قطرة القصيم غيث

منذ عشرين سنة وتحديداً في 4 سبتمبر 2002م كتبت في هذه الصحيفة الغراء مقالاً عن انبهاري الشديد بما رأيت في القصيم من سعودة للأعمال والوظائف في المطاعم وأسواق الخضار والملاهي، في زمن كنا نحلم فيه أن يعمل شاب في تلك المجالات، وهو ما تحقق اليوم ولله الحمد في عهد العزم والحزم عندما أصبحت السعودة حقيقة واقعة.

كان ذلك المقال بعنوان (السعودة في القصيم أحلى)، وقلت فيه: “لأول مرة أرى سعودة حقيقية لكل فئات الوظائف، ليس لأن السعودة نشطة في القصيم ولكن لأن شباب القصيم جادون في الحصول على العمل “هذا تفسير شخصي”، في بعض المدن الرئيسة في كل أنحاء المملكة تبحث الصحف عن السعودي الذي يعمل في مطعم وجبات سريعة لتجري حواراً معه لندرته، بينما في القصيم يكاد أن يكون الآسيوي هو النادر في المطاعم!! لم أجد ألذّ من الأكل في مطعم يعمل به شباب سعوديون، حتى الطلب له نكهة خاصة ممتعة، كنت أقول: هامبرغر دجاج بالحر بدلاً من (سبايسي شيكن) من فرط الفرحة لأن شباباً يعمل في المطاعم سيقبل العمل في التمريض والمختبرات والورش والمصانع. في ملاهي القصيم يندر أن تجد لعبة يشغلها عامل آسيوي أو غير سعودي. نحن مجتمع برز منا أطباء وصيادلة ومهندسون لكننا نبقى شغوفين دائماً بسماع اللهجة المحلية في الأعمال الأخرى لأننا نفتقدها رغم حاجة شبابنا لها وهذا الشغف الشديد أشبعته في القصيم حيث كانت كلمات “خلوه يلعب” أو “ركبوه بالقارب” تطربني كثيراً لأنها تعزف ألحان الجد والثقة بالنفس والوعي، كان ذلك في الملاهي أما في الورش والمطاعم والمصانع وأماكن البيع فإن الظاهرة الإيجابية اللافتة للنظر والمتمثلة في إقبال الشباب على العمل أعم وأشمل” انتهى، ويمكن العودة للمقال لمن يرغب.

تلك المبادرة التي تحسب لشباب القصيم تحققت اليوم، وثمة مبادرة أخرى عظيمة جداً، يجب علينا تشجيعها واستنساخها، إنها تجربة المرحومة -بإذن الله- فاطمة التركي التي أسست مبادرة غير مسبوقة بتحويل حوش منزلها لمصنع للفحم صديق البيئة، الذي مصنعه خال من الرصاص وممتلئ بنساء سعوديات أرامل أو يتيمات يعملن في تصنيع ذلك الفحم، ذلك المصنع زرناه: حمد القاضي وخالد السليمان وأنا، وكتبت عنه مقالاً في صحيفة عكاظ بعنوان (مضيعة الوقت إلى عنيزة) في 25 مارس 2011م، وسر العنوان أنه تزامن مع تصريح لبعض رجال أعمال بعد اجتماع مع وزير العمل -آنذاك- يحثهم على السعودة، فصرح أحدهم -هداه الله- بأن “الاجتماع لمضيعة للوقت”، وإن كان حياً اليوم فسيعلم أن السعودة اليوم (مكسبة) للوقت، ومكسب لكل خير للوطن، قلت في ذلك المقال: “في محافظة عنيزة بمنطقة القصيم زرت فاطمة صالح التركي (أم خالد) امرأة أرملة، قتل زوجها خطأ طبي أليم وهو في منتصف العمر والأعمار بيد الله، بدلاً من أن تحبط وتتقوقع وتنقم على المجتمع أنشأت جمعية نسائية خيرية واتخذت الدور الأول من منزلها موقعاً للجمعية تطوعاً من دون مقابل وحرمت نفسها وأسرتها من الخصوصية وأقاموا في الدور العلوي من المنزل لإدارة الجمعية لتكون أول جمعية خيرية تعمل على مدار الساعة مهنياً وإدارياً بإقامة رئيستها في المقر، بل إقامة المقر في منزل الرئيسة…” إلخ المقال لمن أراد تفصيلاً الرجوع له.

واليوم أقول: إن تجربة المرحومة فاطمة يجب أن تستنسخ في مناطق أخرى ومجالات مختلفة، فعمل الأسر المنتجة يجب أن لا يقف عند الطبخ والخياطة، وفي جميع مناطق وطننا المعطاء نساء ورجال لا يقلون عن فاطمة عنيزة كرماً وعطفاً وسعياً للخير، وفي كل منطقة رجال ونساء يبحثون عن حضور منتج في مجالات عمل خير وصلاح ولعلي أفصل في مميزات استنساخ مبادرة فاطمة التركي في مقال مقبل، وإلى ذلك الوقت دعونا ندعو لها ولمن شجعها.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 20 جمادى الآخرة 1443هـ 23 يناير 2022م

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s