يحتاجون ثلاثة وزراء

عندما عملت صيدلانياً في مستشفى الملك فهد بالحرس الوطني منتقلاً من عمل أكاديمي ودخلت غمار المنظومة الصحية التطبيقية بعد أن كنت أكاديمياً نظرياً بعملي كمعيد ثم محاضر بكلية الصيدلة بجامعة الملك سعود، عشت تحولاً كبيراً جداً في إحساسي وشعوري نحو المرضى وأقاربهم وظروفهم واحتياجاتهم.

من يدخل المستشفى يعيش تحولاً كبيراً، سواء دخله مريضاً أو مرافقاً لمريض أو ممارساً صحياً، لا فرق إطلاقاً، فإذا خالطت المرضى وعشت معاناتهم ومعاناة أحبتهم فلابد أن تعيش أحاسيسهم ومشاعرهم وتتبنى قضاياهم، هذا طبعاً إذا كنت إنساناً طبيعياً و لديك ذرة من شعور، وغيرك ممن لا يعيش ذلك الشعور يعد هو الاستثناء والنشاز، والمعاذ بالله من منزوع المشاعر والأحاسيس.

أعود فأقول في بداياتي كصيدلاني شاركت تطوعياً في تجارب الكوارث الافتراضية التي يجريها المستشفى دورياً كمتطلب احتياطي، ليس فقط كصيدلي ولكن كمشارك في الإعداد لهذه التمثيلية الافتراضية بتدريب الممثلين كمصابين وعمل المكياج لهم إما برسم الجروح أو وضع ما يشبه الحروق، وكان فريق الإعداد يدرب أيضاً ممثلين يقومون بدور الأقارب الذين تعرضوا لصدمة إصابة أو فقدان قريب ليتم التعاطي معهم في غرفة الطوارئ، كانت تجربة ثرية مفيدة جدا، ومربط الفرس هنا أنني أثناء تنفيذ خطة الطوارئ رأيت تفاعل الممثلين كأقارب وما يفعلونه من تصرفات وانفعالات لا شعورية وذهول فظننت أنها حركات مبالغ فيها كالقفز عاليا والجري في الممرات والصراخ ودفع من يقترب منهم.

عندما أصبحت مديراً عاماً وتولى معالي د. فهد العبدالجبار إدارة الشؤون الصحية بالحرس الوطني كمدير عام تنفيذي لصحة الحرس اتخذ خطوة رائعة (ليست الوحيدة) فقد فرض على كل مدير عام لإدارة أن يناوب ليلاً مرتين شهرياً كمدير عام تنفيذي للشؤون الصحية بالحرس الوطني له صلاحيات ومهام فهد العبدالجبار نفسه وكنت من أكثر من ناوب بحكم جدول المناوبات، وصادف في مغربية رمضانية أن حصل حادث مروع بين سيارتين محملتين بالركاب (ساعة الإفطار بسبب السرعة) وبلغت الإصابات في الحادث أكثر من 14 بين مصاب ومتوفى، فأعلنا حالة الطوارئ كما ينص نظام المستشفى وكنت المدير التنفيذي المناوب ذلك المساء فرأيت على الطبيعة ماكنت أظنه مبالغة من أقارب المتوفين والمصابين (عظم الله أجرهم في مصابهم وثبتهم وجبر كسرهم)، لم يبالغ الممثلون، بل إن التأثير النفسي على الأقارب عند فقد قريب أو حبيب أمر جلل، مع أننا ولله الحمد مجتمع مسلم مؤمن وإيماننا يهون علينا المصائب إلا أن الحاجة للمساندة عند صدمة وصيحة الغفلة (حمانا الله منها) تبقى ماسة جدا.

لذا كنت ولازلت وسوف استمر بالاقتراح بأن نولي جانب الدعم النفسي والاجتماعي لذوي المصاب في المستشفيات الحكومية والخاصة الأهمية التي يستحقها بما يحقق مجتمعاً صحيحاً نفسياً وذلك بأن نعيد الاختصاصيات الاجتماعيات لمهامهن الحقيقية ونزيد من وظائف الاختصاصيين النفسيين والاجتماعيين في المستشفيات وفي المجتمع عامة لمساندة كل مكلوم والوقوف معه، وهذا الأمر معني به ثلاثة وزراء: وزير الصحة ووزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية ووزير التعليم، الأول لتفعيل المهام للاختصاصي النفسي والاجتماعي في كل مستشفى خاص وحكومي وفرضها مطلباً أساسياً والثاني لإضافة الوظائف وسعودتها والثالث لزيادة المخرجات لهذه التخصصات المهمة وهذا الوقت الذي نشهد فيه تطوراً جاداً حازماً عازماً هو أنسب الأوقات لكل رقي بالخدمات، وفي المقال القادم أفصل في أسباب ودواعي التركيز على الصحة النفسية للمجتمع عبر مساندة أفراده في مصائبهم.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 18 ربيع الأول 1443هـ 24 أكتوبر 2021م

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s