الشهر: يوليو 2007

الإخفاق الشخصي

التناقض مهما كان في شأن صغير أو كبير فهو يشير إلى خلل في الشخصية وعدم انسجام بين ما نشعر وما نفعل .
أبسط الأمثلة تراها في كل لحظة عند إشارة المرور الحمراء، دقق وستجد أن معظم العربات في الصف الأول تتقدم تدريجياً عن الإشارة حتى تتعدى مستوى القدرة على مشاهدة الإشارة لأنها أصبحت خلف السائق وهذا يوحي بأن السائق في عجلة من أمره، لكن الواقع أن الإشارة تتحول إلى خضراء وهو لم يتحرك ولن يتحرك إلا بمنبه ممن يقف خلفه فهو هنا تأخر ولم يتقدم، ويفترض للمستعجل فعلاً أن يقف في مكان يجعله أول من يشاهد تحول الإشارة إلى الخضراء .

ذلك السلوك بالإضافة إلى القيادة بسرعة كبيرة وتخط مخيف للعربات عبر كل مسار وبطرق متهورة، يدل على أننا قوم مستعجلون على الدوام وفي واقع أعمالنا نحن لا نكترث بالوقت .

التناقض الآخر تجده في حرصنا على السعودة وانتمائنا الوطني وتعاطفنا مع أبنائه، الكل دون استثناء يطالب بالسعودة في المجالات والأعمال التي لا تتعلق بممتلكاته ومنافعه لكنه في الواقع يحارب السعودة عندما يتعارض الأمر مع مصالحه وربحيته، ليس هذا فقط بل حتى مع راحته الشخصية ورغباته العابرة أي أن التضحية في هذا الصدد معدومة تماماً فليس أصحاب الشركات والمصالح التجارية هم فقط من يطالبون بالسعودة في وظائف أبنائهم الحكومية ويحاربونها في توظيف أبناء الناس في شركاتهم بل إنني علمت من كثرة ركوبي مع السائق السعودي في سيارات الأجرة أو “الليموزين” أن المواطن محارب بشكل كبير في هذا المصدر الزهيد للرزق فهم جميعاً يشتكون بأن المرأة السعودية ترفض الركوب إذا عرفت أن سائق “الليموزين” سعودي وتفضل الأجنبي حتى لو بقيت في الشمس تنتظر (ثمة علامة استفهام وتعجب)، بل إن مجموعة النساء والعائلات يمتنعن عن الركوب مع السعودي، ربما لأنه يعرف ما سيدور من حديث !! أفلا تستحق السعودة التضحية “بالسواليف” مسافة الطريق ؟!.

الأخطر من هذا شكوى متكررة سمعتها من سائقي الليموزين السعوديين في المطار ومفادها أن رجال المرور يطبقون على السعودي أقصى عقوبة وأدق ترصد للأخطاء، بينما يغضون الطرف عن الآسيوي وقد وعدت أكثر من أربعة منهم بحوار صحفي وأعطيتهم رقم جوالي للتواصل لكنني لم أجد صعوبة في قراءة الخوف في العيون (ليس عدم صدق بل خوف !!).

على أي حال فإن إعاقة تنفيذ كل خطوات وأنظمة ومبادرات الدولة في مجال سعودة الليموزين واضحة للعيان ولا تحتاج إلى تحقيق صحفي .التناقض الأعجب هو فيما يخص نظرة المسؤول للإعلام، فالإعلام في نظره مهم جداً ومرجع موثوق إذا مدحه في مقال تمجيد أو خبر لإنجاز شخصي ونفس الإعلام مجرد “كلام جرايد” إذا انتقده في مقال صريح أو خبر لإخفاق شخصي !!.

طلع أمك

تلك قضية خطيرة، مضنية رغم سهولة العلاج لو وجد في كل قطاع مسؤول صحي يحمل هم الناس بدلا من حمل همومه الخاصة.
يبلغ عدد المرضى المزمنين، الذين يحتاجون إلى عناية طبية وتمريضية متوسطة طويلة الأمد حوالي 620مريضاً سنويا في مدينة الرياض فقط ومثل هذا العدد في المدن الرئيسة وأقل منه بالتأكيد في مدن أخرى وقرى وهجر.

