عجيب أمرنا مع السجائر، ترتفع أسعار الأسماك المفيدة غذائيا 40 % وتسبح السجائر في بحر سعرها الرخيص مقارنة بكل أنحاء العالم الجاد في محاربة التدخين، يطير الدجاج الذي لم يكن ليطير بجناحين لولا استبدال كل ريشة منتوفة بريال غير مراقب، وتحط السجائر على أعشاشها المحمية من أي ارتفاع، وترتفع أسعار الشعير أضعافا مضاعفة ويركض خلفها خروف النعيمي (الأضحية المفضلة) ليبلغ سعرا غير مسبوق وتبقى السجائر على سعرها السابق حتى قلنا ليت النعيمي يقبل التبغ غذاء لفرغنا له السجائر من محتواها وجعلناه يحلي بـ «جراك معسل بالتفاح» لنضمن ثبات سعره سنوات عديدة!!، لكن الأمر يحتاج إلى فتوى.
حكايتنا مع حماية أسعار السجائر غريبة فمع أن مستهلك السجائر ليس له حماية مستهلك، لا فعلية ولا منشغلة بـ«الإقلاع عن الرئيس» إلا أن أسعارها تنعم بحماية دائمة فاعلة لا خلاف بين أعضائها والرئيس، بل تحظى باتحاد ووئام وصفاء نفوس رغم تلويث الدخان لكل النفوس!!، لقد مضت سنوات وسنوات دفعنا خلالها ثمن تدخين الشباب والشيب من بنك صحة المجتمع ومن ميزانية علاج النتائج أرواحا وبلايين من الريالات ولازلنا نراوح مكاننا في مجال المكافحة المبنية على رفع الأسعار ومنع الدعاية والتخويف من النتائج على نفس العلبة عدا عبارة قديمة غير مؤثرة، لا بارزة ولا مقروءة ، ولازلنا على حالنا وكأننا والسجائر من حولنا قوم جلوس حولهم سجائر!!.
مررت بدول كثيرة بعضها متقدم وبعضها خلفنا بمراحل وفي كل أشاهد علب السجائر تحمل صورا مخيفة لنتائج التدخين وأثاره المميتة على الرئة والقلب والشرايين والحنجرة واللثة، صور حية لسرطان الرئة وتلف صمامات القلب وسرطان الحنجرة والفم، صور فرضتها تلك الدول الأكثر تقدما والأكثر تخلفا على شركات إنتاج السجائر ولم نفرضها نحن حتى الآن!! لماذا؟! هل نحن أكثر قسوة على المدخن من السجائر؟! أم أننا أكثر شفقة على شركات التبغ من كل دول العالم؟!.
الكاتب: محمد الأحيدب
خطوطنا والرجل الواحد
تطورات الأحداث في الخطوط الجوية العربية السعودية لا تبشر بخير مطلقا، كما أنها أحداث سلبية متكررة تشير إلى انحدار غير مسبوق في مستوى ناقلنا الوطني لا يرضاه أحد ولا يقبل به قلب يحمل لهذا الوطن وما يمثله ذرة حب وغيرة على سمعته، فالخطوط السعودية صورة (ايميج) تعكس وطنا وبلدا وأخلاق شعب، لا مجرد ناقل وحسب. فالقادم للعمرة أو الحج على الناقل السعودي إنما ينظر إلى المملكة عبر أول صورة ذهنية يطبعها في مخيلته هذا الناقل الممثل لنا جميعا، بل إن حديث العهد بالإسلام أو من يرى الإسلام ممثلا بهذا البلد الأمين يحسب تصرفات الخطوط السعودية على حساب صورة الإسلام والمسلمين. ولا أذيع سرا عندما أقول إن ركاب رحلة الخطوط السعودية رقم 820 إلى جاكرتا التي كتبت عنها سابقا وعرضت أهوالها ومهازلها على اليوتيوب كان معظمهم من المعتمرين وكان بعضهم يتمتم بعبارات أنقلها كما جاءت: (يا الله كيف مسلم سوي كذا) و(حرام كل واحد هنا فيه أولاد ينتظرونه، كيف طياره خربان خلي طير أربع مرات وممكن طيح، ما فيه خوف من الله!).. أقصد أن تجاوزات إدارة الخطوط السعودية لا تسيء إلى رجل واحد بل إلى وطن بأكمله.
