قطرة القصيم غيث

منذ عشرين سنة وتحديداً في 4 سبتمبر 2002م كتبت في هذه الصحيفة الغراء مقالاً عن انبهاري الشديد بما رأيت في القصيم من سعودة للأعمال والوظائف في المطاعم وأسواق الخضار والملاهي، في زمن كنا نحلم فيه أن يعمل شاب في تلك المجالات، وهو ما تحقق اليوم ولله الحمد في عهد العزم والحزم عندما أصبحت السعودة حقيقة واقعة.

كان ذلك المقال بعنوان (السعودة في القصيم أحلى)، وقلت فيه: “لأول مرة أرى سعودة حقيقية لكل فئات الوظائف، ليس لأن السعودة نشطة في القصيم ولكن لأن شباب القصيم جادون في الحصول على العمل “هذا تفسير شخصي”، في بعض المدن الرئيسة في كل أنحاء المملكة تبحث الصحف عن السعودي الذي يعمل في مطعم وجبات سريعة لتجري حواراً معه لندرته، بينما في القصيم يكاد أن يكون الآسيوي هو النادر في المطاعم!! لم أجد ألذّ من الأكل في مطعم يعمل به شباب سعوديون، حتى الطلب له نكهة خاصة ممتعة، كنت أقول: هامبرغر دجاج بالحر بدلاً من (سبايسي شيكن) من فرط الفرحة لأن شباباً يعمل في المطاعم سيقبل العمل في التمريض والمختبرات والورش والمصانع. في ملاهي القصيم يندر أن تجد لعبة يشغلها عامل آسيوي أو غير سعودي. نحن مجتمع برز منا أطباء وصيادلة ومهندسون لكننا نبقى شغوفين دائماً بسماع اللهجة المحلية في الأعمال الأخرى لأننا نفتقدها رغم حاجة شبابنا لها وهذا الشغف الشديد أشبعته في القصيم حيث كانت كلمات “خلوه يلعب” أو “ركبوه بالقارب” تطربني كثيراً لأنها تعزف ألحان الجد والثقة بالنفس والوعي، كان ذلك في الملاهي أما في الورش والمطاعم والمصانع وأماكن البيع فإن الظاهرة الإيجابية اللافتة للنظر والمتمثلة في إقبال الشباب على العمل أعم وأشمل” انتهى، ويمكن العودة للمقال لمن يرغب.

تلك المبادرة التي تحسب لشباب القصيم تحققت اليوم، وثمة مبادرة أخرى عظيمة جداً، يجب علينا تشجيعها واستنساخها، إنها تجربة المرحومة -بإذن الله- فاطمة التركي التي أسست مبادرة غير مسبوقة بتحويل حوش منزلها لمصنع للفحم صديق البيئة، الذي مصنعه خال من الرصاص وممتلئ بنساء سعوديات أرامل أو يتيمات يعملن في تصنيع ذلك الفحم، ذلك المصنع زرناه: حمد القاضي وخالد السليمان وأنا، وكتبت عنه مقالاً في صحيفة عكاظ بعنوان (مضيعة الوقت إلى عنيزة) في 25 مارس 2011م، وسر العنوان أنه تزامن مع تصريح لبعض رجال أعمال بعد اجتماع مع وزير العمل -آنذاك- يحثهم على السعودة، فصرح أحدهم -هداه الله- بأن “الاجتماع لمضيعة للوقت”، وإن كان حياً اليوم فسيعلم أن السعودة اليوم (مكسبة) للوقت، ومكسب لكل خير للوطن، قلت في ذلك المقال: “في محافظة عنيزة بمنطقة القصيم زرت فاطمة صالح التركي (أم خالد) امرأة أرملة، قتل زوجها خطأ طبي أليم وهو في منتصف العمر والأعمار بيد الله، بدلاً من أن تحبط وتتقوقع وتنقم على المجتمع أنشأت جمعية نسائية خيرية واتخذت الدور الأول من منزلها موقعاً للجمعية تطوعاً من دون مقابل وحرمت نفسها وأسرتها من الخصوصية وأقاموا في الدور العلوي من المنزل لإدارة الجمعية لتكون أول جمعية خيرية تعمل على مدار الساعة مهنياً وإدارياً بإقامة رئيستها في المقر، بل إقامة المقر في منزل الرئيسة…” إلخ المقال لمن أراد تفصيلاً الرجوع له.

واليوم أقول: إن تجربة المرحومة فاطمة يجب أن تستنسخ في مناطق أخرى ومجالات مختلفة، فعمل الأسر المنتجة يجب أن لا يقف عند الطبخ والخياطة، وفي جميع مناطق وطننا المعطاء نساء ورجال لا يقلون عن فاطمة عنيزة كرماً وعطفاً وسعياً للخير، وفي كل منطقة رجال ونساء يبحثون عن حضور منتج في مجالات عمل خير وصلاح ولعلي أفصل في مميزات استنساخ مبادرة فاطمة التركي في مقال مقبل، وإلى ذلك الوقت دعونا ندعو لها ولمن شجعها.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 20 جمادى الآخرة 1443هـ 23 يناير 2022م

لا تحسدوا (اللاعبين) و(السنابيين) و(الإبليين)

كثر هذه الأيام الحديث عن ملايين لاعبي كرة القدم وملايين مشاهير مواقع التواصل وملايين ملاك الإبل وهواتها، وهو حديث يكثر فيه الاستنكار والاستكثار لهذه الأرزاق والمطالبات بالحد من هذا الدخل ومحاولة تقليصه، أو بلغة أكثر صراحة وتعبيرا عن الواقع (حسدهم) على هذا الرزق.

