للمخلصين .. تهنئة الواتس لا تكفي

أخذت على عاتقي تهنئة كل من أخلص لهذا الوطن حضورياً أو باتصال هاتفي ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، ولست بطبيعة الحال من يضع معايير تصنيف الإخلاص للوطن، فهي واضحة وضوح الشمس، في شكل إنجازات متميزة قوامها البذل وتأدية الأمانة وتغليب للمصلحة العامة على المصالح الشخصية.

من يخلص في عمله، ويؤدي أمانة مهامه في خدمتنا كمواطنين، لا شك أنه يجبرنا على الامتنان له، ونحمل في قلوبنا له واجب رد الجميل، مقارنة بمن لا يؤدي مهامه بنفس الإخلاص ويغلب مصالحه الشخصية على الصالح العام، أما الوطن فلا جميل لأحد عليه بل الفضل دائماً لله ثم للوطن.

من منطلق أن لكل موظف مخلص، سابق أو على رأس العمل، فضل علينا فإنني أرى أن أقل ما نقدم له هو تهنئته في المناسبات السعيدة مثل دخول شهر رمضان والعيدين، فالامتنان والشكر للمخلص واجب، وكذا تكريمه في حياته أما الثناء فخير ما يكون بعد الوفاة.

المخلصون في هذا الوطن كثر ولله الحمد، منهم من ترجل عن فرس المسئولية ومنهم من لا يزال يعلو صهوتها وأقل ما نقدم هو الامتنان لهم كلما حلت مناسبة وكلما كان الأمر ممكناً حسب قربهم وسهولة التواصل معهم، والامتنان لمن ترجل عن الفرس أسهل وأبلغ معنى، وأدل على الوفاء.

وإضافة للمخلصين ومن لهم بصمة على الخدمات التي نتلقاها عامة كمواطنين، هناك من لهم فضل شخصي وهؤلاء أيضاً جديرون بالإمتنان لهم وذكر فضلهم وحفظه والتواصل معهم ولو في المناسبات السنوية، وممن لا أنس فضلهم علي شخصياً جاري سابقاً في الملز عبدالعزيز بن محمد بن عثمان العبيد من أهل جلاجل والذي فدى بنفسه لإنقاذ إبني مهند من حادث دهس وتعرض هو للصدمة والكسور وتمزق أربطة الركب، وكذا جراح اليد العالمي السعودي الأشهر الدكتور محمد قطان الذي نجح في إعادة اصبع ابنتي المقطوع بعد أن كان طبيب بلجيكي ينوي رميه لاستحالة إعادته، وأستاذي في البكالوريس والماجستير البرفسور المصري محمد إسماعيل حامد والأستاذ خالد المالك رئيس تحرير الجزيرة الذي أجريت في عهده الأول أهم تحقيقاتي الصحفية عن دار العجزة والمخدرات ودكاكين ألعاب (الباكمان) التي كادت أن تحرف الصغار، وتركي بن عبدالله السديري الذي فتح لي أبواب صحيفة الرياض بعد تركي (الجزيرة) مع استقالة خالد المالك وحمد القاضي الذي يجسد قمة الوفاء والموقف النبيل.

لكل هؤلاء لا اعتقد أن التهنئة برسالة (واتس آب) تكفي أو تليق خاصة عندما ترسل بتحديد الكل، فهؤلاء لا يكفي إلا زيارتهم ما أمكن أو اتصال مباشر يليق بفضلهم وفضيلتهم.

 

بوتكس وأطباء وعلب سجائر

منذ بداياتنا كصيادلة سعوديين أخذنا على عاتقنا (أثناء عملنا في المستشفيات) منع الصيادلة مندوبي الدعاية التابعين لشركات ووكلاء الأدوية من الوصول للأطباء منفردين لأننا كنا نعلم أنهم كمندوبي دعاية وتسويق يعطون الأطباء معلومات مغلوطة عن الدواء فيذكرون إيجابياته دون ذكر أعراضه الجانبية وتفاعلاته مع الأدوية الأخرى وتعارضه مع بعض الأمراض والأعراض كقصور وظائف الكبد أو الكلى وموانع استخدامه لدى بعض المرضى.

