النظرة القاصرة

ومن أمثلة النظرة القاصرة أن يدافع شخص عن مغالاة شركات الأدوية العالمية ورفعها لأسعار الأدوية على وطننا، وبالتالي ارتفاع درجة نبرة الشكوى من فرق سعر الدواء لدينا مقارنة بدول أخرى، يدافع بقوله: إن نسبة من يدفع قيمة الدواء من المواطنين لا تزيد على 10 ٪، لأن العلاج مجاني!! إما لأن القطاعات الصحية توفر الدواء مجاناً لأكثر من 50 ٪ من المرضى، والبقية وهم 40 ٪ مؤمن عليهم وتدفع عنهم شركات التأمين!

كلام عجيب غريب، ونظرة قاصرة تدل على ضحالة في التفكير، فنحن يجب أن ننظر لتأثير رفع السعر هذا على اقتصادنا الوطني، فما تدفعه الدولة -أعزها الله وأدام خيرها على المواطن والمقيم- يبقى صرفاً وطنياً مرهقاً، ويجب أن ندافع عنه كما ندافع عن ما نصرف من مالنا الخاص، وهذه النظرة القاصرة تذكرني بمن يجور بعدم وعي بل بغباء على سيارة حكومية قائلاً “حلال حكومة”، وحتى ما تصرفه شركات التأمين هو إنفاق وطني، وله مردود سيئ ليس على الاقتصاد فقط بل حتى على تكلفة الخدمات، فشركات التأمين بذلك سترفع تكلفة التأمين على المواطن وعلى المؤسسات والشركات الوطنية التي تؤمن على موظفيها، وأيضاً ستقلل من التزاماتها وتتشدد في طيف التغطية كنتيجة لارتفاع سعر الدواء سواء المستورد أو المحلي.

وبالمناسبة فإن من الممارسات الخاطئة الخطيرة تعمد بعض الأطباء في بعض المستشفيات الخاصة كتابة مزيد من الأدوية المسكنة والفيتامينات والمكملات الغذائية للمريض المؤمن عليه صحياً، بحجة ونظرة قاصرة مفادها أن شركة التأمين هي من ستدفع تكلفة الدواء، وهنا إضرار بصحة المريض أولاً بتناوله لأدوية وعقارات لها أضرار جانبية من دون حاجة، وثانياً رفع غير مبرر لتكلفة العلاج، وإفشال لمشروع التأمين الصحي بسلوكيات غير أخلاقية.

ومن النظرة القاصرة، القول بالعرض والطلب في مجال الدواء، فالدواء سلعة أساسية يجب أن يحمى أمنها بما يحقق أمناً دوائياً للوطن ولا تترك لا للعرض والطلب، ولا لجشع المصنع، ولا لتأثير شركات الأدوية التسويقي سواء على بعض الأطباء في الوصف أو بعض الصيدليات التجارية في فرض تعرفة رفض أو قبول زيادة تسويقية “بونص”.

لذا اقترحت وأقترح دوماً أن نعمل وطنياً وخليجياً على مشروع متكامل للشراء الموحد للأدوية، ليس فقط للقطاعات الحكومية بل لكل الدواء الداخل إلى البلد سواء لصيدليات حكومية أو أهلية أو خاصة، وبذلك نضغط على الشركات العالمية التي تستغلنا وتصنفنا حسب قدرتنا الشرائية ومستوى الدخل، وتضغط علينا بأسعار خيالية جشعة.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 19 صفر 1443هـ 26 سبتمبر 2021م

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s