الشهر: أكتوبر 2003

البطانة شمعة

إن البطانة في هذا البلد الأمين الذي يعتمد بشكل كبير على النصيحة والتشاور ولفت النظر لا تقل أهمية عن الشورى والهيئات العليا واللجان الاستشارية.فإذا صلحت البطانة وقامت بدورها بأمانة وإخلاص وخوف من الله وحب للوطن وإنكار للذات صلح الشيء الكثير وأصبحت سراج المسؤول الذي يضيء طريقه ويدله إلى كل خير ويذكره إذا نسي.
وهذه الأهمية البالغة لدور البطانة الصالحة والخطورة الشديدة المترتبة على مجانبة البطانة للصواب تقودنا إلى ضرورة توجيه الاهتمام إلى هذه الفئة المؤثرة وهذا العنصر شديد التأثير في نجاح كل توجه نحو الإصلاح.

البطانة المحيطة بكل مسؤول وبحكم انشغاله وتزايد مسؤولياته هي عين المسؤول وأذنه ومرجعيته في اتخاذ جزء هام من قراراته وبالتالي فإن هذه البطانة جديرة بأن تشمل بأفكار التطوير، والتدوير والتقويم والتغيير، وضخ دماء شابة وأفكار جديدة.

إن بعض المسؤولين يحملون أكثر مما يحتملون من اللوم والمسؤولية عن أمور ربما نقلت لهم بطريقة غير دقيقة أو لا تخلو من حب الذات والبحث عن مصالح شخصية أو على أقل تقدير لم يتم تقييمها التقييم الصحيح إما بعدم تقديرها التقدير الذي تستحقه أو بإعطائها حجماً أكبر مما تستحق بقصد أو بدون قصد.

إن البيئة البشرية المحيطة بصاحب القرار بهوائها ومؤثراتها ودرجة حرارتها ونقائها لا تقل أهمية عن البيئة الطبيعية ولا تختلف عنها في ضرورة تجديد الهواء الذي يتنفس من خلاله المسؤول مشاعره وأحاسيسه فإذا كان تغيير البيئة الطبيعية يتسبب في الاستلهام والنشاط فإن تغيير البيئة البشرية المحيطة لابد وأن يؤدي إلى اتساع الأفق وشمولية النظر للأشياء من حولنا وإعادة قراءة المعطيات بعدسة أكثر شفافية ودقة.

إن الكوادر البشرية المحيطة بالمسؤول ليست تراثاً يفترض بنا المحافظة عليه حتى فنائه إنها شموع يجدر بها أن تحترق لتضيء فإذا نفذت قدرتها على الاضاءة أو أصبح ضوؤها عرضة لتلاعب الهواء باتجاهه فإنه لا ضير في أن يستبدل بمصدر ضوء أكثر قوة وثباتاً.

أعتقد جازماً ان البطانة عنصر نشعر بأهميته بدليل انه يتصدر دعاءنا لكننا لم نعره الاهتمام المطلوب.

البطانة

عجبت لهذه البطانة كيف أن سلوكها يعتمد على مفهوم أصل الكلمة في نظر أعضاء البطانة المحيطة بالمسؤول.
إذا رأى عنصر البطانة أن أصل الكلمة من بطن يبطن فإنه يرى في موقعه وسيلة لإشباع بطنه والكسب لذاته وكسب رضى المسؤول حتى لو كان على حساب مبادئه وإحجامه عن النصح بما يعرف من الخير أو النهي عما يعرف من الخطأ، فتكون عضوية البطانة في نظره قابلة للتجديد بالمسايرة والتأثر دون التأثير.

وإذا اعتقد فريق البطانة أن أصل الكلمة من البطانية فإنهم يعتقدون أن دورهم يقتصر على تغطية العيوب وتركه ينام في دفء وهدوء.

ويرى البعض أن البطانة طبقة عازلة تحيط بالمسؤول فتمنع غيرها من الاحتكاك به والوصول إليه وغالباً فإن البطانة العازلة تكون ذات وجهين أو سطحين مختلفين، ذلك الداخلي لين وناعم يواجه اللؤلؤة المغلفة أما الخارجي فخشن شائك يصد كل من يحاول الاقتراب.

وما من شك أن ثمة بعضاً يعمل وفق الصورة النموذجية المطلوبة للبطانة وهي التي تنصح بإخلاص وتذكره إذا نسي ولا تخشى في الله لومة لائم وتلك هي البطانة الصالحة.

