التمييز الوظيفي والوزراء الجدد

كلنا نعمل من أجل الحصول على أجر مادي (مال)، هذا أمر لا خلاف عليه في علاقة الموظف بصاحب العمل. والموظف إنسان وصاحب العمل كيان إما حكومي أو خاص، وفي كل الأحوال يمثله أيضا إنسان هو القيادي أيا كان منصبه؛ وزير، محافظ، أمين، مدير عام… إلخ.
حسنا، نحن تعودنا أن نمنح الدورات التدريبية والدروس والنصائح لصغار الموظفين، أما القيادي فبمجرد استلامه زمام المنصب فإنه يعتقد أنه أصبح في غنى عن التعلم (حتى في مجال قيادة المجموعة وهو أمر لم يجربه)، وفي غنى عن الدورات (مع أنه يعلم جيدا أنه لم يتدرب على القيادة ولا يجيد فنونها)، فكل هذه الأساسيات (التعلم والتدريب) يشعر أنها تنقص من قدره، وتدل أنه ما زال في حاجة إلى شيء ينقصه استكماله وهو يريد أن يبدو كاملا (الكمال لله)، مع أنه أكثر إنسان يعلم أن أشياء كثيرة تنقصه، بدليل خوفه الدائم من الفشل في مهمته وتكرار فشل سابق، ومع ذلك لا يريد أن يتسلح ضد الفشل بمزيد من التعلم أو الحصول على دوره، لكنه يقبل الحصول على نصيحة، أتدرون لماذا؟، لأن النصيحة تتم في السر، ولا تحتاج لأكثر من إصغاء، ولا تشتمل على إقرار بالحاجة إليها فهو يستمع ويستمتع ويستفيد ويستزيد دون أن يقر لك بالحاجة إلى ما قلت، بل إن بإمكانه بعد أن تتم نصيحتك، ويستفيد من كل حرف جاء فيها، أن يشعرك بأنه يعلم كل ما قلت ويعرفه أكثر منك.
ولأن الأمر غاية في التعقيد، فليس الأفضل من نصيحة موجهة للعموم فيستفيد منها من يستفيد، ولا نسأل عليها أجرا إن أجرنا إلا على الله.
أعود بكم من حيث بدأنا، وهو أننا جميعا نعمل في وظائفنا من أجل الحصول على أجر مادي، ولكن خذوها نصيحة من مجرب عمل أكثر من 30 عاما (نصفها عادي ونصفها قيادي)، أن روح العطاء لا يحددها مقدار الأجر وإنما ما يشعلها ويزيدها تألقا هو العدل في الأجر، والعدالة في التعامل، بل إنه إذا لم يتحقق في المؤسسة العدل في الأجور، فإن أكثر الناس أجورا أقلهم عملا، فهم يأخذون ولا يزيدهم ما يأخذون عطاء، بل يزيد غيرهم قهرا وإحباطا، لذلك فإن الأولى أن يكون الأجر على قدر العمل، لأن العمل إذا كان قليلا لا يقدر صاحبه على زيادته فإن الأجر لا يزيده، بينما إذا كان العمل كبيرا لأن صاحبه يبذل بطبيعته دون ان ينتظر زيادة في الأجر فإن تمييز غيره عليه دون حق يجعله يهرب من البيئة كلها.
لا تعاني المؤسسات من تدني الأجور الشامل للجميع مثلما تعاني من تفاوت الأجور والمميزات، فالإنسان يؤمن أن الموت مع الجماعة رحمة، لكنه يرفض أن يكون أقل من غيره دون سبب، ولذلك فإن زيادة الاستقالات في مؤسسة لا تكون بسبب تدني أجورها إذا ما قورنت بنسبة زيادة الاستقالات عندما تتفاوت الأجور ويتفاوت التقدير، فهل يعي ذلك الوزراء الجدد؟

اترك رد