لصوص الحديد والكيابل لمن يبيعون؟

في الأسابيع الماضية كتبت مقالاً عن بقايا مواسير شبوك مقصوصة ونهايات رؤوسها متروكة في الصحراء تهدد إطارات السيارات، ومنها ما هو قرب حصاة القريف في بر مدينة جلاجل بمنطقة سدير، وبدا لي أنها بقايا إزالة شبوك تعديات، لكن ثمة افتراض آخر أنها بقايا مواسير مسروقة، ذكره لي الزميل والصديق الأستاذ عبدالسلام السلمان رائد تطوير قسم العلاج الطبيعي بمستشفى الحرس الوطني والناشط البيئي ورئيس لجنة البيئة بجلاجل والعضو المؤسس لجمعية سدير الخضراء وجمعية آفاق خضر، والذي أشكره لإيصال بلاغي لبلدية جلاجل ومتابعته للبلاغ والشكر موصول لرئيس بلدية جلاجل الأستاذ حمود بن عيد الدلبحي الذي تجاوب سريعاً وقامت آليات البلدية بإزالة بقايا المواسير واقتلاعها من الأرض تماماً ليزول خطرها على رواد تلك البرية وهم كثر.

وحسب الأستاذ عبدالسلام السلمان فإن كثيراً من اللوحات الإرشادية على الطرق الريفية بين القرى تتم سرقتها لبيعها كخردة، وبمتابعتي لموضوع هذا النوع من السرقات أفادني كثر بأن هناك حالات كثيرة لفقد كابلات نحاس وأسلاك كهربية لتشغيل رشاشات الري المحورية في المزارع ولوحات ألمنيوم إرشادية على الطرق البرية تم قص أعمدتها الحديدية وسرقتها وترك بقية المواسير تهدد إطارات أي مركبة تخرج من الطريق للوقوف لأداء الصلاة أو الاستراحة، بل تهدد صندوق الزيت والمعدات أسفل المركبة لارتفاع بقايا المواسير الحادة عن الأرض، كما أن بعض السياجات فوق عبارات السيل تم نزعها، فأصبح من يخرج عن الطريق مهدداً بانقلاب سيارته تحت العبارة، وسبق أن أعلنت الجهات الأمنية مشكورة عن القبض على عصابات تمتهن سرقة الكابلات وأغلبهم من العمالة المخالفة المتخلفة، وجهود الجهات الأمنية في متابعة هؤلاء اللصوص حثيثة والمراقبة بكاميرات المراقبة ترصدهم ويتم القبض عليهم، لكن الأمر المكمل الذي لا بد من تعاون الجميع لتحقيقه هو رصد من يستقبل بضاعتهم ويشتريها منهم دون تحقق من مصدرها.

حسب معلوماتي من بعض العمالة أن بيع الخردة سوق رائج ومصدر رزق لكثير منهم، ويعرفون أسعار الكيلوجرام لكل معدن، فالألمنيوم يبيعونه بثلاثة ريالات ونصف للكيلو، والحديد بريال للكيلو، ويشهد النحاس ارتفاعاً مطرداً في سعره، وهذا يدل على أن ثمة استثماراً في هذا المجال يجب سرعة تقنينه ومراقبته وتحديد قنوات خاصة لإعادة تدوير بقايا هذه المعادن لا يتم تخطيها، ومن تسول له نفسه التعاطي في هذه التجارة خارج حدود هذه القنوات أو قبول شراء (الخردة) مجهولة المصدر يتم تغريمه ومعاقبته كمساعد على جريمة السرقة، فبقايا الهدم والترميم واضحة والوسائل المسروقة المقتلعة واضحة، فالحلال بين والحرام بيّن وما تشابه فإن من يتعامل به مشبوه.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 23 شعبان 1447هـ – 11 فبراير 2026م

علامات الفاسد إداريًا والقضية 11

قلتها وأقولها دوما: “أغلب ما ننعم به في هذا العهد الزاهر مرده للجدية والحزم في مكافحة الفساد”.. فقد أعلنت نزاهة كعادتها عن جملة من صور الفساد التي اكتشفتها وأوقفت مرتكبيها ومن بينهم القضية رقم 11 لموظف بهيئة تطوير إحدى المناطق قام بتوظيف زوجته بإحدى الشركات المتعاقدة مع جهة عمله وحصولها على رواتب شهرية دون حضورها، وبالصدفة كنت قد ذكرت في مقالي السابق هذه الصورة كمثال للفساد الإداري، وهنا أؤكد لكم أن مرتكب مثل هذا الانحياز الإداري الفاسد يكون له علامات منها أنه يكون مجحفا في حق موظفيه المخلصين قاسيا عليهم في التقييم والترقية.

أغلب ما كنت أتلقاه من شكاوى إحباط صغار الموظفين المجتهدين كان بسبب ظلمهم في التقييم وعدم الحصول على ترقية وانتداب ومكافأة وبدلات وتعويضات مثل غيرهم، وكانت تلك الشكاوى تردني سواء من زملاء عمل في الدوائر التي عملت بها أو تصلني ككاتب حتى يومنا هذا، وكان العامل المشترك الأعظم لهذه القضايا المحبطة وجود تفرقة واضحة وبجيحة بين موظف مخلص مجتهد يؤدي عملا شاقا بكفاءة ولا يحصل على تقييم منصف ولا ترقيات، وموظف متقاعس خامل أو لا يحضر أصلا مثل زوجة المتهم في القضية رقم 11، ومنهم على شاكلته ويحصل على تقييم مرتفع وترقيات وبدلات.