دعونا نأخذ هذه الأرزاق لكل فئة ونحللها: فلاعب كرة القدم احترف حرفة مطلوبة اجتماعيا لها من يستفيد منها ويستثمرها ممثلا في الأندية الرياضية وملاكها والمستفيدين منها والمستثمرين فيها، واللاعبون يبذلون جهدا على تنمية هذه الحرفة ويتفرغون لها ويسافرون من أجلها ويتركون أسرهم فترات طويلة ويصابون بإصابات ويتألمون وأحيانا كسور وتمزقات، فمن حقهم أن يحصلوا على مقابل حلال، وإن زاد حسب العرض والطلب وسعر الخدمة في السوق، ثم إنهم يعولون أسرا فقيرة (في الغالب) ما كان لها أن تحصل على قوت يومها لولا أن بسط الله رزقه عليهم وقدر، وسوف آتي على جانب زيادة اليقين الذي ذكرت في العنوان.

المهم في هذه الفئة الشابة (فئة لاعبي كرة القدم) أن نربيهم ونعودهم وننصحهم بالوفاء بالعقود والإخلاص في العمل وعدم خيانة العهد والعقد، لا أن نشجعهم على الخداع والتحايل وخيانة العقد والحنث في الوعد.

فئة (السنابيين) أو مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي عامة، هم أيضا أناس سعوا لرزق وفير عبر تسخير موهبة الجذب الإعلامي ومن ثم استخدام شهرتهم في الإعلان والكسب ووجدوا من يستفيد من شهرتهم، فلماذا نحسدهم رزقهم، والمهم في هذه الفئة ألا يستغلوا الشهرة في الترويج لباطل أو بضائع يعلمون ضررها أو فسادها، أي ألا يدلسوا على الناس وإذا فعلوا يعاقبون بما يستحقون وما يوازي جريمتهم وتأثيرها في الناس الذي بناء عليه كسبوا.

أعرف أسرة أصيبت ابنتهم بمرض عضال وتولت الدولة – أعزها الله – كعادتها علاجها في أمريكا، لكن شهرة أختها الصغيرة سنابيا وثرائها أعان الأسرة والوالدين على مرافقة ابنتهم وزيارتها وتحمل ظروف الحياة، بعد أن بسط الله رزقه عليهم عن طريق طفلة سناب.

فئة ملاك الإبل وهواتها والمتنافسون فيها، لا أعرف عنهم الكثير، لكنهم اختاروا هواية تراثية محبوبة واستغلوا أحد مخلوقات الله التي أمرنا أن نتبصر فيه وننظر لكيفية خلقها، والمهم في هذه الفئة (التي أعترف أنني لا أعرف عنها الكثير ولا كيف تعمل وتكسب) المهم ألا تثير النعرات والحزازات وأن تكون أموالهم نظامية قانونية وكسبهم مشروعا، وإذا كان كذلك فلماذا نحسدهم رزقهم الذي لا يضرنا وهذا هو المهم. أما كيف أن هذه الأرزاق المليارية تزيدنا يقينا وترسخ إيماننا فإن الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن الكريم وفي أكثر من موقع وأكثر من سورة وآية قوله جل وعلا: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ) وهذه الأرزاق المليارية الضخمة المفاجئة وغير المتوقعة، يجب أن تزيدنا يقينا وإيمانا بقول الله تعالى ووعده، فلا نستغرب ولا نستكثر بل نؤمن.

بالمناسبة، مر بهذا الوطن الغالي الأمين مراحل وصور ثراء غير متوقع شهده العقاريون زمنا ثم المستثمرون في الأسهم زمنا، (وجميعهم بأقل جهد)، فلماذا نستكثر على لاعب كرة قدم أو مشهور سناب أو هاوي مزايين إبل؟!

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 13 جمادى الآخرة 1443هـ 16 يناير 2022م

لا للغيرة المهنية.. نعم للغيرة على المهنة

في مقال الأسبوع الماضي تطرقت لخطورة الغيرة المهنية على منجزات الوطن، وكيف أن غيرة بعض أصحاب المهنة الواحدة من بعضهم البعض، خاصة غيرة غير المنتج من المجتهد المنتج، قد تعيق كثيراً من المنجزات الوطنية، واستشهدت ببعض الأمثلة التي عايشتها وعلى رأسها زراعة الكبد وزراعة وجراحة القلب ومركز إنتاج الأمصال لسموم الثعابين والعقارب وكيف تسبب الحسد ومحاربة المميزين المنتجين في صعوبات بالغة واجهت تلك المنجزات وغيرها كثير، واقترحت على وطني محاربة تلك الظاهرة والتصدي لها وعدم إتاحة الفرصة لتحقيق الحاقد الفاشل إعاقة جهود زملائه المخلصين.

ومن الضروري عدم الخلط بين الغيرة المهنية والغيرة على المهنة، فشتان بين الصفتين والفعلين فالأول ثرى والثاني ثريا، الأول سلوك سيئ ممقوت والثاني فعل حسن محمود، والأول يجب وقفه والثاني يجب تشجيعه والحث عليه.

الغيرة على المهنة (أي مهنة) تهدف إلى وقف الممارسات التي تسيء للمهنة ومحاربة كل شكل من أشكال سوء استغلال المهنة بما يسيء لسمعتها ويشوهها ويخدش شرفها، ومن أمثلة الغيرة على المهنة موقف الأطباء النفسيين من طبيب نفسي يهرف بما لا يعرف ويهذي في القنوات الفضائية والبرامج بما تنهى أبجديات أعراف وأصول المهنة عن ذكره من تعميم سلوكيات شاذة نادرة والتلميح إلى أن المجتمع يعاني منها وهو منها براء أو تحليلات وتفسيرات نفسية لحالات خاصة على الهواء مباشرة، وهو ما لا يجوز ولا تسمح به الأنظمة والقوانين المهنية، أو ذكره لعبارة (جاءني مريض أو جاءتني مريضة وقال وقالت وفعل وفعلت) وجميعها روايات كاذبة، وحتى لو كان بعضها حدث فعلاً فلا يجوز فضحه إعلامياً.