لم يجمع الناس إجماعا قط مثلما أجمعوا على تدهور أحوال الخطوط السعودية وتعنت إدارتها وعدم اكتراثها بما يحدث، فأعضاء مجلس الشورى وعبر بحث دقيق ومتأن قالوا عن الخطوط إنها رجل مريض أو تعاني من أمراض عدة. وفي إشارة ذكية وواقعية نبه الكاتب علي الشدي إلى أن الخطوط السعودية مريض يرفض تناول الدواء، وأذكر أنني علقت على ذلك في زاوية الخميس (قالوا وقلنا) بأننا في الممارسة الصيدلانية عندما يرفض مريض الدواء نعطيه إياه في شكل (تحميلة) ولم أكن أمزح، ولكن تعبيرا عن أهمية وصول العلاج بأية طريقة، فماذا ننتظر؟
إن أحدث تصرف أرعن لإدارة الخطوط السعودية هو مقابلة الشفافية والنقد الموضوعي الذي تمارسه «عكاظ» بمنع توزيعها على طائراتها، وهي بالمناسبة الصحيفة الوحيدة التي تحرص على نشر الرأي والرأي الآخر في العدد ذاته، وأكثر صحيفة استضافت مسؤولي الخطوط وعلاقاتها العامة علهم يوضحون وجهة نظرهم، وليس ذنبها أنهم غير مقنعين، ومنع توزيع «عكاظ» يدل في نظري على أن المرض تطور إلى مرض نفسي!
الحل الإندونيسي وجلدنا لذاتنا
جميل ذلك الحوار الذي أجراه الزميل حمدان الحربي مع رئيس الهيئة الوطنية لتوظيف وحماية حقوق العمالة الإندونيسية السيد محمد جمهور هداية ونشرته «عكاظ» أمس (السبت) فقد كشف عن حلول جيدة لجأت إليها إندونيسيا للخروج من أزمة مشاكل العاملات المنزليات مع بعض الكفلاء السعوديين وفي نفس الوقت ضمان حق الكفيل السعودي الذي كان ضائعا بسبب الهروب ورفض العمل، وحزمة الإجراءات التي ذكرها السيد محمد جمهور جميلة ومثالية وإن كان بعضها صعب التحقيق مثل الفحص النفسي للعاملة قبل تصديرها، فمثل هذا الفحص ليس بالسهولة بمكان لأنه يجرى خارج بيئة العمل وقبل معرفتها بما سوف تواجهه في الخارج من ظروف ثم لأن الفحص العضوي المخبري أصلا يعاني من التزييف ولا يمكن المراهنة عليه فما بالك بالفحص النفسي!، وعلى وجه العموم فإن الإجراءات التي بشر بها جيدة وتدل على أننا عندما نواجه تعنت بعض الأطراف الدولية التي نتعامل معها بحزم فإنها تجبر على إيجاد الحلول وترضخ للحل المرضي للطرفين مثل حل التأمين بريال عن كل يوم عمل المضمون بالتقاضي لحصول الكفيل على حقه عند الهروب، والعاملة على حقها عند عدم دفع الرواتب.
السؤال المحير هنا هو لماذا ننتظر الحلول من الآخرين (الأطراف التي تحدث بيننا وبينها مشاكل)؟! بمعنى لماذا لانؤسس نحن أصلا لدرء حدوث المشاكل باستباق الحلول؟! والسؤال الأهم لماذا لايعمم الحل الإندونيسي مع بقية الدول التي نستقدم منها العمالة؟!، كل العمالة، وليس عاملات منزليات فقط، فهذا الموضوع (هظم الحقوق من الطرفين) موضوع مؤرق لنا وتسبب في إساءة ظالمة لسمعتنا، ومزمن لعدة عقود، ولم نحاول جديا حله!! وانتظرنا حلا مصنوعا في إندونيسيا رغم سهولته وسلاسته!!.
الأمر الآخر الهام جدا هو ما ورد في الحوار من نفي رئيس الهيئة نيته إيقاف تصدير العمالة للمملكة وأن المقصود دول أخرى منها جارتهم ماليزيا وجارتنا الكويت، بينما تصور بعض صحفنا أننا نحن من يسيء للعمالة المنزلية، وأننا المعنيون بكل منع ونحن من هذا وذلك براء وأفضل حالا من غيرنا لكننا نجيد جلد الذات.