أغلب من يشتكون هذا الانحياز الفاسد يذكرون أن التحيز ناجم عن مصلحة للمدير المتحيز إما لقرابة مباشرة (زوجة، ابن أو بنت أو صهر) أو صديق وصديقة، أو أن الموظف المدعوم يقدم خدمات خاصة للمدير الفاسد (توصيل أطفاله للمدارس، شراء مستلزمات البيت ومقاضيه، متابعة أسهم وعقارات ومراحل بناء وغيرها من الخدمات الخاصة)، وغالبا فإن من يرتكب هذا الشكل من الفساد يكون متعاليا متشددا في تعاملاته ويضع بينه وبين موظفيه حواجز تمنع الوصول إليه أسميتهم (الأنوف الشائكة) في أكثر من مقال ومهمتهم شم ما يدور حوله والحول دون مقابلته حتى لا تنكشف تعابير وجهه عند سؤاله: لماذا فلانة لا تداوم وتقييمها أعلى، أو تمنح مميزات أكبر وأعلى؟

هذا النوع من المديرين يكثر الحديث عنه في مجالس صغار الموظفين همسا لأنه يخيفهم، وهم يعلمون أن مصيرهم وظيفيا مرتبط بقرار منه، لذا قلت كثيرا إنه لا بد من فتح قنوات شكوى مستقلة وسرية يصل عبرها صوت أصغر موظف للمدير الأعلى، وأن على المدير الأعلى أن يعقد اجتماعات مغلقة مع صغار الموظفين وأخرى انفرادية مع من لديه شكوى، وأن يفتح أذنه وجواله وإيميله لتلقي الشكاوى والبلاغات من كل من سيحاسبه الله عن حقوقهم، ولو تم ذلك فإن الظلم الوظيفي سيقل وأكثر صور الفساد ستنكشف للمدير الأعلى وستقل الشكاوى لديوان المظالم والبلاغات لنزاهة وسيحمي المدير الأعلى نفسه من السؤال عمن “تتسلم دون أن تحضر”.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 16 شعبان 1447هـ – 4 فبراير 2026م

بين التزام اللاعب وتسيّب الطبيب

سبق أن قارنت بين عقلية لاعب كرة القدم وعقلية بعض الأطباء غير الملتزمين بالحضور لعياداتهم وعملياتهم والقيام بالتزاماتهم الوظيفية التي يتقاضون عنها رواتب وبدلات حكومية ضخمة، لكنني لم أتخيل أن تصل المقارنة لهذا الحد الذي تفوق فيه اللاعب على الطبيب في أمر الوعي بالوفاء بالعقود والالتزام بالعهود والإخلاص في أداء المهام المناطة التي يتقاضى عليها أجره.

قد أكون من أكثر من تناولوا موضوع عدم التزام بعض الأطباء الحكوميون بتواجدهم في المستشفيات الحكومية وخروجهم نهارا جهارا للعمل في مستشفيات خاصة في ممارسة غير مرخصة ولا نظامية على حساب وقت ومواعيد وعمليات مريض المستشفى الحكومي، ولا فخر لي في تناول تلك المخالفات كوني أعمل في نفس بيئة العمل الصحي وأشاهد معاناة المرضى عن كثب (المريض الذي لا يرى طبيبه لعدة أسابيع أو تؤجل عملياته لعدة أشهر أو لا يحصل على موعد لسنوات)، وكانت الظاهرة بدأت بالسماح للأطباء من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات بالعمل في مستشفيات القطاع الخاص خارج وقت الدوام الرسمي وفي جلسات محدودة لا تؤثر على قيامه بنصابه في المستشفى الجامعي، ثم بالغ بعضهم في استغلال هذا السماح حتى أصبحت ممرات المستشفيات الجامعية تكاد تخلو في أوقات الدوام من الاستشاريين إلا من قلة من الأوفياء الأمناء المخلصين الغيورين على المهنة المتألمين مما يحدث.

وما هي إلا أشهر وانتقلت عدوى الممارسة الخاطئة للمستشفيات الحكومية غير الجامعية فزادت الصورة تشويها للمهنة وأصبحت حديث المجتمع، وكنت ألقيت باللائمة على المستشفيات الخاصة التي تشغل هؤلاء الأطباء المخالفين وتشجعهم على المخالفة بل وتفسدهم بإغراءات غير نظامية على حساب مرضاهم في المستشفى الحكومي الذي تبناهم ودربهم وعلمهم وصرفت عليهم الدولة -أعزها الله- في الابتعاث والحصول على (البوردات) في مجال تخصصهم ومنحتهم رواتب وبدلات مجزية، ورجوت تلك المستشفيات الخاصة أن تدخل البيوت من أبوابها وإذا أرادت طبيبا حكوميا لشهرته أو مهارته أن تطلبه من جهته بالإعارة أو النقل لتتيح توظيف طبيب آخر يحتل مكانه في المستشفى الحكومي، لكنهم استمروا في سرقة كوادر ووقت المستشفى الحكومي.

ولأن الله يمهل ولا يهمل فقد شرب المستشفى الخاص من نفس الكأس فأصبح الطبيب يعمل في أكثر من مستشفى أهلي أو خاص (بعضهم يعمل في أربعة مستشفيات) لأن الجشع والطمع لا يعرفان حدا، وما يحدث الآن هو أن مرضى بعض المستشفيات الخاصة ينتظرون أياما عديدة لرؤية الاستشاري لمعرفة حالتهم أو متابعة إجراء طبي تم منذ أيام، بل الأخطر أن بعض المرضى ينتظر قرار خروجه ولا يحصل عليه لعدم حضور الطبيب، وفي ذلك تعطيل لحق المريض في الخروج وإضافة أعباء مالية عليه دون حق، وحتى لو كان لديه تأمين صحي فإن شركة التأمين تتضرر ويستفيد المستشفى الخاص ماليا دون أدنى حق.