ومن الغيرة على المهنة أن يحارب الصيادلة كل صيدلاني يخون شرف المهنة بأن يخدع المريض بترويج أدوية شركة أغلى سعراً أو العبث في أدوية مراقبة أو قبول مغريات وكلاء بتصريف أدويتهم.

ومن الغيرة على المهنة أن يحارب المهندسون كل مهندس قصر ومرر مشروعاً فيه خلل يعلمه أو قبل رشوة أو خان الأمانة لمصلحة طرف على آخر.

ومن الغيرة على المهنة تذمر الأطباء الشرفاء من سلوكيات الأطباء الجشعين الذين يهملون مرضاهم في المستشفى الحكومي ويتركون عياداتهم وغرف العمليات في مستشفى حكومي ويذهبون لمستشفى خاص مخالفين للنظام ولشرف المهنة، فينصح الأطباء الشرفاء الطبيب المخالف، وإذا أصر نبذوه وبلغوا عنه، حماية لسمعة المهنة ونزاهتها وإنسانيتها.

حتى الصحافيين والكتاب يغارون على مهنة الصحافة وأمانة الكتابة، فينبذون من يسخرهما أو إحداهما لخدمة مصالحه الشخصية على حساب خدمة الدين والوطن ويجانب الحياد ويخون أمانة القلم.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 6 جمادى الآخرة 1443هـ 9 يناير 2022م

حارب بكتيريا الغيرة المهنية يا وطني

والغيرة المهنية هي غيرة أصحاب المهنة الواحدة أو التخصص الواحد من بعضهم، وتعاني منها كل المهن والتخصصات مهما كان مستوى التعليم أو الثقافة، فشاهدناها بين أساتذة وأعضاء هيئة تدريس في الجامعات، وشاهدناها بين مهندسين وصيادلة وأطباء ومحاسبين ومحامين ولا فرق أبداً.

وتحدث الغيرة المهنية غالباً من فاشل غير منتج ضد ناجح مجتهد فيحاول الأول جاهداً إفشال مساعي الناجح والتشكيك في نجاحه وتكسير مجاديفه بدلاً من أن يحاول هو التجديف وتحقيق نجاح مماثل، وهنا تكمن الخطورة على الوطن وعلى إنجازاته، وهذا سبب اقتراحي بأن يتم رصد مثل هذه السلوكيات المحبطة بدقة ومحاربتها في كل وزارة ومؤسسة وفي القطاع الحكومي والخاص على حد سواء.

لا خير فينا – وقد مررنا بتجارب كثيرة ومتنوعة وفي مواقع مختلفة – إذا لم نحذر الوطن مما شاهدناه من أشكال هذه الظاهرة الخطيرة الضارة، فالاستفادة من تجارب المجربين أقل حق نقدمه لهذا الوطن.

أثناء ممارستي العمل الأكاديمي في الجامعة، شاهدت صوراً مخجلة من الغيرة المهنية من أساتذة يقللون من جهود زملائهم في مجال أبحاث علمية حققت نجاحاً عالمياً مشهوداً أو يحاربون نجاحات تعليمية مميزة لزميل مخلص أو باحث نذر نفسه لأبحاثه التي يجريها بنفسه وبدقة بالغة ونتائج تذهل العالم، بينما هم يوكلون البحث لمساعد شرق آسيوي ويجنون الترقيات بأقل جهد أو بدون جهد.

في المجال الطبي كاد أهم إنجاز طبي سعودي وأكثرها تميزاً ونجاحاً عالمياً وهو زراعة الكبد من متبرع متوفٍ أو جزء من كبد متبرع حي، كاد هذا النجاح الوطني أن يتوقف تماماً بسبب الغيرة المهنية والحسد، كما أن زراعة القلب وعملياته المعقدة عانت وتعاني من غيرة أطباء فاشلين يحاربون الناجحين.

في مجال الصيدلة، عندما بدأ مركز إنتاج الأمصال لسموم الثعابين والعقارب في إنتاج أمصال سعودية وطنية عالية الفاعلية بشهادة منظمة الصحة العالمية ومختبرات الدواء وطنياً وعالمياً وتمكنت الأمصال السعودية الخالصة من خفض نسبة الوفيات بسبب الثعابين والعقارب إلى الصفر للضحايا الذين وصلوا المستشفيات وحقنوا بالمصل، مارس أحد الصيادلة محاربة المركز في كل محفل علمي داخلياً وخارجياً وتحديداً في الجهة التي يعمل فيها مقللاً من نجاح منتجات المركز، لكن جهة عمله كان بها من فطاحلة الصيادلة المتمكنين، فعمدوا لعمل مناظرة علمية حول المنتج وفي المناظرة سألني سؤالاً غريباً لا ينم عن علم قائلاً: ما البكتيريا التي تعقمون المنطقة المعقمة من وجودها؟! قلت المنطقة المعقمة يجب أن تكون خالية من كل نوع من البكتيريا، بل ومن أجزاء البكتيريا يا زميلي، ولكن ما البكتيريا التي تعز عليك وتقصدها؟! فبهت ولم يجب!، عندها قلت: إنها بكتيريا الغيرة والحسد والحقد، وهذه سيعقمها وطني بحول الله.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 29 جمادى الأولى 1443هـ 2 يناير 2022م

فساد لم نقدر عليه.. التقدير للمدير

إحقاقاً للحق، لا بد أن نقول إننا نجحنا نجاحاً غير مسبوق في مكافحة الفساد بجدية وشمولية وحزم، ومن الإنصاف للوطن القول إن كثيراً من الدول في منطقتنا وحولها أُعْجِبت شعوبها بما وصلنا إليه في حربنا على الفساد، وحاولت بعض الحكومات تقليدنا ولم تستطع مجاراتنا لأن عزمنا أكبر ورؤيتنا أصدق وأعمق.