هذا من حيث مفهوم تعريف البطانة والعمل بناء على مبدأ التعريف لدى العضو المبطن.

الأغرب هو ذلك الأمر المتعلق بالتأثر والتأثير فبعض الوزراء والمسؤولين يقربون لهم بطانة عرفت بالوعي والثقافة والنقد والإيمان القاطع بأهمية النقد ودور الإعلام وأهمية احترام الرأي الآخر ولكن هذه البطانة ما تلبث أن تتأثر ولا تؤثر، تتغير ولا تغير وتساير ولا تسير وبدلاً من أن تنصح الوزير وتنير له طريقاً لا يملك عنه المعرفة الكاملة فإنها تتأثر بأسلوبه وتنهج منهجه وتستغل ملكة الكتابة لمجاراته والدفاع عنه حتى تصل إلى حد من المسايرة يجعل البطانة نفسها تصدق نفسها وتصبح وزارية أكثر من الوزير!!

عندما ترى وزيراً أو مسؤولاً يسرف في استخدام الأضواء ويبالغ في التواجد في الصورة وحب الظهور بمناسبة أو بدون مناسبة ثم يبدأ بناء على ما كبر في نفسه من علو شأنه في فرض رأيه الفردي والصدود عن النصح ومعاندة أصحاب الرأي المخالف والضرب بالنقد عرض الحائط حتى يصبح مستبداً مقلقاً غير محبوب، فأعلم انه لم يوفق ببطانة صالحة وأنه وقع ضحية لجلساء مستنفعين يحاولون قدر المستطاع الاستفادة من فترته قبل أن يترك الكرسي ولا يهمهم بعد ذلك إن تركه أم لا لأن المجتمع بأسره لم يكن يهمهم فلماذا يهمهم الوزير؟!.

قهر الرجال

عندما تغيب النظم المكتوبة ولا تكون النظم والإجراءات المتوفرة شاملة ودقيقة ومفصلة فإن الفرصة تكون مواتية لحدوث الفوضى ويصبح كل من هب ودب قادراً على الأمر والنهي.
خذ على سبيل المثال لا الحصر الأفراد المنتمين لشركات الحراسة الأمنية “شركات تجارية تتعاقد لتنظيم مسار العمل وحراسة بعض المؤسسات التجارية أو المستشفيات الحكومية والأهلية وخلافها”.

هؤلاء الأفراد بطبيعة الحال ليسوا رجال أمن رسميين وهم مجرد أدوات نظام وتنظيم و”حساسات” أمنية يفترض أن لا تملك أي صلاحية للإيقاف أو إجبار شخص على البقاء ناهيك عن اعتقاله وكل ما تملكه من صلاحية هو التنظيم ومن ثم تبليغ جهات الأمن الرسمية للتدخل عند الحاجة وصلاحيتهم في ذلك لا تتعدى صلاحيات أي مواطن مدني متعاون يبلغ عن مخالفة أو مخالف.

يمكن لرجل الحراسة الأمنية التجارية منعك من دخول المنشأة التي يحرسها، لكنه لا يمكن أن يمنعك من الخروج منها بأي حال من الأحوال.

ولعدم وجود نظم وإجراءات تفصيلية دقيقة فإن بعض أفراد الحراسات الأمنية التجارية يصدقون أحياناً أنهم رجال أمن رسميون فيمارسون نفس الصلاحيات النظامية لرجال الشرطة بل أحياناً قد يمارسون نفس العادات المكتسبة له كالتعنيف مثلاً أو الدفع أو الضرب والطرح وإن كنت نحيفاً ضعيفاً يابساً فقد تمارس في حقك القسمة!!

لقد بلغنا ولله الحمد مبلغاً جيداً من تنظيم العلاقة بين الجهات الرسمية والمواطن والمقيم ولعل الأنظمة الجديدة التي تحدد مسار ومدة الإيقاف ودور كل من الشرطة وهيئة التحقيق والادعاء العام في هذه العلاقة أوضح دليل على أننا نسير في بداية الطريق الصحيح.

ومن الخطأ أن نستهين بأمر تنظيم العلاقة بين الجهات التجارية مثل مؤسسات الأمن تلك والمراجع فهذه تحتاج إلى إيضاح دائم للحدود والصلاحيات وتوعية المواطن والمقيم بذلك وإلا أسيء استخدام ذلك الزي التجاري ومنح هيبة أكثر مما يستحق خاصة مع ضعاف الوعي من عمالة مقيمة أو مواطن طيب إلى حد الاستغلال وتلك الهيبة قد توظف للكسب أيضاً خاصة مع المقيمين!!

