كيكة وزهور وعاجز مقهور

هي عادات نقلها لنا إخوة لنا لم يسعدهم ثراؤنا ولم يفرحوا قط لفرحنا، لكنهم وجدوا ترسيخها في نفوسنا وإقحامها في عاداتنا وتقاليدنا تجارة لهم وربحاً وفيراً، ونجحوا في جعلنا نتنافس ونتبارى ونتسابق في المبالغة في أحجامها وأشكالها وارتفاع أثمانها.

منذ متى ونحن كسعوديين لا ندخل على قريب نزوره إلا ونحن نحمل “كيكة” أو طبق حلوى باهظ الثمن، ومنذ متى ونحن كسعوديين لا نعود مريضاً إلا ونحن نحمل باقة زهور؟! وقبل أن أقول متى تحديداً، دعني أقول أولا إنها أساليب ثبت ضررها وقلة نفعها وخلقت تنافساً محرجاً لغير القادر على ثمنها، وتسببت في قلة التواصل بين الأقارب -قبل كورونا والتباعد- ففلانة من المؤكد أنها ستحضر كيكة ضخمة أو حلوى ماركة، وعلانة ترغب بالحضور لكنها لا تقدر على ثمن مثل تلك الكيكة أو الحلوى، وإن جلبت أقل منها -من حلوى الديرة أو وسط البلد مثلاً- فستكون مادة للسخرية و”كوميديا السنابات”، وما يقال عن كيكة الزيارة يصدق على باقة الزهور للمريض، فبعضها ويشهد الله أنني كنت أمر في ممرات المستشفى وأحسبها نخلة تحتاج إلى صعودها بحبل الكر وشمراخ لقاح!!

أما الضرر الصحي فعظيم جداً، فالكيكة ويسمونها بالمناسبة “كعكة” مليئة بالسكريات والأصباغ والدهون والمواد الملونة الضارة المصنفة عالميا كمسرطنات، والزهور قد تسبب الحساسية للمريض أو جاره في الغرفة والعنبر وإذا نشفت فخطورتها أكبر.

أما متى ابتلينا بها فقريب جداً، ومنذ اختلاطنا بمن استوطن المستعمر ديارهم ولوث أفكارهم، ونحن ولله الحمد لم يدنس أرضنا مستعمر، وكنا نعود المريض بالدعاء والرقية، ولا نحمل طعاماً لبيت آخر إلا لجار محتاج أو قريب في عزاء أو مريضة لا تستطيع طبخاً، ونجلب لهم المفيد النافع الذي يؤكل ولا يرمى في النفايات كما يحدث لكيك المباهاة.

ولعلي أعلم أن مثل هذه النصائح قد تؤدي لاتهام البعض لي بالتخلف، وله أؤكد أنني لم أقتنع قط بزهور المكتب التي كانت ومازالت تزين بها مكاتب مديري العموم وكنت واحدا منهم لو أردت زهوراً، ومازلت أعتقد أنها إسراف وتبذير يمكن بمنعها أن يتحقق الكثير من التوفير، كما أن تقليد قطع الكعكة في احتفالات بعض الدوائر فيه إسراف وتبذير ومجاملة يمكن الاستعاضة عنها بشهادة مكتوبة تبقى للتأريخ، ولا أذكر أن كعكة احتفال أكلت رغم ضخامة بعضها وتحسر جميع الحضور المجاملين على مصيرها، ويعلم أقربائي أنني لا أؤيد مطلقاً إحضار الكيك أو الحلوى لمن يزورني، وأقنعت أسرتي ألا يحملوه لأحد أو يتفاخروا به.

وكمعلومة إضافية فإنه وحسب ما عايشت أثناء دراستي في بريطانيا وعيشي مع أسرة بريطانية ومخالطتي لضيوفهم، فإن تقليد جلب شيء مع الضيف جاء من الغرب، فهم يجلبون معهم قارورة نبيذ كهدية ويتباهون بأنواعه، وشيء هذا أصله نحن في غنى وكرامة عنه، وفخر أن نوسم بالتخلف عن ركبه.

نشر في جريدة الرياض يوم الأحد 8 شعبان 1442هـ 21 مارس 2021م

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s