لا تشوهوا الإنجازات الحقيقية

بطولات وتضحيات وإنجازات المواطنين والمقيمين على هذه الأرض الطاهرة كثيرة وشبه يومية، وتمثل بطولات حقيقية وتضحيات ذات قيمة ومخاطرة بالنفس لإنقاذ أنفس، وهذه كنت وما زلت أحد المطالبين بتكريم أصحابها على المستويين الرسمي والشعبي، ودعوت مرارا وتكرارا أن نشيع روح التكريم والمكافأة والتشجيع بسخاء لكل بطل وطني أو صاحب إنجاز حقيقي ومشهود.

ولست هنا لأدعي تعريف العمل البطولي أو تصنيف الإنجاز الحقيقي، ولكن من أمثلته التي لا يختلف اثنان على تصنيفها كعمل بطولي: فرمان علي خان الباكستاني الذي أنقذ 14 غريقا في سيول جدة ومات شهيدا تغمده الله بواسع رحمته، ولم يقصر هذا البلد الأمين فقد كرمه ومنحه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى وتم تكريم ودعم أسرته وما زالت أسرته تحظى بالامتنان الدائم من حكومة هذا الوطن المعطاء وشعبه الكريم، ومن أمثلة الأعمال البطولية ما قام به شاب بالتسلق لشقة محترقة وإنقاذ الأطفال بداخلها، وقيام مواطن بإبعاد صهريج وقود مشتعل عن محطة الوقود وغير ذلك من المواقف البطولية (التطوعية) وأضع تحت هذه الكلمة عشرين خطا مؤكدا أن العمل التطوعي يفوق بمراحل أداء واجب العمل الروتيني الذي تؤديه كموظف وتتقاضى عليه راتبا. ما بال أقوام بدؤوا في تصوير أعمالهم الوظيفية الواجبة على أنها إنجازات؟! بل ما بال الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب (التقليدي) أصبح يهب لتكريمهم وإبرازهم دون تثبت ولمجرد أن أحدهم أو إحداهن صورت مقطع فيديو وهي تؤدي عملا روتينيا وكأنه إنجاز خارق؟

نحن لا نحسد أحدا، لكن يؤلمنا أن تضيع الإنجازات الحقيقية والتضحيات الكبرى في بحر متلاطم من الادعاءات الكاذبة أو المبالغات و(الهياط) في وسائل التواصل الاجتماعي وتحديدا (تويتر) والتي تبدأ بفيديو شخصي ملمع ثم تصعد إلى حوار تلفزيوني في برامج شهيرة يفترض أن تتثبت. ما الإنجاز في أن يقود أحدهم أو إحداهن سيارة إسعاف مؤديا عمله أو مدعيا أداء عمل غيره؟ وما الإنجاز في أن يجري طبيب عملية جراحية روتينية ويدعي أنها الأولى في العالم وزملاؤه يعلمون أنها روتينية أو أجريت آلاف المرات؟ أو أن يدعي باحث أنه اكتشف اكتشافا فريدا دون أن يثبت أن أحدا لم يسبقه إليه؟ ورابع يصور ما يدعيه اختراعا وهو لم يسجل براءته؟!

في زمن بث الإعلام الشخصي الذاتي، علينا توقع تمجيد الذات والنرجسية وافتراء الإنجازات ونسخر منها ولكن لا نشجع عليها ونروج لأصحابها في إعلام يفترض أنه رزين، ويفترض أن يعود للمرجعيات العلمية والطبية والأكاديمية والمهنية لتمحيص الادعاءات بأي إنجاز علمي أو طبي أو مهني.

حتى أطفالهم أصبحوا يلقنونهم سيناريوهات ويحفظونهم عبارات ويصورونها على أنها ذكاء وسرعة بديهة ثم يستجدون تكريمهم وطنيا، وهنا خطورة أكبر وتربية على احتيال مستقبله خطير.

نشر بجريدة الرياض يوم الأحد 23 رجب 1442هـ 7 مارس 2021م

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s