الأمر الآخر الذي لا يقل أهمية هو من يصدر الأمر على رجال الأمن والحراسة من النوعين؟! ففي هذا الأمر يحدث خلط كبير مبني على اجتهادات أو متروك لمستوى تفكير فرد الأمن أو الحراسة خاصة في الدوائر والمؤسسات.

خذ على سبيل المثال أحدث الأمثلة ذلك الذي نشر شكواه في جريدة الوطن في عدد أمس الثلاثاء من سوء تعامل طبيب أحد المستشفيات مع حالة طفله المتسمم دوائياً، والقصة محزنة في كل تفاصيلها وتستحق موقفا حازما متوقعا من وزير الصحة، لكن ما له علاقة بموضوعنا اليوم هو تجاوب رجال الحراسة مع أمر ذلك الطبيب بعدم السماح للمواطن بالمغادرة مع طفله ومحاولة رجال الحراسة منعه من الخروج من ذلك المستشفى!! بأي حق يمنع من الخروج؟! وبأي حق يتلقى رجال الأمن الأمر من طبيب؟!

عشت موقفاً مشابهاً غريباً ومحزناً وطريفاً منذ حوالي أربع سنوات في أحد مجمعات الشاليهات الراقية في “عروس” البحر الأحمر جدة عندما لاحظت ان شلة مدير المجمع يلاحقون رجلاً أنيقاً محترماً يسير مع زوجته وأطفاله ويطلبون منه مغادرة سوق الدرة رغم أنه ساكن بحجة أن ثمة خلاف بينه وبين مديرهم والرجل المحترم يصر على حقه في التجول كغيره مع عائلته ويطلب منهم تركه وشأنه، استمر التنغيص على ذلك الرجل حتى الفجر ثم حضر جيب الشرطة كاستجابة لطلب مدير الشاليهات “وأمرهم” باصطحابه الى المركز وكادوا أن يفعلوا لولا أن الرجل سقط أرضاً لكونه مريض قلب وسكر وزوجته تحمل علاجه في يدها وتستنجد.

بحكم الفضول الصحي تدخلت كصيدلي وحاولت إنعاش قلبه فوجدت أنه ربما اضطر للتمثيل تلافياً لقهر الرجال أو إنني كنت قوياً بما يكفي لإنعاش قلبه من أول لمسه!!

وبحكم الفضول الصحفي قلت لرجال الشرطة لا أظنك تقبض على مواطن بأمر تاجر وأنا أشهد أنه لم يرتكب أدنى مخالفة تستحق ما تعرض له من قهر من شلة مدير الشاليه.

كان الضابط متفهماً وطلب كتابة شهادتي وحملنا الرجل إلى حيث يسكن بعرق جبينه ونقوده، وصحح خطأ كاد أن يكون كبيراً.

بقي أن نصحح أمر مسار تعامل أفراد الحراسة مع الناس ومن يأمر من؟!

بائعة الماء

لا أود الربط بين تقصير وزارة العمل والشؤون الاجتماعية فيما يخص الرعاية الاجتماعية وتحديداً جانب تلمس حاجات الفقراء ممن لا يسألون الناس إلحافاً مع أنهم يعانون أشد المعاناة من مسببات الحاجة والعوز ذات العلاقة المباشرة بالوزارة أو وكالتها للشؤون الاجتماعية والمتمثلة في البطالة، وارتفاع مستوى المعيشة غير المتناسب مطلقاً مع مخصصات الضمان الاجتماعي “إن كان الضمان يشملهم” وعدم تسهيل سبل اكتساب العيش عن طريق ممارسة أعمال تدر دخلاً ولو بسيطاً بل على العكس من التسهيل فإن ثمة تعقيداً ومحاربة لأنشطة مباحة فبدلاً من أن تسعى وزارة الشؤون الاجتماعية إلى إيجاد قنوات قروض ميسرة تساعد بعض أفراد الأسر الفقيرة من نساء وكهول وشباب على فتح مباسط أو بدء مشروعات تدر دخلاً فإن الوزارة تصمت إزاء ملاحقة البائعات في الأسواق ومصادرة بضائعهن من قبل نمور مراقبي البلديات.
أقول لا أود الربط بين هذا التقصير والنشاط المنقطع النظير لنفس الوكالة في نفس الوزارة في أمر مكافحة التسول فقد ربطت سابقاً بين ذلك الفرق الهائل في الحيوية الميدانية مستغرباً “ولا زلت” أستغرب توفر أساطيل من السيارات وأعداد من الأفراد وتكاتف من جميع الجهات فيما يخص محاربة ظاهرة التسول في حين تمر تلك الأساطيل بمن يفترشون الأرصفة ويسكنون بقايا السيارات الخردة ومن يجوبون الشوارع في حالة نفسية تدعو للشفقة وصغار تحرقهم شمس بيع الماء والمناديل عند الإشارات وكأن الأمر لا يعني نفس الوكالة في نفس الوزارة.