وترسيخاً لمبدأ الشفافية والمصارحة بواقعية لا بد أيضاً أن نقول إننا لم نقدر بعد على بعض أشكال الفساد الخفي وبعض الفساد الظاهر الذي يحدث داخل أروقة بعض المؤسسات ويستوجب تحركها داخلياً للقضاء عليه ولم تفعل بعد لأنها أقل عزماً وحزماً من الجهات الرقابية.

من أشكال الفساد الخفي: سرقة إنجازات الموظف الصغير ونسبها للمدير أو لموظف آخر، وعدم حصول صاحب الجهد الحقيقي على التقدير المطلوب، ذلك التقدير الذي يسميه الفرنجة (كريدت) credit فهذه (الكريدت) بذهابها لمن لا يستحقها تشوه وجه الإنجاز فتجعله أشبه بوجه (القريدات) إمعانا في القبح، ومن نتائج ذهاب التقدير (الكريدت) لمن لا يستحقه وحرمان صاحبه الحقيقي الأحق حدوث الإحباط في المؤسسات، ليس للموظف المبدع المأكول المجحود وحسب، بل حتى لبقية زملائه، لأن غالبية موظفي المؤسسة يعلمون من صاحب الإنجاز الحقيقي ومن سرقه.

ومن أشكال فساد سرقة الإنجازات أمثلة كثيرة ومؤلمة، منها سرقة إنجاز طبي وسرقة إنجاز هندسي وحاسوبي وإنجاز تقني وفكري وحتى أدبي وشعري وفي كل المجالات خاصة سرقة المدير لإنجازات موظفيه، وأهم أسباب رواج هذا الفساد وخفيته أن المدير هو من يخاطب ويكتب ويخطب لذا فهو من يتزوج الإنجاز! أي باختصار تطبيق قاعدة مقيتة سيئة هي قاعدة (التقدير للمدير)!.

أما أشكال الفساد الظاهر، فتتمثل في المساواة بين من يعمل ومن لا يعمل ومن ينتج ومن لا ينتج ومن يهتم ومن يهمل ومن يلتزم ومن لا يلتزم ومن يزرع ومن (يزوغ) ومن أشهر أمثلة هذا الفساد وأوضحها لشرح خسته وأكثرها ظلماً وخطورة، ما كتبت عنه كثيراً وهو خروج بعض الأطباء الحكوميين من المستشفى الحكومي لمستشفى خاص نهاراً جهاراً، تاركين مرضاهم في المستشفى الحكومي، دون حسيب ولا رقيب ولا فاعلية لإدارة التزام!.

وقلتها سابقاً: فقط تخيل لو خرج معلم من مدرسته الحكومية ليعمل في مدرسة أهلية تاركاً طلابه أو خرج المهندس الحكومي من مؤسسته و(زوغ) لشركة خاصة، أثناء الدوام، ولم نحاسبهم، كيف ستصبح حالنا؟!!.

أجزم أن الحل قريب، قريبا تسمعون ما يسركم، قريباً جداً سنقدر، فحربنا على كل الفساد شاملة.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 22 جمادى الأولى 1443هـ 26 ديسمبر 2021م

في رثاء خليلٍ لا يعوض.. حمد الحبيش

سجلت في متوسطة حطين منتقلاً من متوسطة طويق وأنا في مرحلة الثاني متوسط فدخلت فصل ثانيه رابع وكان فصلاً يشرح الصدر في مبنى نموذجي بني كمدرسة فعلاً وليس مؤقتاً كمتوسطة طويق.

كان جميع طلاب الفصل كرماء مبتهجين يشعرونك بالسعادة وكأنك تعرفهم منذ زمن، لكن أحدهم كان الأكثر حيوية وترحيباً بالقادم الجديد والأكثر تقديراً لحالة الوجل والشعور بالعزلة لطالب جديد لم يزاملهم في الصف الأول متوسط فجميعهم يعرفون بعضهم إلا أنا، اقترب مني مرحباً ومعرفاً بنفسه ويسأل عن اسمي فأخبرته، رد والنعم وأردف: (لهجتك سديراوي) قلت نعم من جلاجل، قال أنا حمد بن محمد الحبيش من تمير، قلت والنعم وثلاثة أنعام، فكان هذا التعارف الأول لمعرفة امتدت لأكثر من خمسين عاماً لم يشبها لا خلاف ولا تغليب مصالح ولا أنانية، كنا قلبين متصافيين يخفقان حباً لبعضهما في جسد واحد.

لم أكن أعلم أن استقباله لي وترحيبه بي وطمأنته للقادم الغريب الوجل ستكون بداية لجمائل كثيرة ومعروف يومي ممتد طوال حياتنا معا، شعرنا بألفة وتوافق غريب، نفس الفراسة ونفس النكتة والمزاح ونفس الشقاوة المدرسية البريئة الممزوجة بمواقف رجولة مبكرة وجدية دراسية لرسم مستقبل، وقررنا أن نستذكر الدروس معاً في منزل أسرتي في ثليم، وفعلنا ذلك يومياً في أوقات الامتحانات. كان والدي يقابل حمد أو يصادفه (رحمهما الله) عند دخوله يومياً وما هي إلا أيام قليلة وقال لي والدي، بفراسته المشهورة عنه وخبرته الواسعة في الرجال، قال: (رفيقك هذا، ولد الحبيش، عض عليه بالنواجذ تراه رجال سنع)، كان جيلنا يحسب مليون حساب لنصيحة الوالد فلا يخالفها أبداً. في أوقات العطل كنت أذهب لمنزل الحبيش في حلة القصمان، كان قصراً عامراً يسكنه أربع أسر بأولادهم: عم حمد ناصر أكبرهم ووالد حمد (رحمهما الله) وعبدالله وعلي، وكان منزلهم مقر ضيافة مفتوح يستضيفون فيه كل من قدم من قرى سدير خاصة بادية تمير وبوضة ومبايض وعشيرة سدير وكان الضيوف يبيتون فيه.