مجمل القول أن عمل الأطباء (غير النظامي) في عدة مستشفيات أصبح ضرره شاملا ولا يقتصر على مريض المستشفى الحكومي فقط بل شمل مرضى المستشفيات الخاصة والمستشفيات الخاصة نفسها وشركات التأمين ومهنة الطب والأطباء الشرفاء الأمناء، لأن ما بني على باطل فهو باطل، ويجب التعامل معه بحزم شديد وغرامات رادعة للمخالفين ومن يشغلهم.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 9 شعبان 1447هـ 28 يناير 2026م

إزالة الشبوك لا تكفي

ضمن حزمة حزم وعزم سعت الدولة -أيدها الله- لمحاربة كافة أشكال الفساد، الفساد المالي والفساد الإداري ومن أهم أشكاله استغلال النفوذ والتفرقة بين الموظفين ومنح مزايا ورواتب عالية للنفس وللقريب والحبيب والتغطية على من لا تحضر أو انتدابها دون دور، أو من لا يحضر وانتدابه دون إنتاج حقيقي، وإسكانها هي أو هو في فندق سبع نجوم دون حق نظامي، وما إلى ذلك من ممارسات إدارية ومخالفات لا تحتاج إلا لمواطن صالح يبلغ عنها.

ولم يتوقف الحزم والعزم عند محاربة الفساد المالي والإداري بل شمل إزالة التعديات والشبوك لكائن من كان فأصبحنا مثالا عالميا رائعا لمكافحة الفساد يتمناه كل مواطن عربي أو حتى غربي في وطنه، وما أود لفت النظر إليه في هذا المقال هو أمر مهم ومكمل لإزالة الشبوك.

لاحظت أثناء تجولي في نواحي مدينة جلاجل في منطقة سدير وتحديدا بالقرب من معلم سياحي مهم هو حصاة القريف التي تقع شمال شرق مدينة جلاجل، لاحظت أن شبوكا أزيلت لكن جهة متابعة الإزالة فات عليها أن المواسير الحديدية الداعمة للشبوك تم قصها قصا وليس خلعها تماما من الأرض فبقيت بقاياها السفلية بارزة عن الأرض وبأطراف حديدية حادة جدا ومتقاربة تهدد إطارات أي سيارة تمر في المنطقة سواء نهارا أو ليلا لأنها صدئة وسوداء وتشكل مصيدة خطيرة وفخا قد يمزق الإطارات الأربعة دفعة واحدة بمجرد المرور عليها أو على بعضها، ونظرا لأن المنطقة مرغوبة وبها حصاة القريف وتحيط بها سهول معشبة ومراعٍ للماشية فإن عدد الضحايا سيكون كبيرا جدا وخسائرهم المادية ستكون بالغة، والأخطر من ذلك أن أي أسرة تتعرض لتلف إطارين ليلا في الشتاء القارس أو ظهرا في الصيف الحارق سوف تتضرر صحيا لدرجة فقدان الحياة قبل أن تصلها النجدة، وقد حدث هذا فعلا لأسرة مكونة من خمس نساء وطفلين ورجل وحيد، تمزق إطاران في سيارتهم بعد غروب الشمس فوقع رب الأسرة في حرج شديد ولولا فضل الله وفزعة شباب جلاجل الكرام لزادت المعاناة، وقد أبلغني رب الأسرة بما حدث له، فقال إنه لم يشاهد أطراف المواسير إطلاقا الا بعد سماع صوت انفجار الإطارات ونزل من السيارة، وقد وقفت بنفسي على المنطقة فوجدت أن مساحات شاسعة تمتد لأكثر من كيلو ونصف الكيلو تمت إزالة شبوكها دون خلع المواسير بل بقصها والإبقاء على حوالي عشرين سنتيمترا بارزة وحادة تهدد رواد المنطقة، وقد قمت بتصويرها وسوف أرفقها مع التغريدة بالمقال بعد نشره، وحقيقة فإنه بعد تحديث نقل المسؤوليات بين الجهات فإنني لا أدري على من تقع مسؤولية متابعة تفاصيل تنفيذ إزالة الشبوك، لكنني أرجو سرعة تلافي هذا الأمر سواء في سدير أو غيرها، وأن يتحمل أصحاب الشبوك غير النظامية خلع مواسير الحديد من (لغاليغها) وإزالة بقايا الشبوك ومخلفاتها الضارة بالبيئة.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 2 شعبان 1447هـ 21 يناير 2026م

لكيلا يضيع دم التأمين بين المتهربين

من حق هذا العصر الزاهر علينا أن نتعامل مع إنجازاته الجبارة وحزمه وعزمه بإيجابية أكبر، وجدية أكثر وتفان أعظم وإيثار للصالح العام على المصالح الشخصية دون تردد ولا خوف من تحمل المسؤولية، بل بمزيد من المبادرة والجرأة ورؤية ما يجب القيام به وتنفيذه.. ومن متطلبات هذا السلوك الوظيفي الحميد ألا نرمي بالمسؤوليات على بعضنا البعض، والتهرب من تحمل المسؤولية وتقاذفها بين الأفراد أو الجهات، فيضيع دم المهام بين الجهات وكل يرى أن مسؤوليته محدودة وتتوقف عند حد وهمي افتراضي يتحمله الآخر، فهذا الشعور لا يليق بالمرحلة ولا يتناسب مع الهمة العالية لتحقيق أهداف يجب أن نسعى لها جميعا بعيدا عن الاتكالية وتقاذف المسؤوليات.