أنا لست مع التسول ولست ضد منع حدوث التسول لكني أتمنى أن يكون لدينا نفس الحماس الميداني نحو قضايا أكثر أهمية وأشد خطراً من التسول إلا إذا كنا نحارب المظاهر التي تسيء إلينا ولا نكترث بالجواهر التي تهدد مجتمعنا فإذا كان الأمركذلك فإن لدينا خللاً في الأولويات وهو خلل جد خطير لأن التشطيبات لا تفيد لإصلاح مبنى جدرانه متهالكة.

إن الهائمين بدون مأوى عرضة للاستغلال في جوانب عدة وهم إذا أسيء استغلال عوزهم وضياعهم أخطر بكثير من متسول ان أعطي أخذ وإن لم يعط شحذ لكنه جبل على الأخذ دون مقابل!!.

إن كل ما أطلبه أن نضيف إلى مهمة الأساطيل المجهزة لمكافحة التسول مهام أخرى أكثر أهمية وهي دراسة وضع الشريحة الأكثر أهمية وهم الهائمون بدون مأوى وساكنو بقايا السيارات والعشش والمرضى النفسيون ممن يمترون الشوارع بصمت أو تمتمة قد يكون لها معنى.

يا أخي اعتبروهم متسولين وأسألوا عن حالهم فهم جزء من المجتمع وهم بالتأكيد مواطنون وحسب ما أجري معهم من حوارات صحفية فإن لديهم ما يستحق الاهتمام.

توقفوا عند بعض إشارات المرور واعتبروا من تبيع الماء وعلى كتفها رضيع تحرقه الشمس متسولة واسألوها كيف يمكن مساعدتها بطريقة أكثر سلامة لها ولطفلها على الأقل لأن طريقتها يسيء “شكلها” لمجتمعنا.

بالمناسبة لو أن متسولة أخرجت عند رؤية رجال المكافحة قارورة ماء باردة من كيس تحت عباءتها وصاحت “بارد بريال” هل يقبض عليها أم لا؟! ولماذا؟!.

الأمر خطير

تحدثت كثيراً عن مغبة الصعوبات التي يواجهها أصحاب الحقوق في الحصول على حقوقهم عبر تقديم شكوى للقنوات الرسمية، وقلت إن الوضع الحالي في معالجة الشكاوي والمسائل الحقوقية قد لا يخدم إلاّ المخطئ والمحتال المتمرس في أخذ حقوق الناس بالباطل.
من حسن الحظ أن الخلل في أمر يمكن إصلاحه عندما ننوي إصلاحه الا وهو الآلية أو المسار الذي تتم بواسطته التعامل مع شكاوي المظلومين، وهذا المسار يمكن تطويره وتحديثه ودعمه ليصبح أكثر يسراً وسهولة وأكثر ردعاً للمحتال والنصاب.

أقصد أن الخلل ولله الحمد ليس في القضاة أو القضاء، فإذا توفر القضاء النزيه، وهذا هو الحال، فإن سائر الأمور الثانوية يسهل التعامل معها إذا أردنا ذلك.

الآن دعونا نفكر لماذا علينا أن نهتم بهذا الأمر ونجعله أولوية وطنية ونسارع في علاج هذه المشكلة؟!

أولاً: لأن تسهيل حصول صاحب الحق على حقه وتعجيل رد الحقوق إلى أصحابها هو من أساسيات العدل والمساواة، وهذا يجعل علاج هذه المشكلة مطلباً ملحّاً قديماً وأمراً يفترض أنه تم منذ مدة وعلى أي حال فإن الخير إذا جاء وإن تأخر فهو خير من أن لا يأتي!!

ثانياً: لأن مشكلة سلب الحقوق وصعوبة استردادها أو بطء مسار الاسترداد هي من أهم أسباب التذمر في الوقت الحاضر أكثر من أي وقت مضى، وهي من الأبواب التي تدخل علينا الريح وبسدها نستريح “اللهم إني ناصح”!!