الرعاية الطبية المتوسطة للمرضى المزمنين جزء لا يتجزأ من الرعاية الصحية لا تقل أهمية عن الرعاية الأولية والرعاية المتقدمة، وإن كانت تختلف عنهما في أنها أسهل وأيسر وأقل تكلفة.

في القطاعات الخمسة التي تقدم خدمات صحية حكومية هناك بعض المديرين من الأطباء الذين ينقصهم التأهيل الإداري، والحنكة الإدارية، ويعانون من ارتفاع أنزيمات حب الذات في القلب، وانخفاض شديد في كريات الدم (البيضاء) التي تحمل هم المريض وأقاربه وهم الوطن أجمع، فما الذي حدث؟!.

أصبح كل من لديه مريض مزمن يعاني الأمرّين في إيجاد سرير في مستشفى حكومي، سواء كان المريض شابا ضحية لحادث أصابه بغيبوبة أو شيخ أصابته جلطة مفاجئة جعلته أسيرا لجهاز التنفس وأنبوب التغذية عن طريق الأنف، بل أصبح يطلب من أهالي المرضى المنومين إخراجهم على وجه السرعة وإحضار ممرضة للعناية بهم في المنزل، وإذا كان استقدام الممرضة سوف يستغرق أشهرا فلا بأس بخادمة تتلقى التدريب في المستشفى، المهم أن يخرج المريض فهم يعتبرون المريض المزمن خارج نطاق التغطية الطبية، فلا يهمهم إلا المرضى الذين هم في كامل وعيهم فيمدحون في المجالس ووسائل الإعلام، أما مريض الجلطات والغيبوبة فصامت والصامت لا حق له عند هؤلاء (إما أن تمدح في المجالس فترغب أو تنتقد في الإعلام فترهب!!).

قد لا تكفي هذه المساحة لتغطية جوانب هذه الإشكالية الوطنية الكبرى المتمثلة في رفض دخول المريض المزمن للمستشفى أو إخراجه منه رغم حاجته لرعاية طبية وتمريضية متخصصة، وعدم توفير مراكز رعاية طويلة الأمد، لكنني اختصرها بالأسئلة التالية التي اجزم أنها تنزف نزفا حارا ومؤلما من قلوب مئات الأقارب ممن قيل لهم (أخرج مريضك):

كيف يتجرأ مدير صحي محدود الصلاحيات ويمنح نفسه صلاحية حرمان شريحة كبيرة من المرضى من حق الرعاية الصحية التي كفلتها لهم الدولة بل ووردت في النظام الأساسي للحكم؟!.

أي عقلية إدارية تلك التي تريد من كل قريب لمريض أن يستقدم ممرضة فإن لم يجد فخادمة؟ وما أثر ذلك على المجتمع؟!، بل أين ادعاءاتهم بدعم مهنة التمريض وهم يغرسون مفهوم أن الخادمة بقليل من التدريب تغني عن الممرضة، وهل سيأتي يوم يطلب فيه من قريب المريض استقدام طبيب وإن لم يجد فسائق يدرب على الطب؟!.

الحب من أول بيعة

بالرغم من الاحتياجات المشتركة بين كافة المواطنين إلا أن ثمة احتياجات خاصة تحظى بقدر أكبر من الاهتمام لدى فئة من الناس أو طيف من الأطياف الشعبية بناء على اهتمامات تلك الفئة ومجال عملها أو مجال تجارتها أو النشاط الذي تركز عليه، فتجدهم أكثر اهتماما من غيرهم بالإصلاح في هذا المجال والجديد حوله والتطوير فيه وملامح مستقبله، وبالتالي فإن ترسيخ عرى العلاقة والحب يزداد عندما يتعلق الإصلاح بهذا الشأن الهام لهم أكثر من غيرهم.
التاجر والمستثمر ينجذبان أكثر لما يتعلق بثبات الاقتصاد وتوسيع مجالات الاستثمار وتشجيعه، والفقير (وهو الأكثر عاطفة والأكثر امتنانا والأقوى تعلقا وحبا) ينجذب أكثر لما يتعلق بتحسين مستوى المعيشة وتيسير العيش وزيادة الرواتب والدخل، والمزارع يستهويه أكثر من يركز على المشاريع الزراعية وتيسير قروض الزراعة وشراء المحاصيل وتسديد ديون المزارعين، والصحفي، مثل غيره ممن ذكرناهم يمتن لهذا كله، لكنه يتعلق حبا وشغفا بمن يمنحه الهامش الأكبر من الحرية ويرسخ مفهوم الحوار والشفافية، والمريض بمن يسعى لرعايته ووقايته، ولا يتسع المجال لذكر كل الأطياف والفئات.

