الصحة فريق ممارسين جميعهم مهمون

في أعوام قليلة مضت، ليست بعيدة جداً، صوّر للمخطط الصحي وصاحب القرار أن الصحة طبيب وممرضة فقط، طبيب يشخص المرض ويكتب علاجه، وممرضة تقوم برعاية المريض وفق ما يوجهها الطبيب، وهذا كله غير دقيق، بل وتجاهل تخصصات مهمة جداً، لا يمكن للطبيب أن يعمل من دونها، بل هي اليوم أهم من الطبيب نفسه؛ لأنه من دونها إنما يعمل بتخرصات وتوقعات غالباً ما تخيب.

حتى التمريض نفسه لم يعد اليوم تابعاً لتوجيهات الطبيب، فهو تخصص وعلم قائم بذاته ومهارة صحية لا تقبل التوجيه، ففي جوانب كثيرة تعرف الممرضة المدربة الخبيرة ما لا يدركه الطبيب، ليس قصوراً فيه، ولكن لأن التمريض ليس علمه ولا خبرته ولا مجال ممارسته.

ذلك التصور والتصوير الخاطئان بأن الرعاية الصحية طبيب وممرضة، زادتا وتوسعتا في وقت مضى مع سيطرة الأطباء على مفاصل الإدارة الصحية وصنع القرار الإداري فيها، وهو ما تغير اليوم – ولله الحمد – بتطورنا في المجالات كافة، وهما (أي التصور والتصوير) وإن كانا بلغا ذروتيهما في تلك المرحلة، غير البعيدة، والتي شهدت إعداد لائحة الوظائف الصحية بين العامين 1411هـ و 1412هـ وسلم رواتب الكوادر الصحية الناتج عنها، إلا أنه إحقاقاً للحق فإن ذلك التصور الخاطئ بدأ في المجتمع قبل ذلك بكثير كنتيجة لبدايات رعاية صحية بدائية، كان فيها الطبيب في عيادته أو قريته هو الطبيب وفني المختبر وفني الأشعة والصيدلي واختصاصي التجبير والعلاج الطبيعي، وتساعده ممرضة، فتولدت تلك النظرة للرعاية الصحية أنها طبيب وممرضة، واستمرت رغم التطور الهائل في مجال التخصص وتنوع مهام ومهارات وعلوم وتخصصات فريق متكامل لا تتم الرعاية الصحية بغياب أحد أفراده ولا أهمية لفرد في الفريق تفوق الآخر.

وما استمرار ذلك التصور الخاطئ في مرحلة إعداد لائحة الوظائف الصحية وسنوات تلتها إلا نتيجة تعصب بعض الأطباء أو قلة منهم (ممن استشيروا آنذاك) فتعصبوا لمجال تخصصهم وكسب عيشهم، حتى إننا وصلنا إلى مرحلة أُحبط فيها بقية الممارسين الصحيين في الفريق، وجميعهم مهمون جداً، فأصبحوا يشبهون الرعاية الصحية بساعة اليد، لا يرى منها غير عقارب الساعة والدقائق المتحركة، أما التروس التي تحركها وتديرها بدقة متناهية فهي مخفية تماماً مع أنها الأهم.

واليوم نحن نعيش زمن تخطيط سليم ورؤية ثاقبة مبنية على العلم والحقائق والشمولية والمنطق الصحيح للأشياء، والمنطق يقول: إن كل عضو في الفريق الصحي له دوره الأساس والمهم الذي لا غنى عنه، ولا تكتمل الرعاية الصحية من دونه، فمن دون الصيدلي (عالم الدواء) لا يلم الطبيب بتعارضات الأدوية وتفاعلها مع بعضها وتعارضها مع بعض الأعراض والأمراض وأيضها وإخراجها ودوره في تحديد جرعاتها، ومن دون فني الأشعة وفني المختبر لا يتحقق التشخيص الدقيق، ومن دون فني التخدير لا يتم التخدير، ومن دون اختصاصي التغذية لا تنجح المحاذير الغذائية، ومن دون اختصاصي العلاج الطبيعي وإعادة التأهيل لا تنجح العمليات، وللاختصاصي الاجتماعي والاختصاصي النفسي أدوار لا تكفي المساحة ولا أضعافها لشرحها.

لذا علينا استقطاب كوادر وطنية في جميع ما ذكرت وما قد نسيت من تخصصات، وخلق وظائف لهم في المستشفيات الحكومية والخاصة، والتوسع في سعودة تلك الوظائف، فأبناء الوطن هم من يبقون له في كل الظروف.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 11 ربيع الأول 1443هـ 17 أكتوبر 2021م

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s