 كنا نفرض على المندوب المرور على الصيدلية أولاً ومرافقة صيدلي من صيدلية المستشفى لحضور المقابلة وكشف ما قد يخفيه مندوب الدعاية!.

عندما اعترضت في مقال الثلاثاء الماضي في هذه الصحيفة على ادعاء طبيب جلدية لبرنامج إذاعي أن حقن البوتكس ليس له أضرار جانبية إطلاقاً، وهي بالتأكيد معلومة خاطئة وخادعة للعامة، فثمة تفاعلات وأعراض جانبية بعضها خطير لحقن البوتكس، اعترض قلة من المستفيدين من هذه التقنية عبر وسائل التواصل مدعين سلامتها ويطلبون دليل على ضررها، وهو طلب غريب (إن صح أنهم أطباء أو حملة دكتوراه) فمجرد دخول أي موقع مكتبة علمية والبحث عن أوراق علمية عن الأعراض الجانبية للبوتكس سيرشدك إلى مئات الأوراق والأبحاث المنشورة عن أثاره الجانبية، ومن الكسل أو الإنكار والتعصب للرأي أن يدعي شخص أنها خالية تماماً من أي أعراض جانبية وتفاعلات ضارة دون أن يبحث هو عن حقيقتها بتجرد عن الانتفاع من الدعاية لها!، وهذا من مستجدات العمل غير المهني التي طرأت على الطب بعد دخول وسخ المال إليه!.

أمر آخر غريب جداً وصادم، وهو أنني  حينما شبهت إنكار المنتفعين من تجارة البوتكس لأضراره بإنكار شركات التبغ لأضراره رغم الوفيات بأمراض القلب والسرطان بسبب التدخين،  خرج أطباء بمعرفاتهم في (تويتر) يقولون كيف تدعي أن شركات التبغ أنكرت أضراره وهم يضعون التحذير على علب السجائر؟!، وهو سؤال ينذر بجهل أو تجاهل وكلاهما خطير، فهل وصل حد الجهل بهم أن لا يعلمون أن العبارات التحذيرية مفروضة على صناع السجائر من منظمة الصحة العالمية ومن السلطات الصحية في البلدان التي تمنع دخوله دون عبارات تحذير؟!، وهل وصل بهم (وهم أطباء) الجهل بأن شركات التبغ كانت ولا زالت تمول حملات لإنكار أضرار وإدمان التدخين؟!.

إن كان جهلاً منهم فمن قلة وعي وضعف مخرجات وإن كان تجاهلاً فمن قلة عقل فحري بالطبيب أن يكون أكثر وعياً من أن يجهل أن التحذير على علب السجائر مفروض على شركات التبغ وأكثر عقلاً من أن يتجاهله لمجرد التعصب لرأيه.

احذروهم وخذوا المعلومة من مصدرها العلمي

تطورنا كثيراً وتطورت وسائل الإتصال وأصبحت المعلومة تأتيك مع الهواء الذي تتنفسه ، ولكننا لم ندرك بعد ضرورة التثبت من المعلومة من مصادرها العلمية البحثية وهو أمر سهل، وعدم التثبت هذا في ظل تطور وسائل الإتصال وسهولة الوصول للمعلومة أمر ينافي التطور في تعاطينا مع التقنية، أي أننا نبحث عن السهل (وهي المعلومة الطائشة) ونترك الأقل سهولة (وهو التثبت من المعلومة)، وقد قال الشاعر (يا مدور الهين ترا الكايد أحلى).