ثالثاً: لأن تأخر حصول صاحب الحق على حقه أو يأسه من نيل ذلك الحق والإنصاف من مدعاة القلق النفسي وضعف الإنتاج والاكتئاب وما نشهده من تراكم قضايا حقوقية لم يبت فيها أدى إلى تراكم أعداد المواطنين القلقين والمكتئبين واليائسين وهذا ليس في مصلحة خلق مجتمع منتج لأن الإنتاج مرتبط بالحالة النفسية لأفراد المجتمع.

رابعاً: نحن اليوم وأكثر من أي وقت مضى نتجه بسرعة وجدية وإخلاص نحو الشفافية ومصارحة الذات ونضع الاصبع أو الأصابع على الجروح النازفة في مجتمعنا ومنها جرح الفقر وجرح البطالة وجرح الجريمة وجرح الانصاف ومن الانصاف أن لا ندع أي شخص كائناً من كان ينعم ويسعد باستغلال من هو أضعف منه أو أقل منه قدرة أو حتى أقل منه وقتاً للتفرغ لمتابعة قضية كتب عليها الروتين أن تطول.

خامساً: إن إحدى الأوراق المطروحة في منتدى الرياض الاقتصادي شخصت لنا أحد أسباب هذه العلة وهو أن نسبة القضاة إلى عدد السكان متدنية جداً لدينا مقارنة بأي دولة أخرى سواء متقدمة أو في نفس المستوى وبات مطلوباً أن نسارع إلى تصحيح النسبة فالواقع يؤكد أنه إذا قلت نسبة الأطباء لعدد السكان انتشرت الأمراض.

وزراؤنا والمنتدى

قبل ان يرشح وزيراً فإنه مواطن نشط إيجابي متفاعل مع ماحوله، حريص على حضور جميع المناسبات والمؤتمرات والندوات والمنتديات، يحاول أن يكون دائم الحضور والتواجد في الصورة بكامل ادوات لفت أنظار عيون الرصد من مداخلات متزنة وتعليقات مشجعة واستعراض معلومات متقن قادر على اجتذاب إعجاب كبار المسؤولين وصغار الراصدين.
هكذا همّ بعض وزرائنا قبل الترشيح للمنصب الحلم، أما عندما يتحقق الحلم الشخصي ويصبح الوزير حلماً للوطن والمواطن نطمح في أن يتحقق على يديه جل أحلامنا في وزارته فإن حضوره للمنتديات الهامة والمؤتمرات العلمية والندوات المؤثرة يصبح مجرد حلم مستحيل التحقيق.

لقد أُصبت بخيبة أمل كبيرة عندما وجدت أن العيب الوحيد في المنتدى الاقتصادي هو ان الوزراء لا يحضرونه وبالتالي لا يستفيدون مطلقاً مما يطرح فيه من أوراق جريئة، صادقة، مخلصة، مدروسة بعناية تامة، وموثقة بوقائع وأرقام غير مزيفة ولا ينتفعون بمداخلاته المليئة بعلامات الإستفهام حول مستقبلنا في ظل المعطيات الحالية الغامضة والحسابات المعقدة!!

إن مَن يجري تلك الدراسات ويقدم تلك الأوراق البحثية والأطروحات الجادة هم متخصصون في نفس المستوى العلمي للوزير وربما أكثر تخصصاً وعمقاً في مجال التخصص وبالتالي اوسع إدراكاً وعلماً في ذلك المجال من الوزير والشيء نفسه يمكن قوله عن بعض من يطرحون مداخلات متخصصة وتساؤلات وجيهة، أي أن الفرق الوحيد بين معالي الوزير وبعض فرسان المنتدى هو انه فارس كرسي وهم فرسان علم، هو فارس منصب وهم فرسان مركب ومشكلة الكرسي والمنصب انه لايتسع الا لواحد واذا توفر الإدراك الواعي فان هذا الواحد يجب ان لا يشعر بالفوقية ويستكثر التواجد في المنتديات للاستفادة والإفاده.

إن الوقت ليس حجة لغياب الوزراء عن منتديات هامة جداً بل يفترض أنها أهم ما في جدول أعمال الوزير فهو الوحيد من بين فرسان التخصص القادر على تفعيل المقترحات وتطبيق التوصيات وهو اهم من يجب توسيع مداركهم وتوجيه نظرهم للمخاطر والسلبيات ولذا فإن حضور جلسة في المؤتمر او المنتدى أهم من كثير من المجالس التي يحضرها الوزير مع مستشاريه وغيرهم إن مجلس المنتدى هو الأصدق والأعمق والأهم انه مجلس قليل المجاملة كثير الدسم!!

