التصنيف: غير مصنف

توج النصر فهل نلتفت لإيران؟!

باستثناء برنامج (كورة) على قناة روتانا خليجية، فإن إعلامنا الرياضي المتلفز، شأنه شأن بعض الصفحات الرياضية لم يوفق في اختيار ضيوف يناقشون الشأن الرياضي بمهنية وحياد ووطنية ورزانة في الطرح.

تخيل أن عدد كبير من ضيوف برنامج (الديوانية) مر عليهم شهر وهم يتحدثون و يتشاجرون على قضايا سطحية تافهة مثل: لماذا يفرح العويشير بطريقة حركة الدودة ؟!، وأن  حمدالله ارتقى على أكتاف المدافع في هدفه بمرمى الاتفاق، حتى أن بعض ضيوف البرنامج وقف مقلداً طريقة الهدف في شكل قوبل بالسخرية والضحك، ويرددون جملة مكررة من الصياح والعويل، ويتركز حديثهم لساعات طوال عن متعب المفرج لماذا ينقذ كرة هدف محقق لفريقه السابق، ولماذا عجز ظهير فريق سابق منسق لانخفاض مستواه عن إيقاف مهاجم عالمي فذ هو هداف الدوري بأرقام غير مسبوقة اسمه حمدالله، بالله عليكم انتظروني حتى أصل إلى ما تجاهلته هذه المجموعة السطحية من شأن رياضي كان بالإمكان استغلاله وطنياً وسياسياً لو وجد من يستحق الإستضافة.

في برنامج (الوقت الأصلي)، لا يوجد إلا (طيف) رياضي وجمل متعصبة استفزازية، لا تستحق حتى الذكر أو المجادلة والغريب أن يقبل التواجد فيه أسطورة عالمية مثل ماجد عبدالله.

حتى برنامج (كورة) فوت الفرصة التي سوف أشير إليها، لكنه والحق يقال يناقش أموراً ذات قيمة وبهدوء وضيوف عقلاء، استطاع أن يعري رئيس الحكام الإنجليزي سيء السمعة كلاتينبرج الذي استغفل رياضتنا كلها وقلب موازين العدالة بفار كبير في الدور الأول، وانتقدوا ملاعبا سيئة كادت أن تعصف بسمعتنا، وأنصفوا خليل جلال الذي لا أحد يعرف مبرراً لإبعاده.

سطحية وتعصب ضيوف تلك الديوانية وبرنامج (الوقت الضائع) هي التي وترت الشارع الرياضي حتى شهد وفيات وإغماءات ما كانت لتحدث لولا ذلك التوتير الذي حذرت منه في (تويتر).

في المقابل، حدثت فرصة ذهبية، لا يضيعها إعلام ذكي عاقل، فريق ذوبهان الإيراني يختار ملعب كربلاء العراق لمواجهة النصر السعودي أسيوياً، ظناً منه أن العراق أصبحت أرضه، ثم يحظى الفريق السعودي، في نزاله مع الزوراء، باستقبال الشعب العراقي المحب بحفاوة، ليس هذا فقط، بل الفرصة الذهبية أن الفريق الإيراني في مباراته مع الزوراء تعرض لاستهجان الجماهير العراقية العربية الأصيلة، ونزول بعضهم لضرب لاعبيه وحصول مشاجرات كبيرة بين لاعبي الفريقين، وفرصة ألماسية آخرى تتمثل في تغيير الإيرانيون، المصدومون بواقع أنهم مكروهون لرغبتهم وطلب ذات الفريق الإيراني عدم لعب مباراة النصر في العراق!.

ذلك كان استفتاء شعبي عراقي لكرههم لإيران، لكن برامجنا الرياضية لم تستغله إعلامياً ولم تتحدث عنه مطلقا، أشغلتهم  دودة العويشير، للأسف، والدودة تزعج كثيراً.