المسؤول المختال الفخور
مجتمعنا يلقي بالتهم على الموظف الشاب بعدم تحمل المسؤولية، وهذه التهم تلقى جزافا ودون إثباتات أحيانا، ويكون لها ما يبررها أحيانا أخرى، لكن الجزء المبرر منها لا يقتصر على الموظف الصغير شابا أو كهلا، فواقع مشاكلنا المستديمة يشير إلى أن المسؤولية تعاني من الهجران في مناصب كبيرة ووظائف عليا لايقوم عليها شباب، بل من هم أكبر سنا وتجربة وأحرى بتحمل المسؤولية والالتصاق بالمسؤوليات الفعلية للمنصب ومتابعة المهام المنوطة مباشرة وعدم الأخذ من المنصب بالمميزات و(البرستيج) والتطلع إلى وظيفة أعلى أو تجديد دون منح المنصب حقه من القيام بالأمانة وتحمل المسؤولية والإخلاص من أجل الوظيفة الحالية والفترة الحاضرة و(تحليل) الراتب والمميزات ومباشرة المسؤوليات.
البعض يتلقى التهاني بالتعيين وكأنه تشريف لا تكليف، ويرى فيه مجرد مرحلة وصل إليها وينظر إلى ماهو أعلى منها، تماما وكأنها مرحلة تحصيل دراسي أو كسب شخصي يطمح إلى الأعلى أو الاستمرار دون عطاء يذكر!!، أنا لا أعترض على الطموح ولكن بعد تحقيق طموح الوطن أولا، ولا أعترض على حب الاستمرار ولكن بما يبرر الاستمرار من العطاء للوطن!!، لا أن يكون المنصب مجرد حفل تخرج يرتدي فيه المسؤول مشلحا أنيقا ويبدأ في حضور المناسبات مختالا فخورا ومسؤولياته تئن من القصور لايمثل بالنسبة لها إلا رمزا يصدر الوعود والتصريحات ويتملص من النقد ويتلو الحجج والمبررات ويتحجج بالصعوبات وكأن البحث عن حلها ليست مسؤوليته!!.
المشكلة ليست في جيل الشباب الصغير في مسؤولياته فقط، بل هي في مفهوم عصر حاضر لم يكن معتادا فقد مررنا برموز ترى في المسؤولية مهمة يجب إنجازها دون تردد أو تحجج بصعوبات ويقال إذا استشهدت فاستشهد بمن رحل لأن من هو حي يخشى عليه من التغير أو الغرور وأظن أن غازي القصيبي رحمة الله عليه ماتولى مهمة إلا قتل صعوباتها حتى قتله العمل!!، فأين نحن من ذلك الجيل.
المسؤولية تقتضي عدم الاعتماد الكلي على وكيل أو مدير وعدم قبول شهادتهم في أنفسهم إنما شهادة الإنجاز لهم وتطبيق تقييم رضى المنصب عنهم لا رضاهم هم عن أنفسهم، وعدم النوم حتى قرب تجديد أو تشكيل ثم إخراج منجزات قديمة ودعوة الإعلاميين في أغلى قاعة وتقديم أغلى طعام فالوطن أحق بأن يطعم من كل فترة المنصب لا من عسيلتها بما يضمن التجديد.
قالوا وقلنا
** قالوا عدد من الموظفين يطالبون ديوان المظالم (بالحزم) مع الجهات الحكومية التي تمارس المماطلة وعدم الحضور والتسويف.
* قلنا: بس (الحزم) هابط.
**
** قالوا إن سعر السمك ارتفع 40 % بسبب موسم السياحة وحرارة الصيف.
* قلنا: (السمك ما له أعلاف يتعذرون بها علفوه بالسياحة والصيف وكأن السياحة ارتفعت عندنا ولو 5 % أو أن الصيف جديد).
**
** قالوا: إزالة جزء من جسر في الطائف وتركه مفتوحا يشكل خطرا كبيرا.
* قلنا: (ينتظرون أحد يسقط منه ويموت حتى يقولون أزلنا بقية الجسر إلي يموت).
**
** قالوا: صاحبات (البسطات) يطالبن بأماكن مخصصة لهن ليمارسن البيع وكسب الرزق في أماكن مهيأة.
* قلنا: (خلوكم أذكياء ودخلوها ضمن مشروع تأنيث بيع الملابس النسائية الداخلية وأبشروا إن الأماكن كلها مشتاقة لكم).