حسنا، إن إعجاز عبد الله بن عبد العزيز (الإنسان) يكمن في قدرته الفائقة (وبتمكين وهداية وإرشاد من رب رحيم حكيم) على الاستحواذ على حب وإعجاب وامتنان جميع الفئات والاهتمامات والأطياف في الداخل والخارج في زمن قياسي مقداره بيعتان بمقياس الولاء، وعامان بمقياس الزمن، ووحدته في مقياس الحب هي (اللانهاية) (حب لا يقدر بقياس).

لكل قلب مجاله الكهرومغناطيسي الذي ينجذب لهذا وينفر من ذاك، ولكل قلب نبضه الحسي (غير نبض التدفق) والنبض الحسي له موجة خاصة وتردد فريد، أما قلب عبد الله بن عبد العزيز (الملك) فقد اتضح جليا في أول خطاب له بعد البيعة وهو يردد (أشعر بأن الحمل ثقيل وأن الأمانة عظيمة)، وهو يعاهد الله ثم يعاهد شعبه أن يتخذ القرآن دستورا والإسلام منهجا وأن يكون شغله الشاغل إحقاق الحق وإرساء العدل وخدمة المواطنين كافة بلا تفرقة، اتضح جليا أن قلبه إنما يخفق بحاجة كل الفئات واهتمامات كل المهتمين لأنهم جميعا مواطنون وهو نذر نفسه لمعايشة همومهم وحل مشاكلهم وتفريج كربهم فالله سبحانه وتعالى انعم على هذا البلد الأمين بأن جعل لولي أمر شعبه قلبا له مجال مغناطيسي ينجذب لكل رعيته، ونبضا حسيا له موجة موحدة شاملة نبضت بالحب للجميع من أول بيعة!

كشف النقصان

لعل أكثر ما عانت منه الوظائف الفنية لدينا من هندسة وطب وصيدلة هو استعجال الإدارة، وكان ذلك أكثر ما كان في سنوات الطفرة حيث أُخذ على كل موظف سعودي استعجاله الحصول على مكتب وكرسي إداري حتى لو كان تأهيله وتخصصه أهم من أن يهجر وتترك معلوماته تتبخر بسبب الرغبة في وظيفة إدارية مكتبية رتيبة .
بلغ الأمر ذروته عندما أصبح معظم أصحاب التخصصات المهنية والفنية التي تعتمد على تدرب اليد وخفتها يعملون جاهدين على التحول إلى وظيفة مكتبية .

حمى “المكتبية” تلك لم تدم طويلاً فما هي إلا سنوات وشحت الوظائف وأصبح العرض أكثر من الطلب وأدرك من لديه معدل ذكاء طبيعي أن البقاء للصنعة والمهنة ومهارة اليد واقتنع الشباب والشابات بالانخراط في الأعمال المهنية اليدوية والإبداع فيها، لكن القطاع الخاص لا يريد أن يقتنع ولا يزال يصر على أن الشاب السعودي لا يريد غير وظيفة مكتبية رغم وجود أمثلة مشرفة في الشركات الكبرى والمنشآت الحكومية وشبه الحكومية، لكن من لا يريد أن يقتنع من العبث أن تحاول إقناعه ويفترض أن يتم التعامل معه بطرق أخرى تجيدها وزارة العمل إذا أرادت!!.

حسناً، مشكلة الشباب مع رغبة العمل المكتبي انتهت دون رجعة، لكننا ابتلينا بما هو أخطر ومن موظفين يفترض أنهم أكثر نضجاً وعقلانية، أناس تحولوا من التخصص الفني إلى العمل الإداري، وحصلوا على مميزات لا يحلمون بها وقد لا يتخيلها زملاؤهم ومن هم أقدم منهم وأكثر حكمة وعقلانية .