تكميم أفواه مرضى الأورام

علمه الوطن وابتعثه وصرف عليه الكثير ليعود متخصصاً في علاج أورام الجهاز الهضمي، (أورام القولون والمعدة…آلخ) ولكي يعمل في المستشفى الحكومي المتخصص المفخرة، وحدث هذا فعلاً، لكنه، وبسبب حب المال وعدم الاكتفاء بالراتب الجزل والبدلات، أصبح يهمل مرضى الأورام في المستشفى الحكومي ويؤجل مواعيدهم لعدة أشهر ينتشر خلالها الورم وقد يموت المريض، وفي البداية كان يحث مرضاه المؤجلين عدة أشهر على مراجعته و إجراء عملياتهم خلال أيام قليلة في الخاص، لكنه بعد أن ذاق طعم الدخل الإضافي الحرام، وجد أن ثمة عمليات (أقرب إلى التجميل والترفيه منه لإنقاذ الحياة) أسهل وأكثر دخلاً، فتحول إلى عمليات تكميم المعدة!، فيجري في شهر أكثر من ١٥عملية تكميم ولا يتابع منها واحدة، وهذا مخالف للوائح لأنه يجريها في مستشفى خاص لا يمثله رسمياً، وأهمل تماماً علاج مرضى أورام الجهاز الهضمي وهذه خيانة للأمانة واللوائح والأنظمة وحنث بالقسم، ولعل تكميم المعدة عوده على تكميم أفواه مرضاه عن الشكوى بحزنهم فمرضهم يشغلهم عن الشكوى.

تلك كانت صورة واقعية لنتيجة طبيعية لمخالفة تركت واستفحلت وفساداً طبياً تبنيت محاربته بما أوتيت بالحرف والصورة والصوت وسوف أستمر إلى أن أرى أن المرضى اللذين أهتم بهم الوطن وأهملهم طبيب جشع قد أنصفوا، وكاتب الرأي الذي يؤمن برسالته السامية لا يكل ولا يمل ولا يخاف ولا يجامل، ودائماً أقول أن الكاتب، الذي سيجامل و يساير، عليه أن يترك هذه المساحة لغيره أو للإعلان.

ولا يزال مجتمعنا السعودي بألف خير فأغلب صور الفساد الطبي التي يمارسها أطباء مخالفين تصلني من أطباء شرفاء مخلصين غيورين على دينهم ووطنهم  ومهنتهم الإنسانية النبيلة، وعندما نستشهد بهذا المثال الصارخ لتطور النتائج والمضاعفات الناجمة عن التساهل في معاقبة الأطباء الحكوميين المخالفين بعملهم في مستشفيات خاصة، إلى درجة مست مرضى السرطان وقد تفشل مشروعاً وطنياً إنسانياً يتمثل في مستشفي متخصص لو تفرغ له أطباؤه فقد يغني عن إرسال المرضى للخارج، فإننا إنما نضرب مثلاً فقط، و إلا فإن الواقع خطير والصور للمتاجرة بصحة الناس متعددة للأسف.

أما المؤسف أكثر أن يورد البعض أمثلة لأطباء لبوا النداء لإجراء عملية ٣ ساعات ويوردها دفاعاً عن المخالفين، بدلاً من الثناء على الطبيب الصالح وكأن الأصل عنده عدم إنسانية الطبيب، فيسيء لمهنة الطب ويبين سطحية فكره وتفكيره هو ومن يعيد تغريدته، فمهنة الطب أعظم منهما وأجل قدراً.

كابوس محيط الرعب

الأشياء التي تحيط بنا و تدور حولنا وندور في محيطها هي من تحدد سلوكياتنا، بل تجبرنا على عمل ما لا نقتنع به إطلاقاً لكننا نمارسه مجبرين لأن محيطنا المرعب يفعل ذلك، وهنا يبرز دور الأشخاص الواثقون بأنفسهم ويبرز دور القدوة الصالحة، ليسبح ضد تيار المحيط ويشجع الناس على السباحة ضد التيار والتغريد خارج السرب الخطأ.

مجتمعنا يعاني من عادات، بل ممارسات دخيلة لم تكن معتادة، تنتشر بين الغالبية بسرعة ويتضرر منها كثيرين ولا ينتفع منها إلا من روج لها وغالباً هم مستثمرون من خارج بيئتنا.

خذ على سبيل المثال إحضار هدية عند كل زيارة وغالباً تكون حلوى غالية الثمن (ماركة) باهظة التكلفة على الزائر والضرر الصحي على الجميع، هذا تقليد أعمى جديد جاءنا من الغرب ودول استعمرها الغرب، ففي كثير من دول أوروبا لابد أن يصطحب الزائر زجاجة نبيذ (أكرمك الله) على أساس أنها هدية بينما واقع الحال أنها (اسكر من جيبك) ونحن ولله الحمد والمنة على نعمة الإسلام من هذا براء، لكننا قلدنا السلوك المكتسب بالعدوى عن طريق إحضار حلوى وما شابه.

