التنمية المستدانة

لا يكاد يمر يوم إلا ونطالع مقالا أو تحقيقا صحافيا أو رسما كاريكاتوريا يصف كل منها المواطن الذي بنى أو يحاول أن يبني مستقبله على أساس من الديون والقروض البنكية والسُلف.
دعوني أستذكر منها ما صدر مع إطلالة العام الهجري الجديد؛ ففي جريدة الجزيرة الغراء وحدها، وتحديدا في الخامس من المحرم من هذا العام الجديد 1431هـ، رسم رسام الكاريكاتير المبدع هاجد منزل المواطن وقد بني من مجموعة من الطوب كل واحدة منها تمثل (سلف) أي استدانة، عدا طوبة واحدة في وسط الجدار تمثل قرض صندوق التنمية العقارية، (لا توجد بلكة واحدة من حر مال المواطن) وهذا واقع!!.
في ذات العدد رسام الكاريكاتير الماضي رسم العريس وهو يبكي وأحد أقاربه ينهره، معتقدا أنه يبكي لأنه تزوج ويقول له «ياخوي تراك فشلتنا!! اضحك شوي تراك منتب أول من تزوج!!» فيشير العريس إلى يده المقيدة بكرة حديدية ضخمة هي الديون!!.
توارد الأفكار هذا لم يأت من فراغ ولم يكن صدفة وإذا رصدت ما كتب منذ ذلك اليوم إلى اليوم، وقبل ذلك اليوم بعشرين سنة أو تزيد، ستجد أن ثمة خللا كبيرا في العلاقة بين دخل المواطن وإنفاقه أدى إلى عجز كبير في ميزانية المواطن القادر على الاستدانة أو من يحظى ببقية ثقة في راتب جارٍ أو كفيل ضامن تجعل البنوك تقبل به كصيد ثمين لمنح قرض شبه مضاعف.
وعلى الجانب الآخر، هناك عدد غير قليل من الفقراء غير المضمونين لا براتب جار ولا كفيل غارم، وهؤلاء ليست لديهم مشكلة مع الديون؛ لأنهم لا يقدرون حتى على الاستدانة!!.
أنا لا أدعي الفهم في الاقتصاد، بل أقرب إلى الاعتراف بالجهل به، لكنني أفهم في قراءة النتائج وأرى الواقع، وما نراه يدل على أن الكثيرين لا يتناسب دخلهم مع التزاماتهم الضرورية وليس فقط مجاراة حالة الإنفاق لدى من يعينهم وضعهم المادي على التعايش مع غلاء المعيشة ولديهم القدرة على إنفاق مبالغ فيه يدعو إلى ارتفاع الأسعار التي أصبحت تقاس بالقادر وليس بالعاجز، وتحسب على أساس تحقيق الربح الفاحش وليس مكسبا معقولا فوق سعر التكلفة.
إذا كان الخبراء الاقتصاديون يتوقعون اختفاء منطقة الدخل المتوسط وذوبانها في طبقة الفقر أو امتزاجها مع القاع، فإن الأخطر من ذلك هو تكون قشرة هشة آيلة للانهيار هي منطقة أو طبقة المقترضين أو المدينين، وهذا ما يمثله واقع نسبة كبيرة من الناس، ويشكل خطورة بالغة يجب أن نتعامل معها بسرعة فائقة وبالتزامن مع خططنا لمعالجة الفقر بل وبطريقة أسرع، وذلك بتحقيق موازنة بين الدخل والإنفاق بالعمل على زيادة الدخل المتمثل في الرواتب والبدلات والأجور مع خفض الأسعار وإخضاعها لرقابة صارمة والاعتماد على الإقراض الحكومي الميسر.

اترك رد