نعموا بمميزات الوظيفة الإدارية وبدلاتها وحظوتها و”برستيجها” لكنهم لم يقدموا للوظيفة عملا يذكر ولا طيب ذكر ولا خيرا يؤجر بل على العكس ربما جنوا منها من الآثام والدعاء أكثر مما حصدوه من حطام الدنيا!!، وكل ذلك لأن طموحهم أصلاً كان خاطئاً.

فقد كان هدفهم استعجال الرئاسة دون أن يكونوا أهلاً لها، اعتقاداً منهم أن المنصب ليس له ثمن مع أن الأمانة لمن يحملها ولا يتحملها ثمنها في الآخرة باهض جداً وثمنها في الدنيا فقدان حب الناس والتعرض لمغبة ظلمهم وإهمال حقوقهم .

في هذا الصدد قال الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله في كتابه “هكذا علمتني الحياة”: لا تستعجل الرئاسة، فإنك إن كنت أهلاً لها قدمك زمانك، وإن كنت غير أهل لها كان من الخير لك أن لا ينكشف نقصانك..

إن كان صغار الموظفين جعلهم الزمان يعتبرون بأن البقاء لصنعة اليد فهل ينتظر كبار الموظفين درس الزمن ليعتبروا.

الضمان الصحي ومنتخبنا

إعلان توعوي تلفزيوني رائع ذلك الذي أعدته الكوادر الشابة في مجلس الضمان الصحي وبث ويبث حالياً خلال بعض القنوات الفضائية.
الفيديو كليب يصور باختصار كل ما يهيج الأعصاب من مواقف يومية تؤدي إلى “النرفزة” ثم يذكر الشخص بأن “صحتك أهم”.

أعجبني الأسلوب التوعوي كثيراً وأعجبني أكثر انه ركز على أن المدير في العمل هو أحد أهم أسباب حالات الإحباط ورفع الضغط وإثارة الأعصاب لدى الموظفين وبالتالي هدم صحتهم، فكان المقطع الأخير من لقطة الفيديو يوضح موظفاً بلغ به الهيجان أن رمى بالأوراق والمعاملات في الهواء وأصبح أشبه بمن أصابه مس من جان لتخرج العبارة التوعية “صحتك أهم”.

ويتضح أن مجلس الضمان الصحي سعى بحكمة إلى خيار الوقاية ووفق في هذا الاختيار الوقائي رغم أن المستفيدين من الوقاية إذا طبق التأمين هم شركات التأمين مالياً والمؤمن عليه صحياً بطبيعة الحال، والمجلس مصلحته السعادة بتحسن الوضع الصحي وهذا هدف نبيل أرجو أن يكون الأساس لكل مقترحات وتشريعات المجلس فيما يخص ما يشمله وما لا يشمله التأمين وتفاصيل شروط التأمين الصحي بما يخدم كل مواطن ومقيم سواءٌ في المدن أو الهجر، الصحيح والمريض المزمن، الحامل والعقيم، الشاب والشيخ الهرم، الفاتنة والعجوز المنهكة .

في المقابل ساءني جداً مقطع فيديو توعوي آخر، أجزم أن من اقترحه كان كئيباً جداً ولم يحالفه التوفيق .

المقطع يبث حالياً على القناة الرياضية بهدف التعبير عن حبنا لمنتخب كرة القدم ومساندته في بطولة آسيا، لكن المقطع يصور شاباً مريضاً توقف قلبه ودخل في غيبوبة.

ولم ينفع لإنعاش قلبه التنبيه الكهربائي بأجهزة الإنعاش لكن المريض تحرك قليلاً ونظر باكتئاب بعد أن سمع المعلق يصرخ بأن اللاعب قد سجل هدفاً حقق كأس آسيا.

الفيديو كئيب حتى في نهايته، وطبيعي جداً أن مريضاً في سريره أو في العناية المركزة لا يمكن أن يكون مشهداً يدخل البهجة، ناهيك عن عدم واقعية الدعاية مطلقاً فالأقرب أن يتوقف قلب مشجع بسبب إخفاق المنتخب مثلاً كما حدث في ثمانية ألمانيا، أما البهجة بفوز المنتخب فتدخل الضمائر والقلوب الحية وليس مكانها العناية المركزة .