صحيح أننا أول من بدأ هذا الذوق الرفيع بأسلوبنا الجميل غير الملزم، عندما كانت الأحوال مستورة والظروف صعبة، فكانت المرأة ميسورة الحال تزور جارتها مستورة الحال وتذيقها ما تيسر مما طبخت وقد تكون وجبة يحتاجها الجيران ويتلهفون عليها، أما اليوم فهي مجرد بطر ومباهاة وتسابق على المظاهر، يحرج غير القادر، فكم أسرة تتحاشى الزيارات لأنها لا تستطيع أن تجاري غيرها في ميدان المباهاة، وكم من بنت أحرجت أمها بعدم الذهاب لأنها بالكاد تستطيع توفير مصروفها من حافز أو حساب المواطن على فواتير المنزل، ولقد أدى ذلك إلى التباعد وقلة التواصل بين الناس بسبب ذلك الرعب الذي يحيط بنا من عادات دخيلة.

شراء ورد لزيارة مريض مثال آخر، لا أساس له إلا التقليد فقد كان خير ما نحمله للمريض وللمرأة الوالدة هو الدعاء و التطمين أما اليوم فإن شركات استيراد الورد الهولندي تستغل مباهاتنا بأعلى باقة ورد قد تصل لسقف غرفة المريض!، ثم (ورد من هذا ؟!)، ورد أم زيد، وماذا عن أم عبيد؟!، لقد كانت تحمل باقة من دعاء وتطمين ومواساة، لكنها خجلت من الحضور لعدم قدرتها على شراء الورد!

كعكة كل مناسبة هذه تقليعة أخرى جديدة لا أصل لها عندنا، ولقد أصبح لكل مناسبة كعكة وسيف يقطعها به نجم الحفل، ومصاريف لا داعي لها ومصير الكعكة حاوية النفايات والمستفيد انطوان وبطرس.

حفلات التخرج والزواج المبالغ فيها هي الأخرى تنافس وهياط شاهدنا صوره المقززة وحديثاً للطلاق حفلة!

السؤال هو أين دور المصلحين والعقلاء الناصحين لتوجيه المجتمع شريطة أن يكونوا قدوة حسنة ويسبحوا ضد تيار المحيط، لا أن ينهوا عن الخلق ويأتوا بمثله.

راقبوا سيرهم ومؤهلاتهم يا (نزاهة)

الفساد ليس ماليا فقط، كتبتها منذ ١٣ سنة في صحيفة الرياض وتحديدا في ١٠ يونيو ٢٠٠٦م، لكن اليوم هو أنسب الأوقات لإعادة التذكير بأهمية التركيز على فساد ليس ماليا بالضرورة، وأعني فساد وضع الموظف غير المناسب في مكان حساس وحيوي، و دوافع هذا الفساد كثيرة جدا، ومن أبرزها دافع تغطية فساد أكبر وحماية المدير الذي يحب أن (يتحوصل) بجوقة من الأقرباء والمقربين الموثوقين القادرين على المراوغة والتستر، وهذا هو مؤهلهم الوحيد.

نحن في زمن حزم وعزم وحرب جادة على الفساد، ومن أهم خطوات هذه المرحلة أن تتزامن المحاسبة المالية مع محاسبة إدارية، تركز على التدقيق في أمر أحقية الموظف بالوظيفة والمنصب على أساس مؤهله العلمي وتخصصه ومجال عمله وقدراته، وهل فعلا هو جدير بالقيام بمهام الوظيفة؟ أم أن الوظيفة سخرت له ليقوم بمهام خاصة؟!.

هل من المعقول أن يقوم بمهام تشغيلية دقيقة، بل غاية في التخصص الفني صحيا وطبيا وهندسيا و في مجال التغذية والصيدلة والمختبرات، شخص كل سيرته الذاتية تتركز في أعمال سكرتارية أو مدير مكتب بمؤهل متواضع، علما أن وظيفة التشغيل هي المحرك الرئيس لكل هذه المهام الفنية المتخصصة؟! 