لماذا يعتقد الوزير انه بمجرد تقلد هذا المنصب أصبح أكبر من ان يحضر مجالس العلم وحلقات النقاش وهو يعلم أن إناء العالم غير قابل للامتلاء بل في حاجة ماسة للاستزاده، وهو يعلم ايضاً ان درجة علمه لم تكن السبب الرئيس في الترشيح بل لم تكن ضمن أهم نقاط مواصفات الاختيار.

اذا كان وزراؤنا يقللون من اهمية ما ينشر في الصحف بحجة انه كلام جرايد يفتقد للعمق والتوثيق على حد قولهم فبماذا يفسرون غيابهم عن المنتدى الاقتصادي الذي أكد الجميع انه الأعمق والأصدق والأكثر جرأة وشفافية ونم عن تغير كبير يشهده مجتمعنا في كل مجال باستثناء نظرة بعض الوزراء وتقييمهم لأهمية تواجدهم وانصهارهم في بوتقة المجتمع وتمازجهم معه الى درجة ان معظم مداخلات المنتدى كانت تتساءل عن فائدة اصوات المشاركين في المحاضرات في ظل غياب اصحاب القرار وعلى رأسهم الوزراء المعنيون الذين لم يحضروا سوى المناسبة الرسمية جداً. ان على المميزات المالية والوظيفية ان لا تُشعر وزراءنا أنهم مميزون عن سائر أفراد المجتمع حتى أقرانهم في العلم والتخصص وإلا بئس المميزات.

المكيالين

يُفترض في كل متضرر من ممارسة ما أن يكرهها بشدة ويتكون لديه شعور دائم بعدم ممارستها مع الآخرين كونه اكتوى بنارها وبدأ يمقتها بشدة.
نحن العرب أكثر من تضرر دولياً من الكيل بمكيالين لكننا نمارسها أحياناً دون أن نشعر.

يفترض بنا أن نحارب كل مظاهر الكيل بمكيالين ونسارع في استبعادها من مظاهر حياتنا اليومية لأن التخلص منها من أهم دواعي الاستقرار والراحة.

من أمثلة الكيل بمكيالين ان تختلف رواتب وبدلات ومزايا نفس الفئة الوظيفية في دائرتين حكوميتين، كأن يتقاضى اداري يعمل في مستشفى حكومي راتباً عالياً بينما يقوم زميل له بنفس المهام ونفس ساعات العمل في مستشفى حكومي آخر لكنه يتقاضى راتباً أقل ومميزات أدنى!!

نفس الأمر ينطبق على الفنيين من أطباء وصيادلة واخصائيين عندما تتفاوت الرواتب والبدلات من مستشفى حكومي إلى آخر مما يدعو للغبن ويشجع قلة من القادرين على الهجرة وكثرة من العاجزين على البقاء بشعور محبط.

وعندما يعمل معلم في ميدان التعليم بما فيه من ضغط نفسي وجهد بدني ثم يجد أن زميله الاداري يتقاضى نفس مميزات الكادر بينما يعمل على كرسي وثير فإن في ذلك كيلاً بمكيالين!!

في مقال سابق استغربت أن نشهر بالمتسول وننشر صورته بينما نتردد كثيراً في التشهير بممارس الغش التجاري، ونفس الشيء ينطبق على فئة واحدة هم المزورون أو المرتشون عندما نشهر ببعضهم ونستثني الآخر!!

وعندما يحظى مواطن بالعلاج المجاني في أكثر من مستشفى كبير متقدم بينما يدفع مواطن آخر تكاليف العلاج لمستشفى خاص لأن قطاعه لا يوفر الرعاية الصحية لمنسوبيه فإن في ذلك كيلاً بمكيالين في أمر حيوي هو الرعاية الصحية!!

ويقال الشيء نفسه عن الأساتذة في الجامعات عندما يسمح للأطباء منهم بالعمل الاضافي في القطاع الخاص بينما يقتصر دخل زملائهم على ما يحدده كادر أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الأمر الذي كان ولايزال مثار تساؤل ومسبب إحباط.

من الكيل بمكيالين أن يدفع مواطن فواتير استهلاك الماء والكهرباء ويستهدف بأفكار رفع التعرفة من أجل ترشيد الاستهلاك بينما لا يسدد مواطن آخر ثمن ما يستهلكه من ماء وكهرباء وهو الأقرب إلى عدم الترشيد والإسراف كونه لا يدفع.

