حتى لا يحترق قطار الوزارة

امتدادا لموضوع الأمس (التمييز الوظيفي والوزراء الجدد) والذي تطرقت من خلاله إلى أن (نكبة) الوزارات والمؤسسات لا تكون من تدني الأجور الشامل للجميع مثلما تأتي من تفاوت الأجور والمميزات؛ لأن الإنسان يؤمن أن الموت مع الجماعة رحمة، لكنه يرفض أن يكون أقل من غيره دون سبب، ولذلك فإن زيادة الاستقالات في المؤسسة لا تكون بسبب تدني أجورها إذا ما قورنت بنسبة زيادة الاستقالات عندما تتفاوت الأجور ويتفاوت التقدير.
أعود لأحد أسباب حدوث مثل هذه الهزات الإدارية لبعض الوزارات والمؤسسات العامة وحتى الخاصة وهو القصور في القدرة على القيادة الإدارية والافتقاد لروح القيادة، وهي بالمناسبة قدرات وخواص وملكة وموهبة يهبها الله لمن يشاء مع ضرورة حصوله على التأهيل الإداري المتخصص والذي يأتي بالدراسة والتخصص العميق في علم كبير وتخصص قائم بذاته هو تخصص الإدارة.
وموضوع إيكال الإدارة للمختص في الإدارة، وإعطاء خبز الإدارة لخبازيها المتخصصين فيها مطالبة قديمة ودائمة ومستمرة لا يخلو حوار ولا قاعة نقاش ولا برنامج حوار تلفزيوني أو إذاعي أو مقال صحفي إلا وتطرق إليها وطالب بها، وقد طبقت هذا المفهوم العلمي القائم على التخصص دول ونجحت بسرعة مثل اليابان وماليزيا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها، ولم تستكمله دول أخرى لأنها لم تنعتق من الخلط بين التخصص في علم أو فن والقدرة على (إدارة) كل من يعمل في مجال يتعلق بهذا العلم أو الفن فيكون المهندس مديرا إداريا لكل ما له علاقة بالهندسة، والزراعي مديرا لكل من يعملون في شأن الزراعي، والطبيب مديرا لكل من لهم علاقة بالصحة وهكذا يتم الخلط بين كبير المهندسين ومديرهم والمدير الطبي والمدير الإداري، وعلى العموم فإن الأمر يتوجه إلى مزيد من التفهم حتى في الدول النامية.
الأهم ريثما يتم تطبيق المفاهيم الصحيحة هو أن يتنبه من يتولون الإدارة من الفنيين إلى خطورة التحيز إلى التخصص الفني أثناء ممارسة القيادة الإدارية، وهذه وربي أحد أهم سلبيات إيكال الإدارة إلى فني متعصب لمهنته؛ لأن الوزارة أو المؤسسة لا تسير على عجلة واحدة هي عجلة زملائك الفنيين، بل هي قطار طويل وسريع يسير على مئات العجلات التي تديرها آلاف التروس والمولدات والآلات ووقوده العدل بين كل هؤلاء وتوقف عجلة واحدة من عجلاته نتيجة عدم العدل في تشجيع و(تشحيم) كل عدة القطار سيؤدي إلى توقفها وتفحمها ثم احتراق قطار الوزارة أو خروجه عن السكة.

اترك رد