**
** قالوا: وزارة الصحة تطلق برنامجا ينهي علاج المواطنين في الخارج.
* قلنا: (بس علاجهم في الداخل ما بعد انتهى).
**
** قال المغني (شعبولا) إن محمد البرادعي أرسل لي الورود والشوكلاتة خلال فترة مرضي الأخير لكنني لن أرشحه للرئاسة لأنني أخذت منه موقفا منذ الحرب على العراق.
* قلنا: سيأخذ منك موقفا ويعتبر سلاسلك ترسانة نووية ويجيك صاروخ أمريكي يخليك تقول هييييييه من قلب.
**
** قالوا: ثعبان ضخم طوله أكثر من مترين يهاجم مستشفى الملك خالد بحائل، ومسؤول المستشفى يقول إن الثعبان دخل فجأة.
* قلنا: (هذي الزيارات المفاجئة ولا بلاش).
** قالوا: التربية والصحة تواجهان إشاعة القمل بين طالبات بيشة بحملات توعية مكثفة.
* قلنا: التوعية للقمل ولا للطالبات؟!
**
** قالوا: مستثمر سعودي يؤسس شركة طيران للنقل السياحي في الأردن!!.
* قلنا: مايدري أن رحلات أبها محجوزة بالكامل لثلاثة مواسم سياحية قادمة.
البكاء وجه عربي
أتساءل كلما ابتليت بتدوير قنوات الأخبار العربية والأجنبية، لماذا تعرف أن الخبر وارد من بلد عربي من مجرد صور البكاء والصراخ والألم؟!، حتى لو لم تستخدم الصوت فإن مجرد وجه باكٍ حزين تسيل من وجنتيه الدموع وتسيل ممن حوله الدماء أو ترفع الجثث فإنك تتعرف على بلد عربي مسلم.
البكاء العربي كان في الغالب نتاج عدوان صهيوني إسرائيلي بقصف مخيم لاجئين أو قرية أو مدينة أو قطاع أو سيارة ناشط مقاوم أو قتل طفل بريء في حضن والده مثل محمد الدرة، وكان ذلك البكاء يؤثر في الناس أجمع على مستويات متفاوتة؛ فمنهم مسلم وعربي أصيل يبكي حرقة ويسهر الليالي ألما، ومنهم من يبكي ويغير القناة، ومنهم من يتباكى ويرفع أصوات التهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور للمعتدي.
بكاء العرب اليوم بكاء مصنوع محليا ويا لفرحة العرب فقد صنعوا شيئا محليا مبكيا على أيدي القادة أنفسهم الذين كانوا لا يجيدون غير لغة الشجب والاستنكار والوعيد دون تحرك أو تنفيذ، فقد أصبحوا الآن (قول وفعل) ولكن على شعوبهم التي صبرت على جبنهم!، وكأن هذه الشعوب كتب عليها البكاء بسبب أو بدون سبب مستوردا أو محليا!، وكتب على الوجه العربي المسلم أن يكون باكيا حزينا مكلوما فتعددت الأسباب والبكاء العربي واحد.
اتضح الآن أن جبروت وطغيان إسرائيل كان مستمدا من عدم عطف القادة على الشعوب وأن اسرائيل كانت وما زالت تدرك أنها إنما تضرب شعوبا غير محمية بقيادة بل القيادة هي التي اتخذت الشعوب درعا بشريا لحماية استمرارها في السلطة بأي ثمن حتى عندما أصبح الثمن هو الشعب والوطن بكل مقتنياته وأهله وناسه وتاريخه وجغرافيته واستقلاله وكرامته، فقد أصبح رجل واحد يساوي كل هذه القيم الثمينة، بل هو لم يصبح وحسب بل كان وأصبح وسيكون؛ فقد أثبتت أوضاع ليبيا واليمن أن ثمن كرسي الرئاسة العربي هو الأرض والعرض والدم والناس أجمعين، وآن للتوانسة والمصريين أن يشكروا زين العابدين وحسني مبارك فقد رحلا بثمن بخس أرواحا معدودة! مقارنة بغيرهم طبعا وإلا فإن كل روح ذهبت لها ثمنها الذي يجب أن يدفع.