كثرت المعلومات الصحية عموماً والطبية على وجه الخصوص والصيدلانية والعلاجية بالطرق العشبية ومعلومات كثيرة عن منتجات بكافة اشكالها يروج لها مستفيدون ومنتفعون (معلنون) ولكن بطريقة خفية وكأنهم ناصحون وأصبحت هذه المعلومات تصل إليك عبر الجوال (وخاصة الواتساب) أو عن طريق البريد الإلكتروني أو تويتر والفيسبوك، وهذا أمر طبيعي أو واقع سلبي لكنه مقبول، أقصد المقبول أن تأتيك المعلومة عبر وسائل الإتصال تلك ومهمتك كإنسان عاقل، قادر، وتتوفر لديك التقنية أن تتأكد من المعلومة من المصادر العلمية الموثوقة مثل المجلات والدوريات العلمية المحكمة والتي لا تنشر إلا ما تتثبت منه بالبحث والتجربة والمراجع العلمية والعرض على علماء محكمين والتأكد أمر سهل جداً مع توفر تقنية الشبكة العنكبوتية ومكان البحث، ويجب علينا جميعاً أن نقوم بهذا التثبت تلافياً للوقوع ضحية خدعة إعلانية أو معلومة شخص (يطير في العجة).

الأمر المحزن المبكي أن تأتي المعلومة الغير صحيحة بل الكاذبة والمخادعة عن طريق قنوات إعلامية كإذاعات الـ FM أو القنوات الفضائية أو الصحف السيارّة، فهذه الوسائل الإعلامية تعتبر لدى المتلقي مصادر موثوقة، ويفترض أنها كذلك إلا فيما يخص المعلومات الصحية والطبية والصيدلانية والدوائية والغذائية وغيرها من المعلومات التي ترتبط باكتشافات علمية تستدعي تثبتاً من المصادر العلمية الموثوقة فتلك الوسائل الإعلامية للأسف لا تتثبت انما تطرح المعلومة دون حتى ان تفحصها عقلياً فالمثل يقول حدّث العاقل بما لا يعقل فإن صدق فلا عقل له، وهذه الوسائل الإعلامية أحياناً تأتي بما لا يعقل ولا يقبله العقل.

بالأمس كنت استمع لإذاعة من نوعية الـ(FM) وهي اذاعة احترمها كثيراً لكن البرنامج استضاف طبيب تجميل كان يتحدث عن استخدامات (البوتكس) ويقول انه يستخدم في مجالات كثيرة ومنها منع التعرق في الرجال وان مفعوله يتراوح بين 4-6 أشهر وأنه مأمون وليس له أعراض جانبية وبالرغم من سؤال المذيع هل له أعراض جانبية أكد الطبيب أنه ليس له أي أعراض جانبية (!!!) فبالله عليكم هل يعقل أن مادة تمنع التعرق، أي تمنع افرازات السموم من الجسم ولمدة 6 أشهر ولا يكون لها آثار جانبية ضارّة؟!، والله لو منعت التعرق 6 دقائق لأحدثت ضرراً كبيراً، لكن الطبيب المنتفع لا يريد أن يذكر ذلك وهذه مصيبة أو أنه يجهله والمصيبة أعظم.

الجمعية السعودية للسموم مطلب وطني

على هامش المؤتمر الدولي للسموم الذي حضرته في بلغراد بصربيا، التقيت العالم المصري الدكتور سميح عبد القادر منصور أستاذ علم المبيدات والسموم البيئية بالمركز القومي للبحوث ورئيس اللجنة القومية للسميات بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والذي تم تكريمه في المؤتمر لجهوده في أنشطة الاتحاد الدولي لعلم السموم.

دار بين د. سميح منصور وبيني حديث شيق عن مدى الاهتمام الحكومي في الوطن العربي بعلم السموم والرقابة على السميات وخاصة المبيدات وعن رأيه في قضية الفراولة المصرية والتي أثيرت منذ عدة أشهر وأدت إلى حظر استيرادها في السعودية لمدة زادت عن سبعة أشهر، فقال كلاماً هاماً جداً.

