المحصنون في الأرض

عندما أتممت كتابة العنوان لاح في مخيلتي عنوان مشابه كتبه الزميل صالح الشيحي منذ سنوات بنفس السجع ولكن بمعنى آخر مختلف تماما، بل على النقيض كان العنوان «المحبطون في الأرض» نزع من خلاله الحصانة لأول مرة عمن يدعي لنفسه إنجازات موظفيه، فكان مقال الشيحي نقطة تحول أخفيت عن الزميل سعود الدوسري الإعلامي الوسيم الذي لا تعرض عليه إلا التحولات «الوسيمة» ويحجب عن برنامجه كل تحول قبيح.
ثمانية من مديري التعليم في منطقة مكة المكرمة كتبت «عكاظ» السبت الماضي أنهم طالبوا الإمارة بمنحهم حصانة من نقد الصحافة، والبحث عن الحصانة هذه الأيام أمر غير مفاجئ ولم يعد نادرا، بل أصبح أسلوب حياة وعادة سيئة، والغرابة في الخبر الذي انفردت به «عكاظ» (صاحبة الانفرادات المهنية الحقيقية) هو الأسلوب الصريح لمديري التعليم في مطالبتهم العلنية تلك، فهي يمكن أن تؤخذ على أنها صراحة ووضوح ويمكن اعتبارها تبجح يدل على شيوع البحث عن الحصانة بكل الصور والأساليب وهذا هو بيت القصيد.
الحصانة من نقد الصحافة باتت مطلبا غير معلن للكثيرين، والحصانة بالمناسبة مأخوذة من التحصين المناعي «اللقاح» واللقاح وإن كان يفشل أحيانا فيجعل الوفيات لديك تفوق 20% من مجمل الوفيات في العالم إلا أنه ينجح أحيانا إذا بني على نهج سليم.
الحصانة مطلب غير معلن إلا لدى مديري التعليم الثمانية، وهذا يدل على أنهم يعلمون أبناءنا الوضوح والشفافية ويبشر بأننا ننتظر جيلا واضحا شفافا لا يعتمد الحيل والكذب وينطبق عليه المثل الشعبي «فلان ما في قلبه على لسانه» وهذا في حد ذاته مطلب وإن جاءت البشارة بسلوك غريب مثل طلب الحصانة هذا.
الحصانة من نقد الصحافة ينشدها سرا ذلك المسؤول الذي يتعاقد مع شركات التلميع الذاتي «Image Polishing co» وما أكثر شركات التلميع الإعلامية وما أضخم عقودها فقد أصبحت أكثر من دكاكين التلميع الساطع إلى درجة أن البعض أصبح يتعاقد مع أكثر من واحدة، أي أنه أصبح لدينا تعدد في مجال التعاقد مع المؤسسات الإعلامية للتلميع الشخصي، وهو تعدد لا يشترط الأربع بل يبيح لصاحبه إذا بلغت به نشوة التلميع مبلغها أن يقضي وطره في خامسة وسادسة دون أن يطلق الرابعة خصوصا أن «المهر» من المال العام.
الحصانة من النقد الصحفي تطلب سرا بالشكوى والترجي والتوسط والادعاء والتباكي، تماما مثلما يأتي الطفل إلى والده ويقول فلان «طقني» لأنه قال له «عيب يا شاطر».
أحدث حصانة وأغرب حصانة أصبحت تؤخذ بالجاهة والتوسط بالقبيلة، إقرأوا إن شئتم مقال الزميل صالح الطريقي في ذات عدد «عكاظ» ليوم السبت الماضي، ومقال الزميل سعد عطية الغامدي يوم الأحد الذي تلاه.

اترك رد