نفس الإستغراب والتساؤل طرحته مرارا في موضوع إيكال الإدارة إلى طبيب، وأحمد الله أن وطني أصبح سباقا في تصحيح هذا الخطأ الفادح، وأصبحت وزارة الصحة تدار بكفاءات متخصصة في الإدارة بدلا من الطب، ولكن لا تزال بعض القطاعات توكل إدارة الشأن الصحي لطبيب، و قلتها مرارا: الطبيب قد يكون مشرطا طبيا لا يعلى عليه ومشرطا إداريا لا يعول عليه!، وأردفت بسؤال منطقي: إذا أوكلنا الإدارة لمتخصص في الطب،  فهل يمكن لمتخصص في الإدارة أن يجري عملية جراحية أو يعالج مريضا؟!.

وحتى لا يفهم أنني أركز على خطأ إيكال الإدارة لطبيب، دعوني أقول أن أكثر القرارت غرابة بل وسذاجة هو ما قرأته عن إيكال إدارة التشغيل لصيدلاني! بالله عليكم ماعلاقة الصيدلة بالتشغيل ومن هو هذا الصيدلي الجهبذ الذي أفنى عمره في تعلم الصيدلة  و لديه إلمام وعلم  بإدارة التشغيل؟!، أيضا هذا سيكون إداريا (لا يعول) عليه.

قس على هذه الأمثلة ما شئت وستجد أننا لابد أن نراجع السيرة الذاتية والخبرة  و المؤهل والتخصص لجميع الوظائف بدأ بتلك الحيوية ، وسنجد أن أكثر دوافع التعيين هو دافع (شد لي واقطع لك) فاقطعوا دابره  فإنه عامر بالفساد.

تناقضات أخطر

تطرقت في مقال سابق إلى تناقضاتنا واستشهدت بمحاسبة الفاسد ماليا و ترك الفاسد إداريا، وضربت مثلا بعدم معاقبة نسبة كبيرة من أطباء حكوميين يتركون مقر عملهم للعمل في مستشفى خاص مخلفين أخطاء طبية وهدر للصحة والمال، وتطرقت لمدير يتقشف في خدمات أساسية و قيمة تغيير ورد مكتبه يوميا تفوق ما يرفض تقشفا.

ثمة الكثير من التناقضات التي لا تقل خطورة، منها محاولة الاعتراض على علاج مرضى في الخارج لا يتوفر علاجهم  في الداخل، بحجة التوفير، بينما عدم علاجهم وتعريضهم و أسرهم للنتائج المترتبة على الإهمال جسديا ونفسيا و إعلاميا  تحتاج إلى تعامل نفسي ومعنوي و إعلامي أكثر تكلفة بكثير من انتداب مستحق للعلاج، والمثال القديم الجديد على ذلك تعنت طبيب في رفض استكمال  انتداب بنات مواطن يعانين من مرض العظام الزجاجية في المرحلة الأخيرة من العلاج، بينما إهمال المراحل السابقة خسارته المادية أكبر بكثير و تكاليف مراجعة البنات عند كل كسر كبيرة جدا، أما المثال الجديد فهو رفض انتداب الشاب خلف الحربي الذي تقرر داخليا بتر قدمه بينما هو وجد علاجا في ألمانيا عن طريق طبيب سعودي ينقذه من البتر( حسب برنامج ياهلا)، وبصرف النظر عن التفاصيل الطبية فإن الأثر النفسي وأثر الإعاقة ونتائجه مجتمعيا لو بتر قدم خلف وهو يشعر بوجود حل أكبر من تكاليف إرساله للخارج ومنحه الفرصة، كما أن البعد الإعلامي لقصته وشكواه يكلف أكثر، وفي الحالتين، العظام الزجاجية والبتر فإن ترك القرار لنفس الطبيب أو نفس اللجنة له محاذيره فمن حق المريض أخذ رأي طبي ثاني وثالث في قرار مصيري.

و من تناقضاتنا أننا نخصص أعدادا كبيرة من الموظفين لاستقبال البلاغات و الشكاوى سواء في وزارة التجارة أو الصحة ونخصص لها أرقاما قصيرة، بينما التجاوب معها يستغرق أرقاما طويلة من الشهور أو السنوات!.

ومن تناقضاتنا المجتمعية أن الشخص ينتقد سوء الرعاية الصحية وهو ينفث سيجارة و يستعد لإشعال أخرى!!، و هذه الأيام ارتفعت عقيرة التنافس في إقامة حفلات التخرج لأطفال في الروضة أو الإبتدائية أو حتى الثانوية، يتنافس فيها أهل الطالب أو الطالبة  في التباهي والمفاخرة في تكلفة الحفل وقيمة هدية التخرج، بينما أمر مذاكرة الطالب و متابعة واجباته متروك للعاملة المنزلية والسائق بل أن الأب و الأم لا يعرف موقع المدرسة قبل حفل التخرج الذي يقهر فيه طالب يتيم أو والديه لا يستطيعون مجارات غيرهم في قيمة الهدية وتكلفة الحفل!.

