكلّ يحضر ببذلة رياضية ليشارك في مباراة بين أعضاء هيئة التدريس والطلاب (كان أعضاء هيئة التدريس يتواجدون ومتفرغين زمنياً وذهنياً ونفسياً لمشاركة طلابهم لا تشغلهم هموم التجارة والاستشارة لدى المؤسسات والشركات ولا يفصل بينهم وبين طلابهم حاجز الغطرسة).
وأنا أعلق على المباراة كان الجو لطيفاً مثل نفسيات الطلاب وأعضاء التدريس والإدارة، ومائلاً للبرودة مثل علاقة الطالب بالأستاذ اليوم، وممطراً برذاذ يزداد تارة إلى درجة لا يتحملها من لم يتعود البرد مع المطر، وأذكر أنني قلت عبارة لم أظنها خطيرة قلت : الأجواء سوف تثبت أيهما أقوى تحملاً من الأساتذة، خريجو أمريكا أم خريجو بريطانيا فجاءني الدكتور أسعد عبده أمين الجامعة ممازحاً وقال “انتبه الموضوع حساس جداً” وكان يعني المقارنة بين من حصل على الدكتوراه من أمريكا ومن حصل عليها من بريطانيا، فأهل أمريكا يزعمون أنهم أفضل (الآن التنافس أصبح بين من شهادته حقيقية ومن شهادته تحتمل التزوير فقد انخفض معيار المقارنة بشكل كبير جداً!!).

وبالمناسبة منذ ذلك الوقت لم أسمع عن منصب أمين الجامعة ولم نسمع عن إلغائه فماذا حدث لذلك المنصب الرنان ؟! أما الأهم فهو أن الدكتور أسعد عبده، رغم أستاذيته وأنه أمين الجامعة وصاحب حضور مميز على عدة أصعدة، فقد كان يمازح طالباً ويوجهه أما اليوم فإن الطلاب يشتكون من غطرسة أساتذتهم وتوجيه عبارات مهينة لهم ناهيك عن هضم حقوقهم مما دعا مدير الجامعة د. عبدالله العثمان لإنشاء لجنة تعنى بحقوق الطلاب،

وأحسب أن أحد أهم وأكثر الشكاوى التي تستقبلها اللجنة هو التصحيح العشوائي لأوراق الطلاب حيث يتحدث كثير من الطلاب عن “قرعة” غريبة تحدد أوراق الناجحين والراسبين والتقديرات لعدم توفر الوقت لدى الأستاذ للتصحيح !!.

لم يكن للجامعة آنذاك إلا وكيلان وكيل للشؤون الإدارية ووكيل للشؤون العلمية والبحث العلمي، أما اليوم فلدى الجامعة حسب موقعها الإلكتروني ستة وكلاء يصبحون سبعة إذا أضيف لهم وكيل الجامعة لشؤون الفروع، لكن الذي يظهر إعلامياً وفي المناسبات هو وكيل واحد فقط (وكيل الجامعة للتبادل المعرفي ونقل التقنية) أما البقية فشبه مغيبين رغم أهمية أدوارهم ومهامهم ومناصبهم .

إذا شبهنا جامعة بحجم جامعة الملك سعود بطائرة كانت منذ ثلاثين سنة محلقة على علو شاهق وبعد عشر سنوات من التحليق تعرضت لمطب هوائي هوى بها حتى اقتربت من الأرض، فإن إعادة الإقلاع بالطائرة الضخمة يحتاج إلى جهد كبير ووقت طويل ولا يكفي الصوت الإعلامي لرفعها، لأن ثمة طائرات تسبق سرعة الصوت لكنها لا تقلع بمجرد رفع الصوت.

اترك رد