بل يقاضي وزارة الصحة
أحيانا تشعر أن الفرد حتى لو كان واعيا بحقه وبما يجب فعله يتأثر بذات الخطأ الشائع الذي يشتكي منه، وكأن أخطاء الجهات الحكومية أصبحت معدية.
تمعن في الخبر الهام الذي نشرته «عكاظ» أمس الاثنين بعنوان شاب يعتزم مقاضاة قاتل طفل تبوك: طعنني وعاد وارتكب جريمته البشعة، فهذه الحالة ــ ولا أقول الجريمة لأنها نتاج ترك مريض نفسي خطير يحتك بالناس، هي جريمة في عرف المسؤولية لكنها حالة بالنسبة للمعتدي ــ هذه الحالة تشرح بوضوح ما كنا نحذر منه على مدى سنوات دون أن نسمع لأنه لا حياة لمن ننادي عندما نادينا عبر هذه الصحيفة وعبر برنامج 99 طيب الذكر وعبر قناة الإخبارية وعبر كل وسيلة إعلامية ممكنة بأن المرضى النفسيين المتروكين دون إيواء ولا رعاية يشكلون خطرا على أنفسهم وأهليهم والناس أجمعين، ودأبت على تسمية الصحة النفسية في مقالاتي وحواراتي المتلفزة بـ (نصف الصحة المهمل)، لأن المرض لا يخرج عن نصفين عضوي ونفسي، والأول رعايته متفاوتة وبالبركة، والثاني لا رعاية له مطلقا ومهمل تماما مقارنة بما يجب وفق أضعف المقاييس العالمية.
نعود للشاب محمد العنزي الذي طعن بسكين ذات المريض النفسي قبل قتله للطفل رائد الكعبي بنحو ثمانية أشهر لو تم خلالها التعامل مع المريض النفسي بأضعف المقاييس والمتطلبات العالمية لما قتل رائد، لكن العنزي يدرك أن الخطأ كان من عدم التفاعل مع الإنذار وقيام مستشفى الصحة النفسية (إن صحت التسمية) بإطلاق المريض دون إيواء ودون استقرار لحالته وكأن طعنه للشاب العنزي كان مجرد (مزحة عابرة لكل طبقات الجلد والعضل حتى بلغت العظم)، ومحمد العنزي عندما ظهر ثانية ليرفع قضيته مستشهدا بما آل إليه إهمال المريض النفسي الخطير يدرك أن خصمه ليس هذا المعتل النفسي بل من جعله طليقا دون رعاية ولا علاج ومع ذلك كان يتحدث وحسب العنوان عن مقاضاة قاتل رائد الكعبي، في حين عليه أن يقاضي المستشفى الذي أهمله ونظام الرعاية النفسية القاصر، كان عليه أن يقاضي وزارة الصحة لعلنا نسلم من آلاف المرضى النفسيين الذين لا يجدون الرعاية ونحد من حالات القتل والاعتداءات والانتحار، لكن العنزي رغم وعيه وإدراكه تأثر بمحيطه فنسي خصمه الحقيقي الطليق.
قضايا معلقة
من العيوب الكبيرة في معالجتنا الإعلامية لقضايا المجتمع المهمة أن الإعلام ــــ وخاصة الصحافة المكتوبة ــ يتبنى قضايا إنسانية خطيرة، ثم ما يلبث أن يتركها دون متابعة أو تقص. وهذا العيب، ترتاح له الجهات المقصرة أيما ارتياح؛ فهي تلتزم الصمت حيال أي قصور يطرح، جازمة أن الأمر مآله للنسيان، فلا متابعة من جهات رقابية لما نشر، ولا الصحف سوف تعيد طرق الموضوع بحثا عن تطوراته، والأسوأ من هذا وذاك عندما ترسل الجهة تعقيبا يلتف على لب الموضوع ويتناول قشوره بعد تقديم الشكر للصحيفة على اهتمامها، ويختتم التعقيب بتأكيد بأن «كل شي تمام»، وللأسف فإن هذا التعقيب يفترض أن الموضوع قد أجيب عليه وأقفل، ليس لدى الجهة فقط بل حتى الوسيلة الإعلامية، وهذا جد خطير؛ لأنه يعني أن قضايا الناس مهما بلغت خطورتها وتعددت أطرافها وأبعادها تقفل بمجرد تعقيب، مع أن الصحف هي القناة الوحيدة الفاعلة والسريعة حاليا، لكن نفسها قصير والمسؤول يدرك ذلك.