و منا من يدعي ليبرالية وحرية رأي  و يطالب بتحرر كل نساء العالم وهو يضرب إبنه إذا ناقشه و يعنف  زوجته إذا أبدت رأيا يخالف رأيه أو طلبت حقا مشروعا ولو بزيارة أهلها، و ثمة من يطالب بالسماح بسلوكيات خادشة للذوق العام في بلد مسلم، مدعيا تأييده لممارسة الحريات الشخصية، بينما يؤيد نزع النقاب أو الحجاب بالقوة في فرنسا!.

و شاهدنا و شهدنا من يدعي الوطنية و الولاء قولا و يمارس تشويه وطنه في أقرب سفارة أو قناة إعلامية معادية!.               

طفلي..استودعته الله ثم الحرس

قلتها سابقا و أقولها دوما، كانت الصعوبات كبيرة جدا، ولكن  رجالات  الحرس الوطني السعودي أصعب وأقوى من كل صعوبة، هذا ما أثبته تأسيس المركز الوطني لإنتاج الأمصال واللقاحات بالحرس الوطني عام ١٩٩١م و نجاحه في إنتاج أمصال فعالة بعد ست سنوات فقط من التأسيس، مع أنها أدوية تحقن وريديا ويبرز حجم الإنجاز عندما نعلم أن أدوية الحقن الوريدي من منتج بيولوجي هي أكثر الأشكال الصيدلانية تعقيدا وصعوبة  فهي  يجب أن تكون عالية التعقيم  و لا يمكن تعقيمها بالحرارة.

عندما لا حظنا في أواخر الثمانينيات الميلادية، ونحن مجموعة أكاديميين متخصصين في علم الأدوية والسموم أن الأمصال المستوردة لا تعادل سموم ثعابين وعقارب شبه الجزيرة االعربية و أن الملدوغين يتوفون رغم وصولهم للمستشفى و إعطاء المصل المستورد في الوقت المناسب وبالجرعة المناسبة، عقدنا عدة اجتماعات ومؤتمرات علمية جميعها أكدت أن وقف الوفيات من عضات الثعابين ولدغات العقارب لن يتحقق إلا بإنتاج مصل محلي مستخلص من سموم الثعابين والعقارب التي تعيش في بيئة شبه الجزيرة العربية، قمنا بإعداد مشروع مقترح لإنشاء مركز أمصال وطني، وعرضنا المشروع على أكثر الجهات تضررا وهي وزارة الصحة، لكن معالي الوزير (آنذاك) فيصل الحجيلان (رحمه الله) اعتذر عن تبني المشروع لصعوبته، عندها قمت بعرض الفكرة على المغفور له بإذن الله الدكتور عبدالمحسن بن عبدالله التويجري وكان آنذاك مدير التطوير الطبي بالحرس الوطني، فتبنى مشروع مركز الأمصال و عرضه على المغفور له بإذن الله الملك عبدالله بن عبدالعزيز وكان آنذاك وليا للعهد ورئيسا للحرس الوطني فوافق على الفور و منحنا كل الدعم ماديا ومعنويا.

تمكن المركز في منتصف عام ١٩٩٧م من الإنتاج وهو زمن قياسي مقارنة بكون المنتج دواء حقن وريدي و بدأت المملكة الإعتماد على المنتج عام ١٩٩٨م و بدأ المركز في عام ١٩٩٩م تلبية جميع احتياج الشراء الموحد لدول مجلس التعاون إلى هذا اليوم، بل غطى احتياج الأردن و صدر لأمريكا ودول أوربية احتياجاتها لأمصال لسموم ثعابين وعقارب الجزيرة العربية  لفرق التنقيب عن البترول والتدريبات العسكرية في المنطقة  و أصبح مصنعا متميزا وحيدا من نوعة في الشرق الأوسط وتمكن منذ بداية عام ٢٠٠٠م من إخراج المصل  المستورد من المنطقة العربية، وتم خفض نسبة الوفيات من الثعابين والعقارب إلى صفر( باستثناء من لم  يصل المستشفى ولم يحقن بالمصل)، ولم يسجل للمصل حتى اليوم أي أثار جانبية ولم تفشل منه تشغيلة واحدة ولله الحمد.