خذ على سبيل المثال لا الحصر التأمين الطبي، هذا الهدف الوطني المهم مر في العقود الماضية بمراحل صعبة واجتهادات غير موفقة وربما غير جادة وغير مدروسة، فكل يغني علي ليلاه، كطبيب لا يملك فكرا إداريا ودون خبرة ولا دراية ولا تخصص إداري، فهذا يريده تأمين تجاري بحت وذاك يريد قصره على المقيم دون المواطن وآخر يريد أن ينسبه لنفسه ويريده بلسما ولم يستطع إليه سبيلا، وثالث يريد هدم ما بناه سابقه، حتى جاء عصر الحزم والعزم والعمل الإداري المتخصص والخطوات الجادة المدروسة والشاملة فخرجنا بتأمين طبي فاعل ومفعل ومطبق على أرض الواقع ويجري تطويره وتحديث وتحسين أنظمته بما يحقق أمنا صحيا للمواطن والمقيم وسرعة في الإجراءات وحماية للمريض من معاناة تزيد آلامه.

الكرة الآن في مرمى شركات التأمين بحيث تتنافس على الخدمة والاستثمار فيها بتقديم خدمات أفضل وأسرع للمشترك مواطنا ومقيما ومن أهمها: سرعة الاستجابة مع المستشفيات في الرد والموافقة على الحالات التي يسمح فيها النظام بانتظار الموافقة، والكرة أيضا في مرمى الهيئات لتشديد الرقابة على أمر رفض بعض طلبات الموافقة أو تأخيرها وأن يكون ذلك أحد أهم عناصر التقييم وإعادة الترخيص بالممارسة.

كما أن من المهم جدا على الشركات والهيئات التدقيق في أمر التنافسية التي تحترم أولا عقلية المتلقي وثانيا احترام المنافس وقبل هذا وذاك الحرص على صورة وسمعة الرعاية الصحية في الوطن.. وسبق أن أشرت في مقال سابق إلى إعلان تلفزيوني لإحدى شركات التأمين يصور انتظار الموافقات بطريقة جد مشوهة ولا تعكس الواقع المشرق للإجراءات التي تتم إلكترونيا وبطرق جد راقية ومتقدمة، شأنها في ذلك شأن كل الخدمات التي تقدم في وطننا الغالي بضغطة زر، فلا يحق لشركة أن تشوه هذا التقدم لمجرد أن تقول أنا الأفضل، وللأسف أنه وحسب ردود الفعل فإن كل يتبرأ من المسؤولية عن وقف هذه الممارسة، فهذا يقول أنا مسؤول عن صحة المعلومة المشار لها في الإعلان وإن كان المقصود موافقات معينة غير المحددة في النظام سلفا وأن طريقة عرض الإعلان غير مرضية لكنها مسؤولية المعلن ومن سمح له ببث المادة الإعلانية وآخر لا يرد ولا يتجاوب، وأنا أقول إن استمرار هذه المادة الإعلانية المسيئة لنا لا يليق ويشوه الصورة الجميلة لواقعنا، ومسؤوليتنا جميعا وقفها لكيلا يضيع دم التأمين بين الجهات والموظفين.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 11 رجب 1447هـ – 31 ديسمبر 2025 م

عقرب وضب.. وموقف مخيف وطريف

في مقال الأسبوع الماضي كتبت وبتوصية من مجموعة من المهتمين بشأن الوقاية من السموم توضيحا لبطلان ما يروج في وسائل التواصل عن طرق وخزعبلات تدعي علاج الملدوغ بالعقرب وشرحت أن العامل المشترك الأعظم المضلل لهؤلاء هو أن العقرب لم يحقن السم أصلا لانسداد إبرته في 20 ٪ من الحالات، كما أثبتت دراساتنا في مركز الأمصال، ثم عرجت على (سباحين) الجدة حبابة التي تدعي أن عقربا خان الضفدع ولدغه فقتله وقلت إن ذوات الدم البارد (مثل الضفدع) لا تتأثر بسم العقارب ووعدتكم أن أذكر موقفا طريفا محرجا مر بي في هذا الصدد.

ما حدث هو أنني ومنذ أيام الشباب وممازحة الضب بصب الماء في جحره (قبل حمايته) كنت ألاحظ أن جحر الضب لا يخلو أبدا من عقرب تخرج علينا فور صب الماء وكأنها تقول (الأستاذ ضب نايم، وما يبي إزعاج واليد اللي تمتد لكفيلي ألدغها)، وزادت عندي هذه الملاحظة عندما بدأت تأسيس المركز الوطني لإنتاج الأمصال بالحرس الوطني، وأصبحنا نخرج في رحلات برية نصطاد الصل الأسود لاستخراج سمه، وكنا نعلم أن الصل يتواجد دوما في جحر الضب في تعايش بيئي فيه الكثير من الأنانية والاعتداء وثقل الدم، فالصل يدخل جحر الضب فإن وجده صغيرا ابتلعه واحتل بيته، وإن وجده كبيرا حل ضيفا ثقيلا عليه دون دعوة ولا استئذان، والضب مثل بعض الطيبين من البشر (وسيع صدر ويتغافل ويقول نعتبره حماية من يد مقرود يمد يده ليتل العكرة) احترسوا فما خرجنا به من رحلات صيد الصل أن الصل دائما تجده في جحر الضب ولكن ليس كل جحر ضب فيه صل وإن لم يكن فيه صل فإن فيه عقربا.

