زبد يا وطني فاتركه

إحدى مشكلاتنا الكبرى الأزلية أن الكثير منا يرى أن الهدف الأهم من عمله أو إنجازه هو عرضه في الإعلام وامتد هذا القصور في الطموح الوطني ليصل إلى درجة أن العمل أو مشروع العمل إذا عرض في الإعلام فإنه يعتبر حقق هدفه فيتوقف صاحبه عن الاستمرار فيه حتى لو لم يكتمل ولم يحقق للوطن شيئا يذكر فالمهم أن الهدف هو إشهاره إعلاميا وإيصاله لأصحاب القرار وإطلاع الكبير والصغير عليه وعلى اسم صاحبه وأنه قد تحقق لأن الهدف هو التعريف بصاحب العمل وليس تحقيق العمل نفسه، والتذكير باسم ومؤهل صاحب المشروع وليس إنجاز المشروع نفسه، أي أن الكثير من إبداعاتنا الوطنية هي مجرد تقديم ورقة سيرة ذاتية للحصول على منصب.
هذه حقيقة وليست تشاؤما وطبقها على ما شئت من أبحاث واكتشافات أعلن عنها أو مشاريع شخصية طرحت أو أفكار علمية تم الإعلان عن الشروع فيها أو إنجازات طبية ضخمت وستجد أنها جميعا تسعى إلى هدف يخدم الشخص لا المشروع ويحقق مجدا لفرد لا جماعة وبالتالي فإن المحصلة إنجاز شخصي بالوصول إلى الإعلان عن الذات وسيرتها وليس إنجازا وطنيا يصل إليه الوطن ولو بعد حين لأن مجرد إعلانه في الصحف يعني نهايته ووصوله للهدف..
والحقيقة الأهم أننا نحن سبب المشكلة الأساسية وسبب ترسيخ هذا المفهوم وشيوع هذا السلوك، فنحن في الإعلام من نتيح الفرصة لنشر الأخبار المضخمة عن مشاريع شخصية لم تنجز، وأفكار مبدئية لم تنضج وإنجازات طبية على أنها لفرد وهي لجماعة ومشاريع بحثية لازالت في بدايتها وكأنها انتهت ووصلت إلى نتائج، وخطط لم تدخل بعد بوابة التنفيذ وكأنها أنجزت، واستراتيجيات قدمت في ورقة واحدة براقة وناقصة وكأنها تمت وآتت أكلها، ونحن في الوطن من نقيم الشخص بناء على ما قال لا ما فعل، وبناء على ما نشر عنه لا ما حقق على أرض الواقع، وبناء على تقييمه لنفسه لا تقييم إنجازاته التي يدعيها، نحن من نتأثر بما ينشر ونتفاعل بناء عليه، ونحن من جعلنا الباحث الأكاديمي والطبيب والصيدلي والمهندس وعالم الذرة والكيميائي والمحاسب والقانوني يسعى إلى الصحيفة قبل أن يعرف في مجلة علمية متخصصة محكمة، ويبرز في وسائل الإعلام قبل أن يبرز في محافل العلم والعلماء، نحن من يقدر من نقرأ عنه لا من نقرأ عن نتائج عمله، ونحن من يرفع من شأن الزبد ويقدره مع أنه يذهب جفاء ونهمل من ينفع الناس ونتركه يمكث في مكتبه وقاعات محاضراته وعيادته ومختبره لا نستفيد منه حق الاستفادة القصوى الممكنة ولا يعلم عنه أحد.

اترك رد