بعد المرحلة الدراسية المتوسطة التي شهدت الكثير من المواقف الدراسية والرياضية الرائعة والرحلات الطلابية انتقلنا معا لثانوية الرياض بالمرقب وفي نفس الفصل واستمررنا نذاكر في منزلي وانضم لنا الزميل المهندس الزراعي حالياً عبدالمحسن بن عبدالعزيز العبيد ومررنا معاً بمواقف جميلة ولحظات سعيدة.

رافقت حمد لبريطانيا ندرس اللغة الإنجليزية ومررنا بمواقف كثيرة برزت فيها شجاعته وغيرته على وطنه وكرم أخلاقه وحميته، ثم فرقتنا دراسياً الجامعة فدخل هو كلية التجارة ودخلت الصيدلة، لكننا استمررنا نلتقي مساء ونسافر معاً ونلتقي كل مساء اثنين في مجلس بمنزلي أسميته (مجلس حمد بن محمد الحبيش) ولم ننقطع أسبوعياً إلا لسفر أو ظرف قاهر، كان سندي ويعتبره أبنائي أباً لهم وسند وظهر عند الملمات. ترافقنا وسافرنا معاً حتى في مؤتمرات الصيدلة التي تخصني وندوات ودورات العلوم الإدارية التي تخصه، كان -رحمه الله- غيورا على دينه وعلى القيم وعلى الوطن لا يقبل مساساً بهذه الثلاثة وكان إذا اجتمعنا في بهو الفندق مع حاسدين لنعمة وطننا (وما أكثرهم) يلجمهم بأسلوب مقنع مؤدب وإذا حمي الوطيس ألقمهم حجراً يجعلهم يغادرون.

كان كريماً صاحب نخوة وفزعة لمن يعرف ومن لا يعرف، وعندما دخلت عالم المستشفيات والصحة كان يطلب مني الشفاعة لفتح ملف لمريض أو ضحية حادث، وعندما أسأله عن الاسم الكامل أو الجوال أو معلومات يفترض أن يعرفها، لو كان قريبه أو صديقاً، كان لا يعرفها فيقول (اصبر أسأل)، مما يدل أنه يفزع لمن لا يعرف، و طلب مني مساعدة مريض ذات مرة وقلت له إنني كلمت (فلاناً) وشعر أنني لا أعرف تفاصيل معلومات المريض وأنه قال لي: (الوضع مزحوم فإذا كان يعز عليك يا محمد و إلا لا تحرجني)، فرد علي حمد قائلاً (قله إلي ما يعز عليه المريض مهوب عزيز).

كان من شدة نخوته وكرمه يصف الشخص الذي لا ينفع الناس بسلب التمرة والسلب هو الغلاف الرقيق المحيط بنواة التمر! فيقول (من لا ينفع الناس مثل السلب ليس له فائدة، لا يأكله البشر ولا يطحن فتأكله الماشية)، كان رمزاً في مدينة تمير وأحد أنشط رجالها في متابعة مشاريع الطرق والسفلتة والإنارة والهاتف والكهرباء والغاز ونادي المجزل بتمير بحكم علاقاته الواسعة وشهرته وتقدير الرجال له، فتح مزرعته لضيوف تمير فلا يمر أسبوع إلا وقد استضاف ضيوفاً لهم شأن وجمعاً من أبناء تمير صغيرهم قبل كبيرهم لتعريفهم بهم، وكان يفطر الصائمين في مزرعته ويجمع كل أهالي مدينة تمير وما جاورها مع جمع غفير من أصدقائه خارجها في فطور رمضاني ضخم قبل دخول العشر الأخيرة ثم يقيم حفل العيد، وكان لا يرد صاحب حاجة أو شفاعة حتى قيل عنه في سدير كلها، بل وفي كل مناطق المملكة قاطبة: (إذا صعب عليك أمر فادعُ ربك ثم استفزع بحمد الحبيش)، وعند احتلال الكويت ونزوح أهلها أصر على استضافة عائلة كويتية في منزله فنصحته بأن أسرتك عددهم كبير ومنزلك بالكاد يكفيكم ولن تتحقق الخصوصية للطرفين وبعد جهد وإلحاح قرر أن يستأجر شققاً لأكثر من عائلة كويتية.

حمد الحبيش رجل يندر مثيله وصديق وخليل لا يعوض ولا يسلى فكيف أسلاه وكل مكارم الأخلاق تذكرني به؟!، يذكرني به الكرم والشجاعة والنقاء والشهامة والفزعة والغيرة على الدين والقيم والوطن، يذكرني به يوم الاثنين فقد كنا اثنين في واحد، وأصبحت بعده واحداً وحيداً بلا أحد، اللهم أجبر كسري فيه وارزقني وأهله الثبات والطمأنينة والسكينة وأجمعنا به في الفردوس الأعلى برحمتك يا رحمن يا رحيم.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 15 جمادى الأولى 1443هـ 19 ديسمبر 2021م

الإعلانات المخادعة تقليد أميركي

زادت لدينا أشكال الاحتيال وطرقه وصوره، خصوصاً عبر إعلانات وسائل التواصل الاجتماعي التي يعلنها بعض مشاهير الفلس، أو عبر رسائل (الواتساب) المخادعة للمستهلك، وفي كل الأحوال فإن وعي المستهلك يتحمل جزءًا من المسؤولية، فتلك الإعلانات الكاذبة المخادعة يتزامن معها حملات توعية من متطوعين لحماية المستهلك يحذرون منها، ويفترض أن يكون ذلك مدعاة للحذر وعدم الوقوع في فخ خداع المشاهير أو المعلن المخادع أو الشركات الوهمية، لكنه لا يعفي الجهات المسؤولة عن حماية المستهلك ومحاربة الغش.

نعم التوعية لا تعفي جهات حماية المستهلك من القيام بدورها الأساس في محاربة الغش التجاري المعلن الواضح الذي له أرقام هواتف وموزعين وحسابات (تويتر) أو (انستغرام) أو غيرها من المواقع التي يسهل رصدها إذا وجدت الجدية والحزم الذي يواكب روح هذا العصر.