ملاحظتي تلك (وجود العقرب مع الضب) جعلتني أتساءل، تساؤل الباحث منذ بداية أبحاثي على السموم لنيل الماجستير حتى قبل انتقالي للحرس وتأسيس المركز، هل العقرب تلدغ الضب ولا يتأثر بسمها؟ (هنا يجب أن ندرس خصائص دمه وجهازه المناعي وما العنصر المسؤول عن هذه المناعة؟) أم أنها لا تلدغه ولو لدغته لمات مثل غيره، عندها قررت دراسة الأمر أثناء الوقت الطويل الذي أمضيه لساعات تفوق 15 ساعة في مراقبة تأثير السموم ومن ثم الأمصال على رحم الفار أو أوعية الجرذان أو عضلة الساق الأمامية للقط أو قلب الأرنب أو أمعاء الوبر، وجميعها تحتاج مراقبة أجهزة الرصد لساعات، فقمت بوضع ضب متوسط الحجم مع عقرب في إناء زجاجي عميق وقمت بمراقبتهما ووجهي أمام الإناء لمدة ثلاثة أيام متتالية، فكان الضب هادئا والعقرب يدور حوله وفوقه ولم يلدغه، ثم قررت أن أستثير الضب ليتحرك فوضعت فوقه اضاءة قوية، فذوات الدم البارد تستثار بالضوء فلعله يلطمها أو يدوس عليها فتلدغه لكن ذلك لم يحدث لمدة ثلاثة أيام أخرى، وما حدث هو أن أستاذي في الماجستير البروفيسور محمد إسماعيل حامد دخل علي في المختبر واستغرب وجود تجربة الضب والعقرب، وكان رجلا حاضر النكتة وصارما في ذات الوقت، فشرحت له فكرتي وأعجبته لكنه انتبه لما لم أحسب حسابه فقال لي (انت حاطط بوزك ببوز الضب، تعرف لو الضب خبط العقرب بذيله حيطير العقرب في وجهك وحتتمدد جنب القط اللي أنت مخدره دا)، ضحكنا ثم قمت بتغطية الإناء بزجاجة واستمررت في المراقبة، لكن لم ألاحظ أن العقرب لدغ كفيله، فقمت بإذابة سم عقرب في محلول ملحي وحقنت ثلاثة أضعاف الجرعة التي تقتل الأرنب في عضلة رجل الضب فشاهدت أن الرجل تشنجت وامتدت لأقل من دقيقتين ثم عادت طبيعية وبقي الضب حيا حتى قررت إطلاقه بعد أسبوع.

وتعاطفا مع الضب الذي صبر كثيرا قررت إطلاقه في روض معشب، فخرجت من جامعة الملك سعود على طريق الملك فهد شمالا باتجاه سدير ثم لمحت على يميني أرضا معشبة مزهرة فتوقفت قرب الشبك وخشيت أن أطلقه فيعود خلفي للطريق السريع حيث الكفرات ليس منها مناعة فقمت بتوجيهه نحو العشب عبر ماسورة واسعة لتصريف السيل وبدأت بمداعبة عكرته ليتحرك وكان الوقت قرب غروب الشمس فإذا بيد ضخمة تداعب كتفي ثم رقبتي لألتفت مرعوبا (كنا نسمع أن الضب يتجنس أي أن الجن يتمثل في شكل ضب) نظرت خلفي فإذا برجلين طويلين عريضي المنكبين قال أحدهم (وش عندك؟!) قلت (أبي أدخل الضب في النفق) قال (وأنت بتدخل معنا في الدورية ما لقيت تطلق ضبك إلا في شبك قوات الأمن الخاصة؟!) شرحت له القصة وكأني بالضب يضحك ويقول (خل أبحاثك تنفعك) وتفهم رجلا الأمن الوضع وأمسكت بضبي وقد أصبح يستخف بي ويمون ولسان حاله يقول (سيب العكرة يا واد) فأطلقته في مزرعة والدي (السمرية) في جلاجل وكان، -رحمه الله-، رحيما لا يحب إيذاء أحد حتى الحيوانات.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 4 رجب 1447هـ -24 ديسمبر 2025م

العقرب المسكين بريء من دم الضفدع

حاولت جاهدا وسوف استمر في المحاولات بتسخير ما أجريته من بحوث علمية مكثفة على سموم الثعابين والعقارب لنشر التوعية وتصحيح ما يحاك حول علاج الملدوغ من آثار سموم العقارب والثعابين من معلومات مغلوطة واجتهادات خاطئة لها أسبابها التي شرحتها في حسابي على اليوتيوب أو في حوارات متلفزة أو عبر المقالات، ومن تلك المعلومات الاعتقاد بإمكانية إنقاذ الملدوغ بالعقرب بوضع كلوركس أو تمرة أو جمرة أو بنزين، وقلت مرارا أن من أسباب هذا الوهم أن العقرب أصلا لم يحقن السم لانسداد إبرته فحدث الوهم بشفاء المصاب من تسمم لم يحدث أصلا، ولو حدث فإن السم لن يخرجه من الأنسجة لا تمرة ولا جمرة ولا عجينة، وأكثر ما يقلقنا كمتخصصين أن تؤدي تلك الأوهام (الواتسابية) إلى حرمان مصاب من العلاج أو تأخير وصوله للمستشفى فلا يصل إلا بعد فوات الأوان.

