شهداء فضحوا بقية المستور

بعض الناس يولد ويشيب ويموت وهو سلبي لم يقدم للإنسان والحياة شيئا يذكر وربما أخذ منها بسلبيته وأنانيته الشيء الكثير وهو بلا شك محاسب على ذلك، وبعضهم صغر أو كبر ينفع البشرية أثناء حياته وبعد إصابته أو مماته.
النماذج كثيرة جدا ويحضرني منها والألم يعتصر قلبي على وطني اليوم ثلاثة:
الأول منصور بن محمود عبد الغفار عضو مجلس الشورى الذي بقي جثمانه مسجى في الشارع أكثر من أربع ساعات لعدم وجود إجراءات واضحة لكيفية التعامل مع من يسقط ميتا في الشارع تربط بين الهلال الأحمر والطب الشرعي والشرطة وأظن أن الدكتور منصور (رحمة الله عليه) بعث حول هذا الموضوع برسالة حتى بعد مماته لم يبعثها زملاؤه من أعضاء الشورى الأحياء.
الثاني هو الطفل محمد حمد حكمي الذي ودع أهله وودعنا بعد أن ترك رسالة بالغة سوف يؤجر عليها هو ووالداه مفادها أن أطفالنا في خطر دائم سواء في المدرسة أو أماكن النزهة أو المراكز التجارية أو أي مكان يستلزم حضرة الضمير، فلقد علمنا أن المعلم الذي يجد في طلب حقوقه ويتحمس في الشكوى والنواح على كادر التعليم وعدم توفر رعاية صحية له ولزملائه ما هو إلا إنسان مهمل عندما يتعلق الأمر بغيره ومثله في ذلك مدير المدرسة والوكيل والمراقب ومدير التعليم في المنطقة جميعهم حريص متحمس منافح إذا تعلق الأمر بمصلحته وحقوقه أما مصالح الناس وواجباته نحوهم فيهملها مثلما يهمل الناس حقوقه.
الثالث الشاب ماجد مدرك باسعيد الذي يرقد حال كتابة هذا المقال في العناية المركزة ينتظر رحمة من الرحيم الودود تعيد دماغه للعمل بعد أن ترك تحت الماء أكثر من 20 دقيقة دون إنقاذ بعد رحلة مدرسية ووالده المكلوم يقف بجانبه يستمع لعبارة سيئة بل وقحة مجردة من الإنسانية تقول (بل أنت وافقت بدليل أنك أعطيته الملابس) وكأنه بإعطاء ابنه لملابس سباحة أو أخذ الابن لها وقع موافقته على إهماله وتركه يغرق دون رقيب، وكأنه هو من وافق على أن يذهب 41 طالبا مع مرافقين لمكان فيه مسبح مراقبه عامل ومنقذه كهربائي!!.
أبا ماجد لا تحزن فماجد أرسل رسالة بالغة فضحت إدارة التعليم في جدة حينما قالت لنا ولوالد محمد الحكمي إنها أوقفت الرحلات المدرسية للمسابح وأماكن الألعاب الخطرة، وفضحت تجارنا الذين يدعون أنهم يستثمرون في الترفيه والواقع أنهم إنما يستثمرون في أرواح الناس وبأقل التكاليف (مراقب المسبح عامل لا يسبح والمنقذ الصحي كهربائي) في ظل غياب الرقيب لا من الدفاع المدني ولا من إدارة التعليم التي ترسل «الزبائن» ضحايا لهم ولا من الجهات التي ترخص لهم مع غض الطرف عن خداعهم وتزييفهم في المتطلبات.
لا تحزنوا آل عبد الغفار وآل حكمي وأسرة ماجد باسعيد فكل من مات أو أصيب هو شهيد بعث برسالة سوف تحيي الآلاف مفادها أفيقوا فإن فسادكم وتخاذلكم وكذبكم له في كل يوم ضحية وأن المهمل اليوم قد يكون ضحية الإهمال غدا.

اترك رد