اتفقنا أن المملكة العربية السعودية يجب أن تؤسس جمعية علمية للسموم وتنضم للاتحاد الدولي لعلم السموم وهذا أمر سهل جداً لا يستدعي إلا تكاتف عدد لا يتجاوز عشرة من المتخصصين في فروع علم السموم وإنشاء الجمعية بدعم حكومي ثم انضمام الجمعية للاتحاد الدولي لعلم السموم (IUTOX) لتوحيد الجهود والاستفادة من خبرة الاتحاد وتوحيد المعايير والمستويات المسموحة من المبيدات وأنواع المحظور منها. (أعلم أن لدينا جمعية خيرية للوقاية من السموم في القصيم بمسمى “سموم” قد تكون نواة لكنها لا تكفي بوضعها الحالي).

ويرى د. سميح منصور أن من الضروري جداً أن توحد الدول العربية الكبرى كالسعودية ومصر معايير ومستويات المبيدات والحدود المسموحة وطرق التحليل، فهو يرى أن اختلاف طرق التحليل واختلاف المعايير، قد يحدث لبساً وشكوكاً مثل ما حدث في قضية الفراولة والفلفل المصري، مؤكداً أن التجاوز والإسراف في استخدام المبيدات يحدث، لكن المهم اكتشافه ومعرفة نسبة تجاوز الحدود المسموحة، وقال: أثناء الأزمة واجهتني الصحافة المصرية بسيل من الأسئلة حول حظر السعودية للفراولة المصرية، وكانت إجابتي واحدة وهي أن التجاوز يحدث، لكن حجمه لا يحدده إلا معايير موحدة وطرق تحليل واحدة، والموضوع علمي بحت يجب أن يتم تناوله بين الجهات الوقائية بعيداً عن الإثارة الإعلامية والزوابع الصحفية.

واستدرك العالم المصري قائلاً: يجب أن نوقف الممارسات الخاطئة مثل أن يحمل المزارع المصري جهاز الرش ويرش المبيد بنفسه، دون تقنين للكمية والتركيز والنوع ورقابة وتنفيذ متخصص، وإلا فإننا سنواجه أزمات وخطورة على المزارع نفسه والبيئة والمحصول وسمعة الصادرات (انتهى).

أرى أن علينا وبصفة عاجلة تأسيس جمعية سعودية علمية للسموم تضم جميع المتخصصين في السموم الحيوانية والنباتية والكيميائية والمبيدات الحشرية وتنضم للاتحاد الدولي لعلم السموم وتعقد أحد مؤتمراته في المملكة.

المشكلة التي لم تحل

مشاكلنا مع الانحراف والجريمة والعدائية وسوء السلوك ليس سببها البطالة فقط، البطالة أحد الأسباب بلا أدنى شك لكنها وبلا أدنى شك أيضاً ليست السبب الوحيد، هناك الأسباب الأسرية والإجتماعية والتي لم نبدأ ولا حتى بداية في حلها أو علاج أسبابها ولا تزال تنخر في المجتمع وتولد نفوساً إما مكتئبة أو مصدومة أو حزينة دون مساندة مجتمعية ولا مساندة من الجهات المعنية وعلى رأسها وزارة التنمية الإجتماعية، في شكل مساندة ببحث الأسباب وعلاج ما يمكن علاجه منها وتقليص آثار ما يمكن تقليصه، وهذا وربي دور مهم جداً لوزارة العمل والتنمية الإجتماعية التي يبدو أنها انشغلت في شق العمل ولم تلتفت بعد لشق التنمية الإجتماعية.

حتى في اجتماع معالي وزير العمل والتنمية الإجتماعية مع كوكبة من كتّاب الرأي تم التنويه في الإجتماع إلى أن الحديث سيكون عن جانب العمل فقط وأن لجانب التنمية الإجتماعية اجتماعاً أخر لكنه لم يحدث حتى الآن رغم مضي أشهر ولا ألوم معالي الدكتور علي الغفيص فمشاكل العمل مرتبطة بهوامير ورجال أعمال وشركات مصارعتهم لقبول التوطين تحتاج إلى الوقت كله وجميع العضلات وكل الأوكسجين الذي تتنفسه الوزارة، لكن الجانب الإجتماعي والأسري تحتاج إلى جهد كبير جداً لا يقل عن الجهد المطلوب لمحاربة البطالة.