من أحدث أساليب الخداع للمستهلك هذه الأيام قيام حسابات متاجر وموزعين بالإعلان عن أجهزة ومنتجات بربع سعرها، وبشراء واحدة والحصول على الثانية مجاناً، وجميعها إغراءات مخادعة، ويطلبون الدفع عند الاستلام، ويعدون بإرجاع المبلغ إذا لم يعجبك المنتج ولو بعد حين إمعاناً في الخداع لكن التسليم يتم من مندوب تسليم يشترط (سلم واستلم) فإذا استلم المبلغ وذهب، اكتشف العميل أن المنتج مقلد أو تالف أو مغشوش لا يحمل نفس المواصفات، وإذا اتصل بالمندوب أبلغه بأنه مجرد أداة توصيل واستلام ويطلب منه التواصل مع أرقام الحساب الذي باع عليه، ثم يكتشف أن الأرقام لا ترد وما هي إلا بضع اتصالات ثم يتم حظر رقم العميل تماماً لخداع عميل آخر.. وهكذا.

أقول، وبالله التوفيق، طالما أن هؤلاء النصابين لهم أرقام جوالات داخلية (أو حتى لو لم تكن داخلية) فطالما أنهم يتعاملون مع شركات توصيل موجودة بيننا ومندوب توصيل لديه رقم جوال محلي، فإن (رجل الديك تجيب الديك) كما يقول المثل الشعبي، ويقع على عاتق جهات محاربة الغش التجاري وحماية المستهلك القيام بدورها في حماية الناس.

بالمناسبة، هذا الخداع مر على دول غيرنا، بل هو تقليد أمريكي قديم، فأذكر في الثمانينات الميلادية، عندما انتشرت الصراصير في أميركا، أعلن أحدهم عن جهاز يقضي على الصرصار خلال ثوانٍ وأن نجاحه مضمون 100 ٪، وإذا لم ينجح خلال ثوانٍ معدودة يحق لك استرجاع المبلغ فوراً، وحدد 10 دولارات للجهاز قبل التسليم، وفعلاً أقبل الناس على الشراء والدفع الفوري وانتظار التسليم على أحر من الجمر(لم ينفعهم ادعاء الوعي)، وعند استلام الجهاز وجد أنه عبارة عن فردة نعال (شبشب) قديم (أعزكم الله) موصل بعصا خشبية، وشرح لطريقة الاستعمال تقول (امسك العصا واضرب الصرصار يموت فوراً).

وهل تأتينا (البلاوي) إلا من أميركا؟!

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 8 جمادى الأولى 1443هـ 12 ديسمبر 2021م

أمثلة لتخلف قطاعنا الخاص عن الحكومي

من الواضح جداً أن مؤسسات القطاع الخاص لدينا باتت متخلفة كثيراً عن الوزارات والمؤسسات الحكومية التي قفزت قفزات نوعية في مجال الخدمات والتعاملات الإلكترونية وسرعة الإنجازات، ففي الوقت الذي تطور فيه أداء الأجهزة الحكومية بشكل ملحوظ، بقي القطاع الخاص يراوح مكانه، بل تراجع أداؤه كثيراً ولم يواكب المرحلة على الإطلاق، وقد يعني هذا أن مؤسسات القطاع الخاص تحتاج إلى موقف حكومي وإجراءات وغرامات تجبرها على مسايرة ركب التطور، أي باختصار حان الوقت للتوقف عن تدليل هذا القطاع.

الأمثلة على ما ذكرت كثيرة ولا أستطيع التفصيل في الأمثلة، لأن ذلك يستدعي الاستشهاد بأسماء بعض الشركات والمؤسسات وهو أمر ينطوي على تشهير لا أملك حقه، ولا أريد أن أملكه، فالهدف هو الإشارة إلى السلوك أو الظاهرة دون تحديد اسم الطرف أو الأطراف.

خذ على سبيل المثال البنوك، لم ترتق مطلقاً بخدماتها بل تراجعت كثيراً ولعل الشكوى مؤخراً من انتهاء تاريخ صلاحية بطاقات الصراف (مدى) وتوقفها عن العمل قبل إصدار بطاقة جديدة أمر أصبح محرجاً جداً للعملاء أثناء التسوق حيث يتفاجأ رب الأسرة أنه لا يستطيع دفع ثمن مشتريات أساسية لأن بطاقته أوقفت دون الحصول على جديدة، وهذا تراجع في الخدمات، فقد كانت بطاقة الصراف الجديدة تصدر قبل انتهاء القديمة بشهر، وهذا التراجع يتنافى مع خطوة حكومية مهمة في محاربة التستر عن طريق فرض توفير مكائن السداد الإلكتروني في نقاط البيع وتقليص الدفع بالنقد، كما أن البنوك أصبحت تطلب حضور العميل لإجراءات يفترض أن تتم عبر الموقع الإلكتروني لو تم ربطه بطريقة صحيحة وآمنة كما هي الحال في (أبشر) و(توكلنا) و(صحتي).

في مجال التعليم فإن تجربة التعليم عن بعد أثبتت أن المدارس الحكومية متقدمة بمراحل عن المدارس الخاصة والأهلية من حيث فاعلية وتفاعل واستمرارية منصة (مدرستي) مقارنة بمنصات المدارس الخاصة، هذا خلاف التقاعس في مجال السعودة والمماطلة في هذه الخطوة التي طبقها التعليم الحكومي منذ عشرات السنين، وكنتيجة للتقاعس قل الانضباط وقل مستوى المخرجات وزاد الغياب والدروس الخصوصية.