النهج الوحيد الذي يجب أن نقابل به هذا العيب الواضح هو أن يستمر الصحافي الذي تبنى القضية بنقل تطوراتها، ومتابعة أحوال شخوصها، ومعرفة مدى تجاوب الجهة على أرض الواقع، والتواصل مع القضية حتى تصل إلى نهاية مقنعة تعالج الوضع برمته، وخلاف ذلك فإن الصحافي والصحيفة يجب ألا يستجيبا للتخدير ولا عبارات الوعود المنمقة والتحرك الوقتي لامتصاص حماس كل الأطراف.
ثمة قضايا كثيرة أثيرت وتحولت إلى مجرد زوبعة في فنجان، بل حتى الفنجان قلبته الجهة لتخفي كل شيء. أين وصلت قضية الضحية رئيس قسم الأسنان الجهني الذي قتل بخطأ طبي فادح في مستشفى خاص، وقضيته شائكة تشتمل على عدة مخالفات في تزييف كفاءات وممارسات صحية غير مرخصة وإهمال واضح؟!، ماذا تم في قضية المعوق الذي عذب بالضرب داخل دار التأهيل، وأثار تعاطف الكتاب والصحف، وأثير حول قضيته الكثير من الحجج والأقاويل؟!، ما مصير الطفلة التي لم يجد والدها سريرا تتلقى فيه العلاج من متلازمة أمراض عضال؟!، ما تفاصيل حالة المعوق الذهني (عمره الزمني 18عاما وعمره العقلي 7 أعوام) الذي تعرض للاغتصاب عدة مرات على يد عامل في معهد التربية الفكرية داوم الاعتداء عليه جنسيا لعدة أشهر؟!.
أنا لا أسأل عن تعقيبات الوعود والتخدير، إنما يهمني المسار الفعلي للقضية، وهل حصل المشتكي على حقه، والمقصر نال جزاءه، وتكرار القضية أصبح مستبعدا أم أن الوضع على حاله؟!.
التبرير ضرب من التغرير
التبرير نهج مستحدث لا أدري من أين ابتلينا به لكنه بالتأكيد تقليد أقل ما يقال عنه أنه ليس حكيما ولا منطقيا، لأنه وبكل بساطة يؤدي إلى إيجاد العذر للمقصر وبالتالي مزيد من تخاذله ولا يخدم المؤسسة ولا الوطن، لكن جهات كثيرة وجدت فيه مخرجا إعلاميا ونهجا سهلا لتغطية العيوب، وزارة الصحة بدأت المسلسل بتبرير للأخطاء الطبية بندوة إعلامية، وبرر الطب الوقائي لارتفاع حالات الدرن بأن ارتفاع الحالات إلى 4334 حالة في عام 2010م ناجم عن القدرة على اكتشاف الحالات مع أن اختبار الدرن إجراء سهل جدا وسريع منذ 40 سنة، ووزارة الزراعة تبرر لغلاء الخراف النعيمية والدجاج بارتفاع أسعار الأعلاف وكأن بقية أنواع الخراف والطيور تتغذى على الهواء أو التراب، ووزارة التجارة تبرر عدم مراقبة ارتفاع السلع بحرية التجارة والعرض والطلب وكأننا لسنا البلد الذي يعفي من الضرائب ويدعم ويمنح القرض والأرض، ووزارة العمل تركز على دور الشباب في عدم الحصول على العمل وكأننا لانرى الأجانب يهيمنون على الوظائف حتى باعة الصناعات الوطنية بل العارضون في معارض الصناعات الوطنية ليسو مواطنين، ووزارة الشؤون الاجتماعية تبرر لجملة إخفاقاتها في الرعاية الاجتماعية بأنها صرفت لمستحقي الضمان وكأن الصرف مهمتها الاجتماعية الوحيدة في مجتمع يعاني من غياب كامل للإسناد الاجتماعي في كل المجالات بدأ بإحباط اليتامى وليس انتهاء بمساندة المكلوم والمحبط نفسيا ومن فقد عزيزا وغاليا، مما رفع حالات الانتحار نتيجة غياب السند الاجتماعي المطمئن والمتمثل في الأخصائي الاجتماعي والأخصائية الاجتماعية.