بدعم خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز و اهتمامه حقق  المركز الوطني لانتاج الأمصال واللقاحات بوزارة الحرس الوطني نجاحا باهرا  في جودة و فاعلية المنتجات ومباشرة حالات اللدغ في الطوارئ  و تثقيف الأطباء وتوعية  العامة و أكد المركز الوطني، منذ  ٢٨ سنة، مقولة اليوم  الخالدة لصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ( لدينا شعب بهمة جبل طويق) وقد كان لي شرف تنفيذ الرغبة الملكية الكريمة بتأسيسه و إدارته منذ التأسيس وحتى أول رجب لهذا العام حيث تقاعدت وودعت المركز وقد حقق نسبة سعودة تفوق ٦٠٪ من الكيميائيين والصيادلة وسياس الخيل والفنيين وفنيي الأجهزة والإداريين وجميعهم  بخبرة نادرة وهامة، إلى جانب أشقاء عرب متخصصين و مخلصين فلم تكن لدينا عقدة (الخواجة) ولم نحتج قط لخبرات غربية، بل هم من احتاج للمركز حيث أصبح مرجعية لمنظمة الصحة العالمية في مجال أمصال سموم الثعابين والعقارب، ومصدر للأمن الدوائي في مجال الأمصال للمملكة ودول الخليج والدول المجاورة، ينتج حسب الطلب، ومن دواعي فخره أنه لبى احتياجات الحد الجنوبي فوريا عدة مرات بتعاون جميع الجهات .

لقد ودعت علما نافعا وإنجازا وطنيا شهدت ولادته كطفلي بل أعتبره أهم من أبنائي و استودعته الله ثم وطن قدم للعالم كل عمل نافع، واستودعه الحرس الوطني الذي تبناه و تبنى منجزات عدة ثقافية وتعليمية  وعلمية  وصحية، وأجزم أنه سيحقق المزيد من النجاح.              

خطاب توديعي لزملائي بمركز الأمصال بعد تقاعدي

رسالة توديع لزملائي موظفي مركز الأمصال:

٢٨ سنة من النجاح بلا عقدة خواجة، والفشل الوحيد أنني لم أمنحكم ما تستحقون و بجهودكم أنقذنا أرواحا وأخرجنا المصل المستورد غير الفعال من السوق العربية

بسم الله الرحمن الرحيم

الزملاء والزميلات موظفو المركز الوطني لإنتاج الأمصال واللقاحات الأفاضل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بمناسبة إنتهاء علاقتي العملية مديرا عاما للمركز الوطني لإنتاج الأمصال واللقاحات بالتقاعد أود أن أتقدم لكم جميعا بجزيل الشكر ووافر الامتنان لجهودكم التي هي أساس ما حقق هذا المركز الإنساني من نجاح مستمر في إنقاذ أرواح ضحايا عضات الثعابين ولدغات العقارب في المملكة العربية السعودية ودول الخليج والدول المجاورة، وما حققه من توعية للعامة و تثقيف لجميع الممارسين الصحيين حول هذا العلم الذي يعتبر تخصص نادر و يعد المتخصصين فيه خبرات نادرة على مستوى العالم.

لقد تمكنا أنتم و أنا من إنتاج أمصال عالية الفاعلية والنقاء تعادل جميع سموم ثعابين و عقارب شبه الجزيرة العربية قاطبة بكفاءة عالية حافظت على نجاحها و جودتها طوال ٢٨ سنة، هي عمر هذا المركز العريق منذ تأسيسه عام ١٩٩١م بدعم من المغفور له بإذن الله الملك عبدالله بن عبد العزيز و استمر الدعم والتشجيع من ملك الحزم والعزم الملك سلمان بن عبد العزيز أمد الله في عمره، وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان قائد التحول الإيجابي و الرؤية الثاقبة و كافة رجالات الحرس الوطني على مدى تاريخه الحافل بالنجاحات في كل المجالات.

