أسوار وأسرار

والسور هنا كل بناء يحتوي بين جنباته على فرد أو جماعة من بني البشر، يعيشون معظم الوقت في معزل عن أعين الناس، ولا يمكنهم إيصال صوتهم مباشرة إلى أحد بمحض إرادتهم وكيف أرادوا وفي الوقت الذي يريدون.
كل من حكمت عليه الظروف أن لا يخرج من مأواه يدخل ضمن من أقصدهم، وخذ منهم على سبيل المثال لا الحصر نزلاء دور رعاية القصر أو الأحداث ونزلاء دور الرعاية الاجتماعية من العجزة والمقعدين، ونزلاء مصحات الأمراض النفسية ومراكز العزل، والأطفال في دور الرعاية الخاصة بالأيتام والمجهولين، هؤلاء جميعا لا تسمح ظروفهم أن يمارسوا ما يمارسه من هم خارج الأسوار من إيصال شكواهم في الوقت المناسب وبالطريقة السهلة المباشرة، وللشخص المناسب الذي يفضلون وصول الشكوى إليه، فهم لا يملكون الكثير من الخيارات في إيصال الشكوى، خاصة تلك التي تتعلق بالإساءة من المشرفين عليهم والمسؤولين عن خدمتهم.
من الوارد جدا وكثير الحدوث في كل أنحاء العالم أن يساء إلى هذه الفئات، أو يتم استغلالهم أو قهرهم من قبل من يشرفون عليهم أو من بعضهم البعض، لكنهم لا يملكون ذات الحرية في إيصال أصواتهم مثلما يفعل من يعود إلى أهله كل ظهيرة.
هؤلاء في الغالب خصمهم هو الحكم، أو أن الحكم شخص مقتنع بالخصم، أو مستفيد منه، المهم أن من يعلم بحالهم بعد الله هو من أوكلت له أحوالهم!.
صحيح أن المراكز التي يقبعون داخل أسوارها تتبع إداريا للوزارة ذات العلاقة، وصحيح أن ثمة زيارات لتقصي أحوالهم، لكنها من حيث عدد المرات، ومدة الزيارة، وطبيعة اللقاء وأجوائه لا تتناسب مع خطورة الممارسات المحتملة، والتي يحتاج كشفها إلى مكاشفة، والتصريح بها إلى مصارحة، والبوح بها إلى حوار مباح.
اعتقد أننا في أمس الحاجة لتكثيف الرقابة على تلك الأسوار، وأن علينا أن نفتح قنوات متعددة لوصول شكوى من يقيمون داخلها بالاستقصاء المباشر، والسؤال في جو يتمتع بالخصوصية والأمان، وتكرار الزيارات ومراقبة العاملين، وتوزيع استبيانات تتوفر لإجاباتها السرية وضمان الوصول إلى جهة محايدة، والتواصل عبر البريد الإلكتروني ورسائل الجوال وكل وسائل الاتصال الشخصية، علنا نلم ببعض ما يحدث.
أما الزيارات المعلنة المجدولة المنشورة، مثل إفطار وزير في رمضان مع الأيتام، فهي لمسة اجتماعية ذات تأثير وبعد إنساني، لكنها لا تحقق الأمان بدليل أن يتيما ضرب بعد إفطار الوزير!.
أتمنى أن تكثف الرقابة والمتابعة زياراتها لأسرى الأسوار، حتى لا يكون لسان حال الواحد منهم يردد رائعة أسير الشوق:
تخيرت ابتعد والصمت والوحده عناويني… وإذا ودك تزوريني تعالي بس في الأحلام…

اترك رد