إننا في أمس الحاجة لمؤسسات تعمل للحل لا للتبرير ولقيادات إدارية تعمل لسد الذرائع لا لتشجيع المقصر، وإذا كانت التبريرات الإعلامية التلميعية تخدم الاستمرار في المنصب لبعض الوقت فإنها بالتأكيد تسهم في استمرار المشكلة لكل الوقت.
ليتنا لا نقبل التبريرات ونطالب بالحلول مهما كان المبرر ومن لا يملك الكفاءة على إيجاد الحل فثمة من يحل محله.
يامدير الخطوط تعال إلى كلمة سواء
أما وقد كتبنا على مدى سنوات عن إخفاقات ناقلنا الوطني الذي نود أن نفخر به ويشرف وطننا، وأما وقد قال أعضاء مجلس الشورى مثل مانقول وأكثر، وأما ولم نجد لما قلنا وقالوا تأثيرا وتجاوبا، فإن حبنا لهذا الوطن وكل ما يمثله يدعونا لأن ننهج معك منهج المناصحة والتنوير مفترضين حسن النوايا وأننا وأنت في حب الوطن سواء، بل تتفوق علينا في تحمل المسؤولية في الإخفاق والزهو بالنجاح.
إن ماحصل في رحلة الخطوط السعودية رقم 820 إلى جاكرتا كتبته بكل واقعية وإثباتات صورها الناس ونقلتها الأخبار ووثقناها تماما مثلما يريد نظام المطبوعات الجديد وبما يحقق المصلحة الوطنية بما يريد النظام ونريد نحن، فاستمع لنا يارعاك الله وسددك فنحن نقبل بصدر رحب أي عطل طارىء ولكننا لانقبل أن تطير طائرة متهالكة مستهلكة بأربعمائة نفس بشرية، ونحن نقبل أن تتأخر رحلة بسبب أحوال جوية، لكننا لانقبل أن تتأخر لأن موظف التشغيل القابع في مكتب أحواله الجوية مكيفة يؤخر إعطاء القرار لعدة ساعات والركاب في أسواء الحالات يعانون من الحر والجوع والعطش والإغماءات، وإذا نزلوا للأرض للانتظار أهملوا أيما إهمال واستفزوا بما يغضبهم ويسيء لسمعة وطننا المعطاء للمواطن والمضياف للضيف، كما أن إلغاء الحجوزات وتخفيض الدرجات أمر لاعلاقة له بكل أعذاركم بقدم الأسطول وتأخر وصول الجديد، إن سوء الخدمة الأرضية وما يصاحبها من ارتباكات سببه التفريط في الكفاءات الخبيرة ومنحها الشيك الذهبي لنحصل نحن على خدمة حديدية صدئة، ثم إنني أنقل إليك مخلصا لاتوددا لك ولكن ودا لوطن أحبه فإن المحاسبة على عظيم الأخطاء لاتطال المسؤول الفعلي عنها بل قد لاتصل إليك فبعض من حصلوا على الشيك الذهبي وفروا بجلودهم وكثير ممن صبروا وبقوا يتحدثون عن تقارير تقصير لاترفع بينما تتم محاسبة ملاح على نسيان طلب كوب قهوة لمسافر في رحلة مزحومة وإن كان سجله حافل بالتضحيات..
يا أخي المدير الذي نتودد لك ودا في الوطن ورغبة في الإصلاح إن المؤسسة تعاني من هشاشة الولاء المصحوب بعدم المحاسبة المنتهي بالرغبة في حصول الإخفاقات فإن لم تبادر في الإشراف شخصيا على سير التقارير ومنتهاها واكتفيت بالدفاع عن الإخفاق والتحسس من النقد فإن الخسارة على الوطن وعليك وعلينا، لأن ثمة من لايكترث بما يحدث بل يحرص على حدوث أخطاء متتالية وإلا كيف نفسر استفزاز موظف لركاب مرهقين مقهورين بينما يهدئهم أخر إلا بوجود متعمد اساءة لايحاسب وحسن نية لايكافا وانما يريد أجره من الله، أرجوك أن لاتقل لي أن ماحصل لرحلة جاكرتا وماقبلها وقبلهما وبعدهم جميعا مجرد صدفة وإن شئت فإنني من أجل الوطن لا من أجلك مستعد للجلوس معك إلى كلمة سواء أقول فيها ما منعه في فمي الماء.