لدينا في مجتمعنا من طلّقت أمه، ومن علّقت أمه، ومن تُضرب أمه أمام عينيه، ومن يدري؟! فربما  لدينا من طلّق أبوه وعلّق أبوه وضُرِب أبوه أمام عينيه، من يدري؟! والمشكلة الكبرى أننا لا ندري.

لدينا من فقد والديه في حادث ومن فقد أولاده في حادث ومن فقد أسرته جميعاً بعد حادث، ولدينا من خسر في الأسهم، ولدينا من تم فصله من عمله تعسفياً، ومن ظُلِم من مديره ومن احتيل عليه في تجارة أو في عقار، نحن كأي مجتمع لدينا كل أو بعض هذه المشاكل التي تجعل الفرد يحقد على غيره ويتمرد على المجتمع خاصة حينما يضعف ايمانه ولا يجد من يقف معه فيصبح فرداً عدائياً أو محبطاً أو منعزلاً أو مجرماً، حتى لو كان موظفاً ولا يعاني من البطالة.

عالجوا مشاكل الأفراد والأسر عن طريق البحث الاجتماعي وتفعيل دور الأخصائية الإجتماعية وحل ما يمكن حله من هذه المشاكل ومساندة من يحتاج إلى مساندة لخلق مجتمع صحيح نفسياً وتقليص لمشاكله.

كل شيء تطور إلا البنوك

عزيزي العميل استخدم بطاقتك الإئتمانية الفلانية في سفرك خلال  شهر يوليو وستحصل على خصم مباشر قدره ١٠٪ على جميع العمليات! ثم لا خصم!، عزيزنا العميل استخدم بطاقتك (….) مدى للصرف الآلي أو بطاقتك الائتمانية (….) خارج المملكة لتربح قسائم سفر!، ثم لا قسائم!، عزيزي العميل استخدم بطاقة (….) الائتمانية على موقع كذا خلال الفترة ١٧-١٨ سبتمبر واحصل على خصم ١٥٪ لحد أعلى ٧٥٠ ريال! ثم لا خصم!، عزيزي العميل احجز حجرتك الفندقية باستخدام بطاقتك الائتمانية واحصل على خصم ١٥٪ عند الدفع بالبطاقة الائتمانية! ثم لا خصم!، استخدم بطاقتك الائتمانية قبل ٢٥ مارس ٢٠١٨م وادخل السحب لحضور كأس العالم! كذبة كبرى.

هذه عينة لإعلانات بعض بنوكنا التي تغري العميل بتخفيضات ثم لا تطبقها أو بجوائز ثم لا تحصل أو بدخول سحب تحصل بموجبه على حضور كأس العالم وأحياناً دخول سحب للفوز بمبالغ مالية كبيرة، لكنها كذبة كبيرة!

هذا التعامل من البنوك غير المراقب ولا المحاسب من مؤسسة النقد أو أي جهة رقابية يدعو للغرابة ويدل على أن بنوكنا والجهة المسؤولة عنها تغرد خارج سرب تطور نشهده على كافة أصعدة الخدمات لا يمكن إنكاره، فهناك تطور على مستوى حماية المستهلك وحفظ الحقوق، إلا مع البنوك!.

إذا أضفنا إلى ما ذكر فشل البنوك في توفير عملات نقدية عالمية كاليورو والدولار والجنيه الاسترليني يحتاجها المسافر، خاصة في الصيف، وإذا أضفنا إليه عدم توفير البنوك لكمية كافية من النقد عند رغبة العميل في سحب مبلغ كبير بالريال، وتعطيله أو تحويله لعدة فروع لتجميع ما يحتاج من ماله الذي أودعه واستفاد منه البنك دون دفع فوائد!، وأضفنا إلى كل ذلك تقاعس البنوك نحو القيام بالمسئولية الاجتماعية التي يفترض أن تسهم فيها بقوة تعادل التسهيلات التي تجدها وعدم قبول غالبية العملاء الحصول على فوائد لودائعهم (أرباح عظيمة مضمونة)، فإنك تتيقن أن بنوكنا تغرد خارج سرب المحاسبة التي نعيشها هذه الأيام بردع القصور والتقصير ومحاربة الفساد، وخارج سرب تطور نشهده في كل التعاملات إلا البنكية!.

