لا فتوى صحية بلا أرقام أيها الاستشاري!

لا يجوز استخدام الإعلام للترويج للنفس في أي تخصص كان، وبالذات التخصصات الصحية قاطبة (طب، صيدلة، تغذية، علاج نفسي… إلخ) فالناس تستسلم لكل معلومة تتعلق بصحتها إذا صدرت من أحد الممارسين الصحيين وتتأثر بها كثيراً، والتوعية في مجال الاختصاص جيدة جداً وتعتبر من النصيحة وأمر وطني إيجابي عندما تقتصر على مجال الخبرة والتخصص وتدعم بالحقائق والأرقام المنشورة من أبحاث علمية محكمة علمياً ونشرتها مجلة علمية متخصصة معترف بها، وخلاف ذلك فهو مجرد ادعاء للترويج للاسم وتضليل وإرباك.

هذه الأيام كثر في مواقع التواصل الاجتماعي -خاصة تويتر- وفي بعض الصحف والقنوات الفضائية -للأسف- وفي برامج مهمة ومتابعة ومحترمة، كثرت عبارة «استشاري ينصح» و»استشاري يقول» و «استشاري يصرح» وفي كثير من تلك النصائح والأقوال والتصريحات، فإن الاستشاري طبيب يتحدث في غير تخصصه ومن دون الاستناد لحقائق أو حتى نظريات منشورة ولا أرقام وإحصاءات مؤكدة، ولمجرد أنه وصل لدرجة استشاري وهذا باطل وأمر عجيب ولا يحدث في بلد متقدم علمياً وطبياً إلا عندنا، ويجدر بنا كبلد تقدم كثيراً أن نضع له حداً وحدوداً ونظاماً.

الاستشاري مجرد درجة وظيفية هي أعلى درجة في سلم المهن الصحية خاصة الطب والصيدلة، ولقب مهني مرتبط بالتخصص والخبرة في مجال صحي ضيق محدد، وبين كل تخصص طبي وآخر حساسية وتحفظات إذا حدث تداخل، فكيف يفتي استشاري في كل مجال صحي ويكرر التصريحات والفتوى والظهور الإعلامي في غير تخصصه، وتهب وسائل الإعلام معه صارخة «استشاري يقول»؟!.

الموضوع زاد عن حده كثيراً وأصبح واضحاً وبلا أدنى شك أن بعض الاستشاريين الذين يكثرون الحديث في كل مجال هم طلاب شهرة لا متطوعو توعية، لأن التوعية تكون في مجال التخصص وبمعلومة مؤكدة موثقة بمرجع علمي، وليس بمعلومة يظنها الاستشاري فينشرها للناس.

استشاري عيون يفتي في مجال القلب، واستشاري نفسي أصبح عكوزاً (بكوزا) يفتي في مجال علم الاجتماع، واستشاري جلدية يروج معلومة عن تكميم المعدة، واستشاري أنف وأذن وحنجرة يفتي بمعلومة غير موثقة عن أمراض العيون، وطبيب قلب يفتي عن كل شيء ويكرر الظهور لو تعلق الأمر بأعطال السيارات، وفي كل لا توجد مرجعية علمية ولا بحثاً مؤكداً ولا مرجعاً محكماً.

أصبحت المناسبات الصحية والأمراض والأوبئة والقلق بيئة مناسبة للفت الأنظار والظهور على حساب المعلومة الصحية الصحيحة والتوعية الصحية المثالية، ولذا يجب وقف هذه المهازل وتنظيمها، ومساءلة كل استشاري يفتي إعلامياً عن مستنده ومرجعه وأرقامه، من أين حصل عليها؟ فالناس لا ينقصها القلق.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 27 جمادى الآخرة 1443هـ 30 يناير 2022م

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s