وعندما يحظى مواطن بالتسهيلات أينما ذهب أو راجع ويعاني الآخر من التعقيدات كلما أراد إنهاء إجراءاته ومتابعة مصالحه وسبل عيشه فإن في ذلك كيلاً بمكيالين.

إن من دواع البذل والعطاء وخلق مجتمع منتج مستقر أن يُبذل جهد أكبر لتحقيق صيغ تعامل متوازنة تقوم على أساس النظم والاجراءات الميسرة للجميع وخلق فرص متساوية في كافة المجالات أي باختصار التخلص من أحد المكيالين والاعتماد على واحد سهل ميسر يخدم الصالح العام وأرجو التأكيد هنا أنني أعني المكيال الأفضل للطرفين وليس العكس، فلست بحاسد أطباء الجامعة أو موظفي المستشفيات المتقدمة على دخولهم وإنما أرجو ان ترتقي دخول زملاءهم إلى مستواهم لتحقيق العدالة فحتى الرواتب العالية للفئات المتميزة التي ذكرتها لا توازن مستوى المعيشة الذي ارتفع كثيراً بينما لم تطرأ زيادة على الرواتب.

وزارة الجباية

ثمة معضلة كبيرة وسؤال عريض حائر جداً يتمثل في عدم تجاوب وزاراتنا ووزرائنا ووكلائهم مع الظواهر الاجتماعية الممثلة ميدانياً حتى لو كانت تصب في عمق تخصص الوزارة وتنم عن تقصيرها!!.
الاستثناء الوحيد لهذا البرود وعدم التحرك يقتصر على الظواهر المتعلقة بالجباية أو الاستحصال على غرامات مالية أو غنائم!!.

خذ على سبيل المثال الإيضاحي وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، هذه الوزارة لم تسجل أي تفاعل مع الكم الهائل من الصور الاجتماعية المخزنة التي نراها على الطبيعة في الشارع وتنشر عنها الصحف صفحات كاملة مثل قضايا الهائمين في الشوارع بلا مسكن “الهوملس” والذين يتخذون من العشش أو بقايا السيارات مسكناً، ومن بقايا ما يرمي به الناس في القمائم مطعماً ومشرباً.

أيضاً وزارة العمل لا تتجاوب مطلقاً مع الحالات العديدة من المرضى النفسيين الذين يجوبون الشوارع دون مأوى ويمارسون أعمالاً وأقوالاً وتصرفات غريبة بعضها طريف والآخر خطير عليهم وعلى بقية أفراد المجتمع من حولهم في الشارع أو في الحارة!!.

هذه الوزارة لم يحرك بها ساكناً كل ما كتب عن الأطفال الذين تحرقهم الشمس وهم يبيعون عند الإشارات، قوارير ماء أو مناديل رغم خطورة ذلك على فئة اجتماعية تستحق الرأفة والتوجيه وسد الحاجة هم الأطفال.

لم تسجل وزارة العمل والشـؤون الاجتماعية أي تجاوب يذكر مع كل تلك الظواهر الميدانية الواضحة التي تراها الوزارة وتقرأ عنها.

في الوقت ذاته فإن الوزارة تتفاعل بسرعة فائقة تفوق سرعة الإسعاف والمطافئ والنجدة عندما تشم رائحة متسول طفلاً كان أم رجلاً أم امرأة فلا تكاد مكافحة التسول ترى سائلاً يرفع يده للسؤال حتى تهب للقبض عليه ونشر أسراره من أرصدة وحصيلة تسول بالصور المكبرة “بالمناسبة من أين استحصلت مكافحة التسول الحق في التشهير بالمتسول بينما مازلنا نبحث ببطء وتردد استصدار قانون يشهر بالغشاش التجاري؟!!”.

كيف لهذه الوزارة أن تجد القدرة الميدانية للتجاوب في اعتقال أعداد هائلة من المتسولين بينما لا تملك الحماس ولا الإمكانية الميدانية للتجاوب في إيواء هائم ليس له منزل أو مريض نفسي ليس له عائل يعتني بحالته وينقله للمستشفى وهما معاً أمانة في ذمة الشؤون الاجتماعية التي هي عائل من لا عائل له؟!.

السؤال العريض المخجل هو هل دور إيواء المتسولين أكبر وأوسع من دور إيواء العاجزين اجتماعياً؟! وهل فرق مكافحة واعتقال المتسولين أكثر وأكبر قدرة من فرق البحث الاجتماعي وتلمس أحوال المجتمع (الواضح أنه لا توجد فرق بحث وتلمس بدليل عدم التجاوب مع حالات معلنة وواضحة).