في حالة عضات الثعابين فإن تلك الأوهام أقل انتشارا لأن الثعابين إما أن تكون سامة جدا سريعة الفتك فتكون حالات الوفيات أكثر من حالات السلامة (خاصة لمن لا يصل للمستشفى ويتلقى العلاج بالأمصال) أو أن الأفعى تكون سامة جدا لكن تأثيرها يبدأ موضعيا ثم يزداد فيعرف أن العلاج بتلك الطرق الوهمية فشل سابقا وتعلم الناس دروسا مستفادة تجعلهم لا يجازفون، أو أن الثعبان أصلا غير سام لكنه مخيف جدا وهيبته فرضت النقل للمستشفى وظن الناس أن التسمم عولج، وبهذا أصبحت عضات الثعابين والأفاعي ليست مجالا للمجازفة والاجتهادات والقصص الوهمية مثل لدغات العقارب.

مشكلتنا الأكبر مع العقارب التي جميعها سامة وبعضها أشد سمية من الآخر ومع ذلك مررت في محاضراتي بمواقف لأطباء يعتقدون أن العقرب غير سام بل واجهت في مباشرتي لحالات ضحايا لدغ العقرب في غرف الطوارئ بطبيب طوارئ لم يقتنع أن العقرب سام إلا بعد وفاة خمسيني حضر ملدوغا بعقرب في يده وأحضر العقرب معه وتوفي (رحمه الله) نتيجة الاستهانة بصرخاته.

أثبتت دراساتنا في المركز الوطني لإنتاج الأمصال المعادلة لسموم الثعابين والعقارب بوزارة الحرس الوطني أن 20٪ من العقارب السوداء تكون إبرتها مسدودة، وعندما نحاول استخراج السم منها بالتنبيه الكهربي فإننا نضطر لقص طرف الإبرة ليخرج السم، هذه الظاهرة هي السبب الرئيس في شيوع الاعتقاد أن تلك العلاجات الشعبية من تمر وجمر وخلافه أنقذت الملدوغ وأخرجت السم، بينما السم لم يدخل أصلا!!

ومن أعجب ما شاع مؤخرا في مواقع التواصل الاجتماعي ما قاله أحد المجتهدين من كبار السن أن حرق العقرب ثم طحنه ودهن طحينه على حلمة ثدي الأم المرضع يجعل الرضيع يكتسب مناعة ضد سم العقرب، وهذا طبعا غير صحيح مطلقا وقد يؤدي للتساهل في حماية الطفل الذي اعتقدوا أنه مطعم ضد العقارب، فالحقيقة أن علم المناعة ومضادات الأجسام بريء تماما من مثل هذه الآليات، وقد نأتي في مقال آخر على ما نعانيه لحث جسم الخيل على إنتاج مضادات أجسام للسم عن طريق الحقن تحت الجلد على مدى شهور طويلة، والمؤكد أنه حتى الملدوغ عدة مرات لا يكتسب مناعة ضد السم كما يزعم البعض.

أما أطرف ما سمعت فهو قول الجدة حبابة في (سباحينها) وقصصها للأطفال أن العقرب اتفق مع الضفدع لينقله على ظهره فوق الماء لليابسة ووعده ألا يلدغه فيغرقان معا، لكن العقرب غلبه طبعه فلدغ الضفدع ومات وغرقا معا، ولحبابه أقول رفقا بمعلومات أطفالنا فسم العقرب لا يؤثر في ذوات الدم البارد إطلاقا (الضفدع من ذوات الدم البارد مثل الضب)، ولي في ذلك تجربة علمية طبقتها لمعرفة لماذا يعيش الضب مع العقرب بسلام وحماية دون أن تلدغه بل هي تحمي (بوابته) من أن تمسها يد، وقد خرجت من التجربة الدقيقة بموقف محرج طريف أرويه لكم في المقال القادم لضيق المساحة.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 26 جمادى الآخرة 1447هـ 17 ديسمبر 2025م

رمز سري مختلف للخدمات الثانوية غير البنكية

عندما كثرت محاولات الاختراق للحسابات البنكية وسحب الأموال بطرق احتيالات متعددة تعتمد على طلب الرمز السري المرسل، وعندما كثرت التحذيرات الحكومية من صور تلك الاحتيالات، اقترحت عبر حسابي في منصة (X) تويتر سابقا، أن نفرض على الشركات الخدمية (الاتصالات وإيصال الشحنات والمتاجر وتوصيل الطلبات) استخدام رمز سري يختلف تماما في صيغته وعدد خاناته عن الرمز السري الأهم وهو الخاص بتطبيق أبشر والنفاذ الوطني والبنوك وتوكلنا، بحيث لا يكون هناك أي تشابه ولا أدنى فرصة للخلط والإيهام أن الرمز المطلوب هو لخدمة ثانوية بينما الحقيقة أنه لعملية بنكية أو حساب في منصة أبشر أو النفاذ الوطني أو توكلنا تمكن من الاختراق والاحتيال.

وبعد أن تعددت صور الاحتيالات وتعددت نصائح التحذير من إعطاء الرقم السري للمتصل الذي يوهمك أنه مندوب إيصال شحنة أو موظف اتصالات أو مندوب مبيعات، ومع استمرار وقوع ضحايا لهذه الاحتيالات بسبب طيبة البعض لاسيما كبار السن والكبيرات ممن لا يتوقع سوء النوايا أو لا يخطر بباله الربط بين إعطاء الرقم والخدمات الأساسية أو جهل البعض برسائل التحذير لمحدودية اطلاعه على وسائل التواصل والتحذيرات وقصص الاحتيالات فإنني لا أجد بُداً من تكرار الاقتراح على أساس مهم، وهو قطع دابر الارتباط بين الرقمين أو الرمزين أصلا بحيث يعلم العميل فورا أن صيغة الرمز المطلوب تخص عملية بنكية أو دخولا لأبشر أو للنفاذ أو توكلنا وليست من الصيغ الخاصة بخدمة ثانوية عابرة كتوصيل شحنة أو طعام أو شركة اتصالات أو قفل بلاغ أو شكوى، وهي الأعذار التي يتحجج بها المحتال للحصول على الرقم.

