الحذاء إللي ما يصيب يدوش

قلت سابقا أن أمريكا وبعض دول أوروبا لا تختلف عن دول العالم الثالث (تحت النامية) في موضوع الحريات الشخصية والديمقراطية، والفرق يكمن في الظروف التي تحتم اختراق الخصوصية وكبت الحريات، ليس إلا، بدليل أن دولا كانت تدعي الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان والحرية وحماية الخصوصية تخلت عنها مع أول اختبار وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي سجنت دون محاكمات في أشرس معتقل عرفه التاريخ (جوانتانامو) ومارست أبشع صور التعذيب في سجن أبو غريب، وأباحت التصنت على الشعب الأمريكي، واخترقت الخصوصيات، ثم جاءت فرنسا ودول أوروبية أخرى لتمنع الحجاب في الجامعات وتنزع النقاب في الشوارع رغم أنهما من الحريات الشخصية.
جاء موقع ويكيليكس لينشر فضائح تمس دولا تدعي الديمقراطية وحرية التعبير فكان نصيب مؤسس الموقع جوليان أسانج الاعتقال بتهمة تبدو ملفقة (الاغتصاب)، تماما مثلما يحدث في دول متخلفة مع خصوم السلطة والمعارضين، فأين كانت هذه التهمة قبل نشره للأسرار؟!، ويبدو أن العالم أجمع شهد ويشهد وسيشهد أنواعا من ردود الأفعال لسياسات الغطرسة والتهور التي مثلها أبشع تمثيل بوش الابن فكان حذاء منتصر الزيدي ردة فعل تحذيرية للتعبير عن الاستياء الناجم من كبت أي تعبير آخر يفترض أن يكون مباحا والولايات المتحدة الأمريكية تدفع اليوم ثمن ذلك الكبت والتحايل في شكل فضائح ويكيليكس التي لا تعدو كونها حذاء آخر ولكنه عالي الكعب.
يبدو أن السيد بوش لم يكن يتلقى النصائح الحكيمة ممن حوله بدليل التبرير المرتبك لأسباب استقباله بإطلاق زوج أحذية بدلا من إطلاق المدفعية 21 طلقة كما هو البروتوكول في البلدان التي تكتسب صداقتها بغير القوة!!، فقد برره ما حدث بأنه يدل على ممارسة الحرية وهو اعتراف صريح بأن السيد منتظر الزيدي كان يمارس حقاً من حقوقه التي تكفلها الحرية التي جلبتها أمريكا للعراق وبالتالي فإن أي محام عادي الذكاء قد يستخدم هذه الشهادة الصادرة من المجني عليه، كدليل دامغ بأن موكله لم يرتكب عملا يدعو للاعتقال وهو ما أكده نشر ويكيليكس للحقيقة التي استدعت إطلاق الحذاء آنذاك، وهل ما نشره جوليان أسانج إلا صورة من صور حرية التعبير التي تدعي أمريكا أنها رسالتها للعالم.
يجب أن تدرك الولايات المتحدة الأمريكية وكل رئيس لها أن سياسة الدولة العظمى المتحيزة لإسرائيل وممارساتها المهينة للأبرياء وغطرستها المتمثلة في احتلال العراق وتأييد ممارسات الاحتلال في فلسطين هي التي جعلت مواطناً عربياً يضحي بحذائه، رغم الأزمة الاقتصادية، ليبعث برسالة صادقة للرئيس الذي دمر العراق.
والحذاء أو «الجزمة» العراقية المنطلقة من منصة إطلاق أدمية تحمل رسالة أخرى لأمريكا والعالم، مفادها أن سلاح الدمار الشامل الذي تذرعتم به للاعتداء على العراق تمخض عن جزمة تفتقد للدقة في إصابة الهدف وهو ما أثبته موقع ويكيليكس.
العراق الذي تم ضربه بصواريخ عالية الدقة يتم توجيهها آلياً عن بعد لتصيب هدفا ثابتا غير متحرك يتمثل في منزل يعج بالمسنين والنساء والأطفال أو مستشفى أو ملجأ بحجة أنه يمتلك أسلحة دمار شامل، جاء رده بقذيفتين من طراز (جزمة مقاس 44) موجهة يدوياً نحو هدف متحرك استطاع أن يتلافاها لأن قدرتها في الإصابة لا تقارن بقدرته في المراوغة!! لكن أمريكا فشلت في تلافي تبعاتها فالعرب يقولون في الأمثال (العيار إلي ما يصيب يدوش).
زوج الحذاء تم التحفظ عليه رغم إطلاق سراح صاحبه وأخشى أن تفسر رائحة (شراب) الصحافي العراقي على أنها أثار لأسلحة دمار شامل لحفظ ماء وجه أمريكا ولو على جوز حذاء عراقي، وهو ما قد يكشفه موقع إلكتروني آخر أو موقع ويكيليكس ذاته والأهم هنا هو أن الدولة العظمى التي تحاول فرض مبادئ حقوق الإنسان والحريات الشخصية والديمقراطية باتت مصداقيتها على مرمى رجل واحد سواء بالحذاء أو المعلومة الإلكترونية.

رأي واحد على “الحذاء إللي ما يصيب يدوش

اترك رد