في القطاع الخاص الصحي حدث ولا حرج، فيكفي من تخلف المستشفيات الخاصة والأهلية عن الحكومية أن الخاصة لا تعتمد على أطباء استشاريين متفرغين، بل تفسد أطباء حكوميين بأن تسرق وقتهم من المستشفى الحكومي ومن مرضاه لتشغلهم بطرق غير نظامية ولا مشروعة مع إعطائهم (طفسة) من النسبة وجزءاً يسيراً من كعكة الربح الذي تحققه من هذا السلوك المشين، وبالتالي لا تجد لديهم استشاريين في تخصصات أساسية وتكثر لديهم الأخطاء الطبية وتقل الميكنة المتوفرة في المستشفى الحكومي الذي يعالج مجاناً ولكن بشرف!! وسبق أن اقترحت أن تأخذ الدولة ممثلة بوزارة المالية حقها من هذه المخالفات في شكل غرامات مليونية، فتلك المستشفيات لا هي وظفت الاستشاري السعودي متفرغاً ومنحته ذات المميزات وتركت المستشفى الحكومي يفرخ المزيد من الأطباء السعوديين عن طريق توظيفهم كبدلاء وتقليل بطالة الأطباء الجدد، ولا هي وظفت خريجين سعوديين جدد وصرفت على تدريبهم وتطويرهم كما تفعل الحكومة، بل سرقت وقت الاستشاريين من الحكومي وجعلتهم يبقون على وظائفهم الحكومية ويحرمون غيرهم من التعيين!!

مجمل القول: إن القطاع الخاص يجب أن يفطم ويوقف تدليله بما يجعله يقوم بدوره الذي يوازي مكاسبه فلا يكون منشاراً ذا وجهين، (يأكل رايح جاي).

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 1 جمادي الاولى 1443هـ 5 ديسمبر 2021م

لهذا يكرهونني.. والحزم والعزم سيردعهم

ثمة ثلاثة فئات من المستضعفين في الأرض، لا بد لأي شخص لديه الحد الأدنى من العاطفة والمشاعر الإنسانية أن يتعاطف معهم، فإذا ابتلاه الله بأن يكون من حملة القلم فلا بد أن يدافع عن حقوقهم ويطالب بإنصافهم، والفئات الثلاث هم: المرضى وصغار المستهلكين وصغار الموظفين المبدعين.

وطبيعي جدا عندما تطالب بحقوق المستهلك أن يغضب منك التاجر الجشع المستغل للمستهلك، لكن التاجر الأمين الصادق سيرضى عنك، ومن المعتاد عندما تطالب بحقوق الموظف الصغير المبدع، المأكول المذموم، أن يعاديك المدير الذي أكل حقوقه وسرق إنجازاته ويعاديك معه من استفاد من هذا الظلم من مساعدي المدير وكبار موظفيه المستفيدين، لكن المدير الأمين والموظف الصالح سيصادقك ويصادق على ما تكتب، وغني عن القول إنك حين تطالب بحق المريض في تفرغ الطبيب لتقديم الرعاية الواجبة له والتي يتقاضى عنها راتبا وبدل تفرغ، فإن الطبيب، الذي أهمله وخرج من المستشفى الحكومي خلال الدوام ومخالفا للنظام ليكسب مزيدا من المال في مستشفيات تجارية، سيغضب منك حد الكراهية، لكن الطبيب الأمين المخلص لشرف المهنة الملتزم بالقسم العظيم سيحبك.

مثلما دافعت عن حقوق المستهلك وشاركت ضمن 34 آخرين في تأسيس جمعية حمايته، ومثلما طالبت بحقوق صغار موظفين أسوة بكبارهم وتحدثت عن سرقة إنجازاتهم وتجييرها لمديرهم ليأخذ المكافأة والثناء، قمت في الوقت نفسه بكشف ألاعيب أطباء حكوميين منحتهم الدولة -أعزها الله- الراتب الجزيل والبدلات العالية ومنها بدل التفرغ، ومع ذلك تركوا مرضى المستشفى الحكومي نهارا جهارا وأهملوا عملياتهم وأخروا مواعيدهم، بل وتخلفوا عن مواعيد لمرضى جاؤوا من قرى وهجر بعيدة، كل ذلك للخروج أثناء الدوام لمستشفى أهلي أو تجاري بحثا عن كسب إضافي غير مشروع بل ممنوع نظاما (الغريب أن المستشفى الأهلي يعوض من وزارة الصحة عندما يسعف مواطنا ويعالجه وفي الوقت نفسه لا يدفع للدولة ثمن استغلاله لطبيب حكومي مخالف، وقد سبق أن طالبت أن تكون غرامات مليونية رادعة).

لم أكن قط ضد الأطباء الشرفاء المخلصين الذين شرفوا الوطن، بل أكاد أن أكون أكثر من أشاد بهم بالأسماء ومنهم رواد في تخصصاتهم مثل (مع حفظ الألقاب) محمد السبيل في زراعة الكبد، ومحمد الفقيه ومؤيد الزيبق وزهير الهليس في القلب، ومحمد القطان في جراحة اليد، وعبدالعزيز القناص في جراحة القدم السكري، وعبدالله الربيعة ومحمد الوهيبي وسعود الجدعان وأحمد الفريان في فصل التوائم، وصالح العزام في جراحة العظام، وإبراهيم الجدعان وهشام الكريع وخالد الجبير في جراحة العيون، وسعود التركي في جراحة الأوعية الدموية الدقيقة، ومحمد العبداللطيف في جراحة الصدر وابتكاراته في عدة مجالات علاجية، ومشعل الجهني وحمدان الجحدلي في الباطنة، ومحمد الفيفي في الأطفال، ونوفل الجريان وسمير الحامد وخالد الجهني في طب الطوارئ، ولا بد أنه قد يغيب عني أو أنسى كثيرا من أطباء شرفاء شرفوا المهنة والوطن فأحببناهم وأحبونا وتشرفنا بهم.