لنتفق مثلا على ألا تزيد رموز الخدمات الثانوية عن خانتين من الأرقام فقط وهذا كاف لمثل تلك الخدمات غير الخطيرة، فالرمز مطلوب فقط لإثبات استلام شحنة أو إتمام طلب أو قفل بلاغ فلا داع أن يكون الرمز أكثر من خانتين، وتبقى الأرقام ذات الأربع خانات للخدمات الأساسية كالدخول لحساب بنكي أو منصة أبشر والنفاذ وتوكلنا وهي أرقام لا يطلبها الموظف أصلا، وما إن يطلب المتصل رقما من أربع خانات يدق ناقوس الخطر لدى العميل ويقوم فورا بالإبلاغ، كما أن من الممكن أيضا أن تكون صيغة رمز الخدمات التي اسميتها (الثانوية) أو غير الأساسية عبارة عن حروف وليست أرقام فيكون التمييز أكثر وأبعد عن الشبهات، والمهم أن نقطع دابر الخلط بين ما هو أساسي خطير مهدد بـ(التهكير) وما هو ثانوي بسيط وأمره يسير.. والله أعلم وأحكم.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 19 جمادى الآخرة 1447هـ 10 ديسمبر2025م

الأنظمة لا تلغي حق الجار

حق الجار كما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة باقٍ، وله حقوق وحرمة استقيناها من تعاليم ديننا الحنيف، وإن أوضحت الأنظمة والقوانين حدود التعامل درءًا للاختلاف فإن علينا أن نحترم الأنظمة كمرجعية عند الاختلاف؛ لا أن نجعلها وسيلة لأذية الجار بطريقة تشيع الخلاف، ولن يفعل هذا إلا جار جائر..

تسن الأنظمة والتشريعات لتكون مرجعية لتحديد الحقوق والمسؤوليات عند الاختلافات، لكنها لم تكن قط داعيا لاختلاق الخلافات في التعاملات ولا تبيح تجاهل تعاليم الدين وأساسيات القيم والأخلاقيات في التعامل بين الأبناء والوالدين والأشقاء والإخوان والأقارب والجيران، ولا تنسينا فسحة الأنظمة والقوانين الالتزام بحقوق الجيران والوالدين والأشقاء وذوي القربى وكل من لهم حق علينا فرضته تعاليم ديننا الحنيف الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية.

أنظمة المرور (مثلا) تحدد نسبة المسؤولية عند حدوث حادث؛ لكنها لا تعني عدم الصفح والتنازل، وأنظمة فض المنازعات والخلافات، بل وحتى المشاجرات تحدد صاحب الحق لكنها تحث على الصلح وتشجع التنازل، وحتى في قضايا القتل فإن الله سبحانه وتعالى قد كتب علينا القصاص في القتلى وأتاح العفو، وجعل ثوابه عظيما، فما بال بعضنا اليوم يتشبث ببعض الأنظمة البلدية وأنظمة الوقوف فيؤذي جيرانه بالتبليغ عن هذا وسحب سيارة ذاك ومضايقة قريب أو جار بحق وبغير حق؟ فالأمر علينا غريب وطارئ لم نتربَّ عليه ولم نعتده من الآباء والأجداد، بل تربى مجتمعنا على إكرام الجار وكف الأذى والصفح عنه إذا أخطأ هو أو أحد أفراد أسرته، وعرف عن مجتمعنا عبر التاريخ أن للجار حقوقا وحرمة استقيناها من تعاليم ديننا الحنيف فنتقاسم معه الرزق إن شعرنا بقلة ذات يده، ونقتسم معه الرغيف إن لاحظنا على أبنائه جوعا، بل كم من بيت بات جائعا ليشبع جاره دون علمه، وإن سمح المجال فقد أورد موقفا واقعيا لجار تحمل خطأ من جاره في بناء ولم يشتكِ أو يتذمر أو يتجهم وجهه بل ابتسم أمامه عند كل صلاة.

نعم أوضحت الأنظمة حدود وقوف السيارات في الحي تسهيلا على السكان ومنعا للخلافات والنزاعات، ولكن ذلك لا يعني أن تترصد لجيرانك فتضع السلاسل على سيارة جار مضطر أو تعاقبه بالإحاطة بسيارته ومنعه من الخروج، فأنت بذلك تتعمد الأذى لا الإصلاح، وهنا لا ننسى أن الوقوف أمام باب الجار أذى لا يجوز لا قبل صدور النظام ولا بعده، لكن خطأ الجار (عند الكرام) لا يعالج بالأذى!، ونعم صدرت أنظمة تمنع نوعا من المظلات لكن أمر أولوية التنفيذ لدى الجهة الرقابية وليست من شيم الكرام أن تزعج الجهات بالتبليغ عن جارك!، وعندما تدفع حاوية القمامة لتصبح أمام جارك فأنت جار مؤذٍ أقشر، وعندما يضطر جارك لإجراء ترميم في منزله فإن أمر التأكد من حصوله على تصريح الترميم هو مسؤولية مراقب البلدية، وعندما تزعجه بالبلاغات فأنت جار مؤذٍ مزعج تعتقد أنك مواطن صالح.