 

تربية الشعوب بمنح الثقة

حتى لا يساء الفهم من غيور أو متحمس، فإنني لابد أن أؤكد، قبل الشروع في الفكرة، أنني أدرك أن لدينا من التعاليم الدينية والقدوة الحسنة العظيمة  والقيم الاجتماعية ما يغنينا عن الاستشهاد بغيرنا أو تطبيق تجاربهم، لكن عبارة (وجدت إسلاماً ولم أجد مسلمين) تتجسد كثيراً عندما تزور بلدا غير مسلم وترى، على أقل تقدير أنهم لا يندمون كثيراً على الثقة بالأخر وكأنه مسلم ملتزم بتعاليم هذا الدين العظيم الذي يمثل منهج حياة أمنة مطمئنة سليمة، لو طبقت تعاليمه!.

عندما أسافر ولو في مهمة علمية أو عمل أحب أن أجرب الخدمات العامة التي يستفيد منها مواطن البلد البسيط الكادح وخاصة في أهم العناصر التي يحتاجها الإنسان بما يحقق احترام إنسانيته، وأعتقد أن أهم هذه العناصر على الإطلاق توفير دورات مياه عامة تحترم الحاجة الإنسانية لهذا المخلوق الراقي والخدمات الصحية التي تحترم حقه في علاج ألامه وعلاج إصاباته ورعاية صحته (ليس من بين هذه الأساسيات لا نفخ شفايف ولا إزالة شعر بالليزر)  وخدمات النقل العام التي تغني عن امتلاك سيارة، ناهيك عن قيادتها، وتعليم مجاني في بيئة نظيفة تشتمل على كل ما يحترم إنسانية الدارس وحريته.

هذه الأيام أحضر مؤتمراً دولياً للسموم في بيلغراد عاصمة صربيا، وبعد ساعات محاضرات ونقاشات المؤتمر الطويلة، أجرب ما ذكرته سابقاً، ومن ضمن ما جربت التنقل مشياً على وسيلة نقلي الخاصة (الأقدام) أو بوسائل النقل العام (الحافلات و الترم).

في الأولى وجدت احتراماً للماشي على قدميه أو من يركب دراجة في حق العبور والسير الأمن واحترام المسارات، لكن ذلك ليس موضوعنا في هذه العجالة، فما يهمني، ونحن مقبلون على مرحلة نقل عام مبشرة بالقطار الأرضي والحافلات هو حجم الثقة الكبيرة التي يمنحونها للراكب بما يكفل تربيته على الثقة حتى يصبح على المدى الطويل ( موثوقاً) وأهلاً للثقة.

تركب الحافلة ببطاقة مسبقة الدفع (رخيصة جداً) ومن مميزاتها أنك تدفع بها للمشوار الأول ثم لك أن تركب مجاناً خلال الساعة ونصف القادمة دون أن تمسح البطاقة على الجهاز حتى لا يخصم من رصيدك، أي تتنقل مجاناً خلال ساعة ونصف تكفي للتغييرات والعودة السريعة، لذا فقد لاحظت أن كثر يركبون دون مسح البطاقة على الجهاز أو دفع للسائق!، أما ما يحدد أنك فعلاً تحمل بطاقة واستخدمتها للتو فهو الثقة مع رقابة طفيفة مفاجئة.

تساءلت في داخلي عن السر في هذه الثقة العمياء التي قد تستغل وتخسر مؤسسة النقل، فأدركت دون عناء تفكير أنها خسرت  في البداية، لكن البلد كسب ثقة المواطن وانتماءه ثم كسب تربيته على الثقة ثم ربحت مؤسسة النقل لأن الغالبية تدفع ولا تغش!.