لماذا هذا الفرق الميداني في التعامل مع مخالفة المتسولين وحاجة العاجزين والمحرومين إنها ثقافة الجباية، الجباية فقط.

نبض الشارع

نخطىء إذا ركزنا على دراسة المستجدات والمتغيرات في مجتمعنا من جانب واحد هو الأبرز وهو الجانب الأيديولوجي أو المتمثل في الغلو.
وبرغم أهمية الحوار الوطني بمفهومه العميق المقتصر على نخبة من المثقفين والعلماء إلا أنه ليس الحوار الوحيد الذي نحتاج إليه لمعالجة الوضع الذي أصبح معه الشارع أو المجتمع ككل وسطاً مناسباً لتقبل أي أفكار أو انتقادات أو صور لممارسات ربما طرحت بطريقة مبالغ فيها.

نحن في حاجة إلى سلسلة حوارات مستمرة ودائمة بين المسؤولين عن القرار والمعنيين به، بين الوزير وعامة الناس، بين أعلى الهرم الإداري في المؤسسة وأصغر موظف فيها، بين من يشاع أنه سبب في القصور أو الممارسات الخاطئة وبين المتضررين من ذلك القصور.

أي بصفة أعم حوار صادق شفاف بين المواطن والمسؤول دون حواجز أو أسئلة مكتوبة أو قطع مداخلة.

منذ عدة سنوات عاتبني هاتفياً أحد الوزراء على نقد وجهته إلى وزارته، وخلال المكالمة حاولت الإيضاح بأن ثمة قصوراً واضحاً في أساسيات هامة تفتقدها الفئة المستفيدة من الوزارة في حين نسمع ونرى في الإعلام تطبيلاً لأمور ثانوية مكلفة مقارنة بالأساسيات وفي سياق محاولة إقناعه قلت له إننا إنما ننقل لك ما يدور في الشارع “أقصد نبض الشارع” فما كان منه إلا أن قال “بئس المرجعية، إذا كان مرجعك هو كلام شوارع”!!.

بدا واضحاً أن معاليه خلط بين حديث الشارع كنبض وشكوى وانطباع يستخدمه الساسة في قياس نجاحهم وأصحاب القرار في تقييم قراراتهم وبين شائعة الشوارع كأداة توثيق.

إننا في أمس الحاجة إلى حوارات تستشف نبض الشارع وشكوى المواطن ومشاكله ومع من هذه المعاناة؟ وممن يعاني؟ وكيف؟ وهو نبض يستحيل أن تقيسه جهة واحدة مهما بلغت من القدرات والإمكانات الاستخبارية بل يستحيل عليها نقله بنفس الوضوح الذي يوفره الحوار المفتوح.

الجهات المختصة في قياس نبض الشارع يجب أن تحضر كل تلك الحوارات المفتوحة وسترفع تقارير لا تخطىء.

في زمن مضى صعد كثيرون على أكتاف إدارة الحوار ممن كانوا يفرضون أسلوب الأسئلة المكتوبة والانتقاء ثم التباهي بأنهم لعبوا دور الفلتر الذكي وهؤلاء يجب أن نكف أذاهم عن الحوارات الصادقة فالحوار يجب أن يكون مباشراً شفافاً مع تحديد حجم المسؤولية عند الخروج عن أدب الحوار وهذا سهل جداً.

إن أسلوب الأسئلة المكتوبة المفلترة من قبل مدير الجلسة لا تعتبر حواراً فمن المستحيل أن تمر كل الأفكار والآراء المتباينة من فكر واحد كمن يمرر النهر من خرم إبرة.

حتى المسؤول لا يسعده أن تمر الأفكار من فلتر واحد لأنه بذلك لا يرى إلا ما يعتقد فكر ذلك الفلتر أنه سليم!!.

إن واقع الحال المتمثل في حجم الشكوى في الصحف وحجم الاتصال بالبرامج المباشرة في الفضائيات تؤكد أن فتح باب الحوار المباشر أمام جمع من الناس بين المواطن والمسؤول بات ضرورياً ويعتبر أسرع الطرق لتشخيص الواقع وتهدئة النفوس وكشف مواطن التقصير وإخافة المقصر، لأنه ليس أبغض لموظف مقصر من أن تكون لديك القدرة للوصول إلى أعلى الهرم.