غامضون في زمن الشفافية

في الوقت الذي كنا نحلم فيه بأن تقلل بعض الجهات الحكومية من تحفظها وغموضها مع الإعلام وتتزامن مع عصر الشفافية وتحقق متطلبات هذا العصر الذي لم يعد فيه مكان لعبارة (لا يدري أحد) أو (هذه معلومات سرية) فيما يتعلق بالأرقام والإحصاءات للحالات التي ليس لها أي طابع سري مثل معدلات التلوث أو الحالات المرضية أو عدد المدمنين …إلخ، نصدم بكل أسف أن الجهات المعنية تخفي الأرقام عن جهات حكومية معنية أخرى وليس الإعلام وحسب، وهذا معناه أن ثمة (أشخاص) وليس مؤسسات لم يستوعبوا بعد ضرورة الشفافية والوضوح كمتطلب أساسي لعلاج أي مشكلة، وهؤلاء أغلبهم ممن حققوا ما وصلوا إليه عن طرق ملتوية وغير واضحة ونجحوا في الصعود على أكتاف الآخرين وظنوا أن هذه الطرق هي الأسلم في كل زمان ومكان.
خلال يوم واحد، يوم واحد فقط كشفت جريدتا الرياض وعكاظ حالتين من انعدام الشفافية بين جهات حكومية ذات علاقة وطيدة وهامة بالمعلومات المتحفظ عليها، وكل تعتيم وإخفاء للمعلومات كان له دور خطير فيما حدث وقد يحدث في مدينة واحدة هي جدة، وطبيعي أن يتكرر في غيرها من المدن والقرى والهجر، لأن الظلام وسط مناسب لحدوث المفاجآت الخطيرة المرعبة.
في جريدة الرياض كشف تقرير في المحليات أن لجنة الشؤون الصحية والبيئة بمجلس الشورى تشكو من إخفاء الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة لنتائج عدد من الدراسات في تقريرها المدرج للمناقشة في مجلس الشورى، حيث ذكر التقرير الإيجابيات وهي إجراء الدراسات ولكنه لم يشتمل على النتائج رغم أهميتها(!!) مثل الدراسة المتعلقة بأثر عمليات الدفن في السواحل الشرقية للمملكة على الثروة السمكية والأحياء البحرية، وكذلك مشروع المحافظة على السواحل والشعب المرجانية بمنطقة مكة، إلى جانب ضعف القدرة على إعطاء صورة دقيقة عن طقس المملكة والتنبؤ بالظواهر الجوية التي زادت حدتها مؤخرا وسببت الغرق بسبب عدم وجود محطات بحرية، إضافة إلى عدم تضمين نتائج الدراسات الخاصة بالتلوث في مهد الذهب.
وفي نفس اليوم ولكن في عكاظ ألمح رئيس اللجنة الصحية في المجلس البلدي في جدة د. حسين البار إلى أن وزارة الصحة لا تزودهم بإحصائيات حمى الضنك وإنما تقدم لأمانة المدينة تقارير ومعدلات لثلاثة أسابيع بدلا من تقرير أسبوعي، والمجلس البلدي يأخذ هذه المعدلات المتأخرة من الأمانة لمرض مستوطن في المدينة!! وهو ذات السلوك التعتيمي الذي مارسته وزارة الصحة مع حالات انفلونزا الخنازير حتى اضطرها ارتفاع عدد الوفيات إلى نشر الأرقام الحقيقية لإجمالي الحالات للإبقاء على نسب منخفضة للوفيات، ويفترض الاستفادة من هذا الدرس في حمى الضنك وغيرها، فلا شيء أجمل من الشفافية خصوصا أننا لا نتحدث عن أسرار عسكرية أو أرقام من الخير للوطن أن تكون سرية.
ما استشهدنا به هو حصاد يوم واحد من الغموض في جهتين مؤثرتين في مدينة واحدة مكلومة عانت من غياب المعلومة وما خفي كان أعظم.
إنهم لا يناسبون عصر التوجه نحو الشفافية، إنهم من أسباب المشاكل بل سببها الرئيس.

رأي واحد على “غامضون في زمن الشفافية

  1. أخ محمد من يتولا منصب في حكومه شموليه يؤمن بعدم حاجه غيره لمعرفة اي احصائيات حتى ولو كانت غير عسكرية
    فالكثير من مدراء دوائر حكومية لا يؤمنون باهمية الشفافيه لأنهم لا ينجحوا في اسلوب أدارتهم الا بالتكميم على الأفواه حتى لا يتم كشف خيبتهم في الأداره
    ولكن يمكنك التواصل مع مراكز البحث الخارجيه فتعرف منهم ما لا يعرفه غيرهم من الأحصائيات عنا وذلك لترابط دوائرهم
    فهم يعرفون الكميات المطلوب توفيرها من مصانعهم ومن ثم يقدرون اسباب طلبات معينه لمواد معينه والزمن الذي يتم صرفها من المستودعات لدينا

اترك رد