سارق وكفالته في جيبه

مشكلتنا أننا نشرع في تبني إجراء يطبق في الدول المتقدمة، وننسى أو نهمل تماما جانب ضرورة توفر نفس الأرضيات والظروف والمتطلبات الأساسية للتطبيق.
الطموح والرغبة في تقليد من سبقونا أمر جميل، بل رائع، لكن من المهم جدا أن نقلدهم في توفير الأرضية المناسبة والأدوات اللازمة والضرورية لتطبيق الإجراء أو النظام أو الخطوة المتقدمة.
صحيح أننا نكرر القول والمطالبة بأن نبدأ من حيث انتهى من سبقونا، لكن هذا لا يعني أن نتخطى مراحل مهمة وأساسية ونتعداها إلى ما بعدها، ونحن ندرك أن ما بعدها لا يصلح دونها.
حتى في مجال تطبيق بعض المبادئ والإجراءات الإنسانية أو الحقوقية أو السير قدما في خطوات حقوق الإنسان والحريات الشخصية، فإنه من الخطأ والمجازفة أن تبدأ في تفعيلها دون أن تؤسس لضمان عدم التحايل بها وعليها أو استغلالها، وذلك بأن توفر أولا أدوات الرقابة المكثفة، والحيطة المحكمة لمنع استغلال نوايا الخير في تسهيل طريق الشر، وحرية الفرد في الإضرار بالجماعة.
خذ على سبيل المثال لا الحصر، إجراء إخراج مجرم بالكفالة ووضعه تحت المراقبة وقيد الاستدعاء في بلد لديه كل وسائل الرقابة على ذلك المجرم وتقنياتها الحديثة، إلى درجة وضع سوار إلكتروني في قدمه يصدر بلاغا فوريا بمجرد خروجه من دائرة محددة أو عند محاولته نزع الجهاز، وهذا البلاغ أو جرس التنبيه بمجرد وصوله إلى دائرة الشرطة، فإن المجرم لا يملك الوقت الكافي لتخطي المنطقة المحددة؛ لأن أقرب شرطي سيكون قد أصبح أقرب إليه من السوار نفسه.
هذا الإجراء (التسريح بكفالة) ذو الطابع الإنساني أو الحقوقي، سمه ما شئت، لا يمكن فرضه أو تطبيقه في بلد ليس لديه هذه التقنية، أو لديه السوار الإلكتروني ولكن ليس لديه القدرة على الاستجابة السريعة، فيستمر السوار الإلكتروني في الصراخ حتى يبح صوته أو تنتهي بطاريته قبل تحرك شرطي بعيد عن الموقع، لأن النتيجة ستكون منح الحق أو الحرية لسارق مثلا وتركه طليقا دون رقابة، ليسلب الجماعة حقوقهم وأموالهم أو يصادر حريتهم وأمنهم لمجرد استعجال تطبيق الحقوق والحريات للبعض دون توفير الأدوات الكفيلة بأن لا يكون ذلك على حساب حقوق وحريات الكل، وهذا استعجال غير مبرر.
اللص هو من أكثر المجرمين ذكاء وحيلة؛ لأن جريمته لا تأتي انفعالية أو وليدة استفزاز، بل يصاحبها تخطيط بهدوء، كما انه يستمرئ تكرار جريمته ويتعايش معها ويطور أساليبه، لذا فإنني أخشى أن يكون ضمن أدوات السرقة ورقة كفالة مختومة.

اترك رد