لقد نجحتم أنتم و أنا في انتاج أحد أعتى و أصعب الأشكال والمنتجات الصيدلانية حسب تصنيف دساتير الأدوية فهو منتج بيولوجي لا يعقم بالحرارة و يحقن وريديا ويجب أن يكون عالي التعقيم والنقاء ويحقق كفاءة عالية، وتلك أصعب معادلة صيدلانية، لكننا بهمة المخلصين و أمانة المؤمنين تغلبنا على كل الصعاب و نجحنا في إنتاج منتجات عالية الجودة تغطي احتياجات دول المنطقة دون تأخر أو تأخير و دخلت أسواق أمريكا و أوروبا رغم تشددها في شروط الجودة  و أصبح المركز الوحيد من نوعه في الشرق الأوسط  و مرجع علمي لمنظمة الصحة العالمية في هذا المجال النادر.

نحمد الله أننا لم نعاني قط من عقدة (الخواجة) أو الخبير الغربي في زمن كانت فيه مصانع الأدوية و الصيدليات والمختبرات تعج بالأمريكيين و الكنديين والأوروبيين، بينما اعتمدنا نحن على خبرات وطنية و عربية شقيقة و عمالة من دول إسلامية، و أحمد الله أن انتهت علاقتي بالمركز ولم أحنث في وعدي لكم جميعا بالاستقرار الوظيفي للجميع دون تمييز ولا تصنيف ولم يغادر المركز، ولله الحمد، موظف واحد إلا بطوعه و اختياره  وبسبب ظروفه الخاصة ورغبته الخالصة.

كما لا يفوتني أن أعتذر لكم فرداً  فردا إن كنت في يوم ما أزعجت أحدا منكم أو كدرت عليه يومه فذلك إن حدث فإنه حث الأخ لأخيه أو أخته، و بسبب ثقة في علو هممكم و طموحكم، كما أعتذر لكل من لم تساعدني الظروف الطارئة حديثا على تحقيق طموحاته ورغباته و حقه الوظيفي، ويؤسفني أن أرحل وفي ذمتي لكثير منكم وعد بتوزيع حوافز لم تصرف منذ ٣ سنوات أو وعد بفتح سقف الرواتب المتوقفة، لم يتحقق رغم محاولاتي و إلحاحي، التي كان أحدثها في اخر اجتماع لمجلس الإدارة، و لعل هذا الأمر أحد أسباب عدم رغبتي في الاستمرار بالتعاقد بعد التقاعد، و كلي أمل في رئيس و أعضاء مجلس الإدارة أن يولوا هذا الأمر جل حرصهم و أن يتحقق قريبا بإذن الله و أرى أن مستقبل المركز مبشر و سيحقق مرونة كبيرة في هذا الصدد بحول الله.

لا وجود لصغير عندي في هذا المركز العملاق، فجميعكم على اختلاف وظائفكم و أدواركم وجنسياتكم على حد سواء و مسافة واحدة من ألإنجار فلكم جميعا فضل في نجاح هذا المصنع الدوائي العظيم وتحقيق أهدافه و أنتم من أنتج هذا الدواء المنقذ للحياة و أنتم من حقق الأمن الدوائي في مجال الأمصال للمملكة ودول الخليج والدول المجاورة والدول المستفيدة، وأنتم من أنقذ المنطقة من المصل المستورد غير الفعال، و أخرج المنتج المستورد غير الفعال من السوق السعودية  ثم الخليجية ثم العربية حتى توقف إنتاجه، و أنتم من أثبت أن المستحيل ممكن إذا وجدت الأمانة و الإخلاص، فوجب علي أن أشكركم أصالة عن نفسي كمواطن و نيابة عن كل أم أو أب أو إبن أنقذت جرعة مما تنتجون حياة غالٍ عليه، ولأننا نتحدث عن علم نافع و لأننا نؤمن بأن (من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) دعونا جميعا ندعو للمغفور له بإذن الله الدكتور عبد المحسن بن عبدالله التويجري ، الذي سعى في تبني الحرس الوطني لهذا المشروع الإنساني الجبار، عندما عرضنا عليه الفكرة ونحن فريق بحث من كلية الصيدلة بجامعة الملك سعود فوافق عليها بعد أن اعتذرت وزارة الصحة آنذاك (عام ١٩٩٠م في عهد معالي الوزير الحجيلان) عن تبني المشروع.

و أكرر رجائي بأن تسامحونني و تدعون لي إن وجدتم أن تقصيري معكم قابل للصفح والدعاء.

أخوكم الصيدلي: محمد بن سليمان الأحيدب   في ٢٨ مارس ٢٠١٩م