عندما كنا نقطن حي جبرة بالرياض قبل أكثر من ستين سنة، كانت بيوتنا من طين لكن قلوبنا من قطن، وتذكر شقيقتي الكبرى أن جارنا أراد إضافة غرفة من طين وطبق ومرابيع وقام عماله بإدخال الخشب في الجدار الذي بيننا وبينه وربما بطريق الخطأ بالغوا في طرق الخشب فاخترق جدار ديوانية منزلنا وخرج علينا مطلا عبر رفوف جبس مشب الديوانية وسقطت الدلال وتكسرت الرفوف ومع ذلك لم يشتك والدي -رحمهم الله جميعا-، بل أصبح والدي يقابله في المسجد بابتسامة أعرض مما كان يفعل ولم يبلغ أحد من الجيران ونهانا عن أن نتحدث عن الأمر وأعاد ترميم أرفف الوجار بالجبس حول الخشب ولم يعلم جارنا عن الوضع إلا بعد بيع بيت جبرة وذكر العيب في شروط البيع.

هكذا كنا جميعا مع جيراننا وليس والدي فقط، وهكذا كانت تربيتنا في التعاطي مع الجار، وهكذا يجب أن نستمر، فحق الجار كما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة يبقى، وإن أوضحت الأنظمة والقوانين حدود التعامل درءًا للاختلاف فإن علينا أن نحترم الأنظمة كمرجعية عند الاختلاف لا أن نجعلها وسيلة لأذية الجار بطريقة تشيع الخلاف ولن يفعل هذا إلا جار جائر.

نشر بجريدة الرياض يوم  الأربعاء 12 جمادى الآخرة 1447هـ 3 ديسمبر 2025م

تشديد الرقابة على الإعلانات الطبية المسيئة

لا خير في إعلان يوهم أن ثمة مشكلة وهي غير موجودة، أو يضخم سلبية وهي جد صغيرة، ويشوه الصورة عن الوضع الصحي وهي في أجمل حللها، لا لشيء إلا ليوهم بأنه الأفضل، وأنه هو الحل لمشكلة يوهم الناس بوجودها وهي غير موجودة، أو أن وجودها نادر جدا وهو أحد أسبابها، والإعلان الطبي هو في الأساس حساس جدا يمس مشاعر المرضى فيجرحها أو يستغل حاجة المريض فيروج لطبيب أو دواء أو مستشفى أو شركة تأمين بطريقة وهمية، لذا فهو ممنوع نظاما ويجب تشديد الرقابة عليه، خاصة تلفزيونيا وفي مواقع التواصل التي هي الأكثر إيهاما وترويجا وإغراء.

الأمثلة على الترويج الطبي في هذا الزمان كثيرة جدا مع تعدد القنوات خاصة في وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت منفلتة عالميا ويديرها أشخاص وأصحاب مصالح شخصية وأنانية، إما لخدمة الطبيب نفسه أو لخدمة المستشفى أو الشركة بمقابل مالي، ومن حسن الحظ أن قنوات التواصل الاجتماعي لا تنعم بمزيد ثقة اجتماعيا، بل إن الثقة بها تقل كلما زاد الوعي المجتمعي، وكلما أثبتت أخبارها ودعاياتها أنها غير صحيحة ولا صادقة.

المشكلة تكمن في الإعلانات المتلفزة لقنوات فضائية تجارية خاصة في أوقات مشاهدة الأطفال وأوقات الذروة وبين مباريات كرة القدم أو الأنشطة الرياضية الأخرى، فالتلفاز ما زال يتمتع بثقة ومتابعة وإن كانت المصداقية تعتمد على المعلومة ووعي المتلقي إلا أن خطورة الإعلانات التلفزيونية لا يمكن تجاهلها فهي الأكثر انتشارا، وبالتالي تأثيرا سواء في الداخل أو الخارج، لذا فقد أسفت (كمواطن) أن تعلن إحدى شركات التأمين الطبي تلفزيونيا عن تميزها ببث مشاهد توحي بوجود فوضى (غير حقيقية) في شارع التأمين ولقطات لمرضى وهم يتزاحمون ويعانون بحثا عن موافقة وتصورهم بطريقة مضحكة (كوميدية) لا تليق ولا تتناسب مع حقيقة واقعنا في هذا العصر، وليست صورة صحيحة إطلاقا، بل ظالمة لواقعنا، حيث لو وجدت حالات قليلة أو نادرة لمشكلة مع موافقات بعض شركات التأمين (وهي منهم) فإن الأمر لا يصل للحد الذي يصوره الإعلان، وكان جديرا أن يحترم المعلن الوضع الصحي المتقدم والمتميز عالميا الذي نعيشه ولله الحمد، وأن يتعامل بوقار واحترام مع المرضى الذين صورهم وكأنهم فوضويون، وأن يحترم المعلن منافسيه في سوق التأمين، وقطاع التأمين عامة فلا يصوره بهذا الصورة المسيئة.

أعلم أننا نتمتع -ولله الحمد- بأنظمة وتشريعات تعنى بأمر الإعلانات، خاصة الصحية، وكل ما يؤثر سلبا على المستفيد مريضا أو مستهلكا، خاصة من إعلانات مشاهير التواصل الاجتماعي، لكن من المهم جدا تشديد الرقابة على محتوى الإعلان الطبي في جميع القنوات نظرا لحساسيته البالغة.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 5 جمادى الآخرة 1447هـ 26 نوفمبر 2025م