لا يفاجئني أبدا أن يصرح طبيب أو طبيبة بأنه يكرهني، بل لا يشرفني أن يحبني طبيب أو طبيبة رضي على المريض بأن يعاني غياب الاستشاري الحكومي المنشغل في مستشفى خاص من أجل كسب غير مشروع، فالراضي كالفاعل، ولأحبتي غير المصدقين بأن ما يحدث هو فساد طبي معلن، أقول لهم ابحث عن بعض الاستشاريين الحكوميين صباحا وظهرا وعصرا في مستشفياتهم الحكومية ولن تجدهم، وستجدهم في مستشفى خاص، عندها لا تعتقد أنه تشابه أسماء أو استنساخ، بل هو تشابه ضمائر واستنساخ مخالفات لم تردع سابقا لكنها ستردع في عهد الحزم والعزم، ولن تنطلي حجتهم بأن ذلك ليستفيد منهم مريض الخاص فهم بذلك أضاعوا المريضَين فأهملوا مريض الحكومي واستعجلوا سلب مريض الخاص، والدليل أنهم يعملون في أكثر من مستشفى خاص (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) وهذا سبب شيوع الأخطاء الطبية القاتلة فأين الفائدة؟

إن المستفيد هو طبيب مخالف ومستشفى خاص أكلها باردة مبردة دون مقابل ولا نظام ولا تقنين.

نشر في صحيفة الرياض يوم  الأحد 23 ربيع الآخر 1443هـ 28 نوفمبر 2021م

هل (شفايف) بناتنا (منسمة) لننفخها؟

أعلم أنه شأن شخصي لا حق لي في الاعتراض عليه، لكن دورنا كنقاد اختصاصيين أن نسأل عن الظواهر وأسبابها ونوعي بالجوانب المحيطة بها، خصوصا إذا لاحظنا أن طرفا آخر يحث عليها ويغرر بها بحثا عن مصالح شخصية ومكاسب مالية، ومثلما نتساءل كاختصاصيين في الشأن الصحي عن أسباب انتشار بعض الممارسات غير الصحية سواء غذائية أو دوائية أو جراحية غير ضرورية وتترتب عليها مضاعفات خطيرة كالسمنة وفشل الأعضاء والتلوث، قد تؤدي للندم بقية العمر فإننا يجب أن نتساءل عن هذه الظاهرة. غني عن القول إن عدداً كبيراً من النساء ندمن على إجراء عمليات كن يعتقدن أنها للتجميل فأصبحت للتشويه أو نتج عنها مضاعفات استدعت تدخلاً جراحياً علاجياً أخطر، وبعضها أدى لضرر دائم لا يمكن علاجه، وغير بعيد عنا قصة العروس التي دخلت مركز تجميل لتكبير جزء من الجسم وانتهى بها الأمر لغرغرينا وتسمم في الدم ثم بتر الأطراف، وسبق أن تناولت قضيتها القنوات الفضائية وعرفت من أحد أطبائها ورئيس لجنة التحقيق معلومات محزنة عن الممارسة الخاطئة التي أدت لتلوث المنطقة ثم تسمم الدم.

انتشار ظاهرة نفخ الشفتين والخدين وتكبير بعض مناطق الجسم لدى النساء العربيات وتحديدا في مجتمعنا أمر يدعو للاستغراب، وهو بالمناسبة أمر لا يحدث في دول أوروبا وأمريكا بنفس الكثرة، رغم أن جمال المرأة العربية لا يعلى عليه وليس بحاجة لتدخل، وعلى وجه الخصوص المرأة في الجزيرة العربية ودول الخليج العربي تحديدا، حيث لم يتأثر النسل بصفات وراثية دخيلة ناتجة عن تزاوج بين عائلات غربية وعربية، فدول الخليج حافظت على ملامح عربية نقية اشتهر عنها الجمال الذي لا يحتاج لتجميل لا عن طريق العوامل

البيئية كالتعرض للشمس ولا عن طريق مشرط الجراح.

إذا فالسبب الرئيس، في ظني، (ويحتاج لدراسة اجتماعية واسعة غير موجودة لدينا للأسف) يكمن في التقليد الأعمى لمشهورات كن في حاجة لتجميل يصلح ما أفسده الدهر، وتغرير مارسته مراكز وأطباء التجميل عن طريق دعاية واسعة لم تجد من يردعها (في أمريكا ومعظم دول أوروبا يمنع على الطبيب الدعاية لنفسه أو الترويج لإجراء طبي لا في وسائل الإعلام التقليدي ولا الإعلام الحديث ووسائل التواصل) بينما لدينا تعج الوسيلتين بمن يروجون لأنفسهم طبيا وجراحيا حتى أصبح بعضهم يهاجم الآخر!! فكل يدعي أنه جراح تجميل ونفخ (شفايف)، حتى تمنيت أن محلات نفخ كفرات السيارات على الطرق السريعة بمثل عدد مراكز نفخ الشفاه.المشكلة، وهذا رأيي الشخصي كرجل، أن ذلك (التنفيخ) سواء للشفتين أو الخدين يشوه أكثر مما يجمل فهو للتشويه أكثر منه للتجميل وللخطورة أقرب منه للسلامة إضافة لكونه يغير طبيعة أنسجة المنطقة وحساسيتها وملمسها ووظائفها، ومع ذلك، انتشر كثيرا لدينا ويجب أن نكثف التوعية المضادة بخطورة هذه العمليات وتلك المواد عن طريق أطباء مخلصين أمناء (وهم كثر) بما يعادل أو يقترب من الحملة الشعواء للحث عليه، وأكثر ما يقلقني هو أن مرضى أورام الفم والمعدة ينتظرون مواعيد إزالتها لسنوات لأن بعض جراحي الأورام تحولوا لتجار نفخ (شفايف) وتكميم معدة!!، وعلينا دراسة هذه الظاهرة عن طريق اختصاصيين اجتماعيين، فهل (شفايف) بناتنا (منسمة) لننفخها؟! لا أظن ذلك فبناتنا الأجمل بطبيعتهن وطبعهن ملامح وأخلاقاً وحياءً.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 16 ربيع الآخر 1443هـ 21 نوفمبر 2021م