قريد الخطوط وقرد الاتصالات

يبدو أننا نعاني معاناة شديدة مع قصور في مفاهيم جذب العميل بالعمل لا بادعاء العمل، وانعدام تام لثقافة المنافسة بتقديم المغريات، وكنت أتصور أن قصور المفهوم يعاني منه مقدم الخدمة أو الشركة الخدمية، لكن المواقف المتعددة لهيئة الاتصالات نحو حرمان المشترك من مميزات عنصر المنافسة أثبتت أن المشكلة أكبر من مجرد قصور في مفاهيم الشركات، وأنها إنما تتمثل في انعدام لثقافة الاستفادة من التخصيص وتعدد مقدمي الخدمة الواحدة في ما يعود على المواطن أو العميل بالفائدة من هذه التعددية.
قصور مفهوم جذب العميل بالعمل رأيته يتمثل في سلوكيات الخطوط السعودية المبنية على تقديم تجاوزات ومميزات غير مستحقة للعميل لمجرد أنه صحفي أو كاتب قد يخدم الخطوط بخبر أو مقالة تخدم مدير إحدى المحطات أو مديرا في الخطوط نفسها، ولعل أوضح الأمثلة تجاوزا أو أكثرها حدوثا ما يسمى (أب قريد) وهو تحويل راكب يحمل تذكرة سياحية إلى الدرجة الأولى، مع أنه لا يستحق ذلك الإجراء فهو قد دفع قيمة تذكرة سياحية ولا يحق لموظف أن يمنحه ميزات يفترض أن يشتريها بقيمتها المادية، وليس بقيمته هو أو قيمة استفادة مدير المحطة من قلمه إذا كان كاتبا أو شعره لو كان شاعرا أو نفوذه إن كان ذا نفوذ.
الأدهى والأمر إذا كانت عملية الترقية تلك على حساب راكب آخر حول من الدرجة الأولى إلى السياحية ليحتل المحتفى به مكانه!!. لله در الصدف، فقد صادف أن يكون المعنى المقابل لتعريب اللفظ الإنجليزي (أب قريد) هو والد صغير القردة، وهل أقبح من القرد إلا (وليده)، وحتى بالنسبة للراكب المظلوم فإن التصرف يدخل تحت (قرادة) الحظ، ومرتكب الفعل المشين هذا لو وجد من يحاسبه فإنه سيكون (مقرودا) هو الآخر، ولكن واقع الحال يقول ابشر بطول سلامة يا من عملت (أب قريد)، الموضوع برمته يذكرني بفلم كوكب القردة.
أما انعدام ثقافة المنافسة فليس أدل عليه وأكثر إيلاما من المواقف السابقة واللاحقة لهيئة الاتصالات، مع محاولات مقدمي الخدمة لمنح إغراءات مستحقة تشكل تسهيلا للمشتركين هم في أمس الحاجة له فموقف هيئة الاتصالات الجديد (لا أسميه الأخير لأنه لن يكون الأخير وستذكرون) والمتمثل في حرمان المشتركين من مجانية استقبال الاتصال الدولي، موقف غريب وينم عن غياب لثقافة الإفادة من التنافس في ما ينفع المشتركين، وقد كان لهيئة الاتصالات موقف مشابه عندما طرحت شركة الاتصالات السعودية ميزة الشهر المجاني، لكن الهيئة تراجعت عن موقفها بعد إصرار مقدم الخدمة بنظامية هذا الإجراء، والتراجع وإن كان بطريقة صامتة مخجلة لم تشرح لا أسباب الرفض ولا حيثيات التراجع، إلا أن الوضع في مجمله يدل على عداوة الهيئة لكل ما يخدم المشترك.
إذا كانت هذه ثقافة التخصيص وتنويع مصادر الخدمة لدينا، فهل يعني هذا أنه لو وجد مستقبلا منافس حقيقي للخطوط السعودية فإننا لن ننعم بمميزاته وسعيه لكسب ود كل الركاب عن طريق (أب قريد) نظامي؟!.

اترك رد