داخ الطفل والمغشي عليه غيره

منذ حوالي أربع جمع (شهر تقريباً) وعندما أقام المؤذن لصلاة الجمعة فإذا بطفل في الثالثة عشرة من عمره يقف استعداداً للصلاة ثم يسقط فجأة على ظهره وقد أغمي عليه، تجمعنا حوله لنسانده فعاد للوعي فطلبنا منه أن يرتاح ويتمدد حتى نفرغ من الصلاة، لكنه أصر على أن يصلي قائلاً (ما فيني شي بس دوخة ولن أفوت الجمعة)، وفعلاً صلى وعدنا لسؤاله إذا كان يعاني من أمراض كالسكري أو الضغط أو التشنجات فأجاب بالنفي وأخذ يسأل عما حدث له وكيف سقط؟ فأخبرناه بما حدث وسألنا إن كان برفقته أحد وأجاب بالنفي ورفض أن نوصله لمنزله مؤكداً أنه بخير، وقام أحد المصلين (جزاه الله خيراً) بالتكفل بمراقبته حتى يصل منزله.

أول أمس الجمعة صلى بجانبي فسألته عن أحواله وهل تكرر ذلك العرض؟ وهل راجع المستشفى لمعرفة السبب؟ فأفاد أن العرض لم يتكرر وأنه راجع المستشفى فأخبروه أن وضعه الصحي جيد وتفسيرهم لما حدث أنه كان جائعاً، وبدأنا محادثة تعرف فاتضح أنه من طلبة حلقات تحفيظ القرآن في الحي وهو في المرحلة المتوسطة الآن وطموحاته عالية شأنه شأن كل صالح.

مثل هذا الطفل، الحريص على أداء الصلاة دون إلحاح من أب أو أم، بدليل حرصه على عدم تفويت الجمعة رغم تعرضه للإغماء ومحافظته على الجمعة، نشاهد أمثاله كثيراً جداً، ولله الحمد فكثير من الشباب والأطفال يرتادون المساجد لأداء الفروض وخاصة صلاة الفجر دون مرافق، ربما لأنه يتيم الأب أو لأن والده من أبطال المهمات الوطنية خارج المدينة أو مريض، والعامل المشترك الأعظم لهؤلاء الأطفال والشباب هو التربية الحسنة لأم صالحة أو والدين أحسنا التربية بحرص على صلاح الأبناء.

تلك النماذج تبشر بأننا بخير عظيم وأننا بانتظار أجيال جادة يعتمد عليها الوطن وأن مجتمعنا لازال زاخراً بأمهات منشغلات بتربية جيل صالح نافع لا يرهق الوطن، وآباء همهم تنشئة ذرية صالحة من الأبناء والأحفاد.

هذه النماذج من النشء الصالح لا يرهق الوطن وأجهزته الأمنية، لا بإتلاف ممتلكات ولا بتفحيط وإزهاق أرواح ولا بتحرش ولا بسرقة وإجرام، ولا بفشل دراسي وبطالة وإزعاج وفوضى، ولا يصبح عبئاً على الوطن فهذه النوعيات، سيئة التربية، هم المغشي عليهم، لذا قلت عن ذلك الطفل في المسجد أنه داخ وأغشي على غيره.

الشباب والشابات الذين تربوا على مكارم الأخلاق والأمانة والجدية والشهامة والغيرة والصدق والشجاعة أنفع للوطن في أنفسهم وفيما ينتجون ويربون من أبناء وبنات وأحفاد وحفيدات، فتلك الخصال هي من تجعل جندياً تبتر ساقه في ميدان الدفاع عن الوطن ويطلب العودة لذات الميدان الذي فقد فيه ساقه.

أقترح جائزة وطنية أو وساماً لكل أسرة (أم وأب) أحسنوا تربية أبنائهم وأنتجوا للوطن مواطناً باراً بوطنه مخلصاً لدينه صالحاً في سلوكه ومنتجاً في مجال عمله. إن انشغال بعض شباب هذا الجيل بالألعاب الالكترونية أنتج شباباً أقل تحملاً للمسؤولية وأجهل بسبل العطاء فبعضهم (أرجو أنهم قلة) لا يستطيع استبدال إطار سيارته! مما جعل بعض الدول تفرض حظراً على الألعاب الإلكترونية وتحدد لها ساعات محددة أسبوعياً وليس يومياً.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 26 صفر 1443هـ 3 أكتوبر 2021م

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s