** ميزانية خير قياسية جديدة أعلنت هذا الأسبوع، ومع إعلانها يتبادر للذهن أمران لا يغيبان عن الذهن، الأول شكر الله على نعمه التي لا تعد ولا تحصى التي أنعم بها على هذا البلد الأمين ومنها قوة الاقتصاد ومتانته رغم كل الظروف، وهذا من فضل الله الذي يجدر بنا أن لا نغفل عن ذكره وشكره والامتنان له باجتناب أسباب غضبه لتدوم علينا النعم، أما الأمر الثاني الذي لا يغيب عن الذهن فهو دور رجل الإصلاح الأول الملك الصالح والراعي الأمين عبد الله بن عبد العزيز الذي أحسن النية فجعله الله مباركا وبارك له وفيه وأدار المال العام بحكمة بالغة وقيادة ملهمة وشفافية ووضوح وقرارات قائد يشعر بثقل الأمانة وأمانة المسؤولية، فجاءت الميزانية القياسية الثانية على التوالي نعمة عظيمة من الخالق وثمرة مباركة من حسن الرعاية.
** من الأمور التي تبعث على التفاؤل أن عددا من المسؤولين، خصوصا حديثي العهد بالمسؤولية جاؤوا بنظرة مختلفة للنقد الصحفي، ولدور الصحافة فأصبحنا نسمع كثيرا من المسؤولين ينظر إلى النقد الصحفي على أنه عون له لمعرفة جوانب القصور التي قد لا يراها أو يعايشها وأنه يجلب انتباهه إلى ما غفل عنه، بل إن بعضهم وبحكم الوعي والرغبة في الإصلاح وأداء الواجب يرى أن نشر الصحف لنقاط الضعف وجوانب القصور سبب ودافع لحصوله على مزيد من الدعم والإمكانات لتقوية ما ضعف وسد النقص، وهذا الشعور وذاك يعكس وعيا أفضل بأهمية دور الصحافة، يبعث على التفاؤل في زمن يحاول فيه البعض الآخر التفاعل عكسيا مع الشعور بأهمية ما يطرح في الصحف بتعمد منع طرحه وسد منابع النقد.
** إذا استمرت هيئة الغذاء والدواء السعودية في أسلوبها الصارم في التشهير بالمنتجات الضارة والمخالفة دون تردد ولا مجاملات فإن النتيجة ستكون صيد عصفورين سمينين بحجر واحد، الأول تراجع المخالفات وإنتاج المواد الضارة حفاظا على السمعة، والثاني تقليد الجهات الجبانة المترددة في تطبيق عقوبة التشهير للهيئة السعودية للغذاء والدواء في جرأتها وبالتالي تطبيق التشهير في مجالات أخرى ضرورية.
الكاتب: محمد الأحيدب
خروف المياه وغزلان المسابح
لا تزال وزارة المياه والكهرباء تمارس الاستفزاز في إعلاناتها المدفوعة بسخاء للحث على الترشيد في استهلاك المياه حسب أولوياتها هي، وهي فقط، خلافا للواقع في تسلسل أولويات الترشيد، وخلافا لحقيقة أسباب الهدر المائي، والترتيب الصحيح الواقعي لطرق إهدار المياه من جهة ومردود هذا الهدر من جهة أخرى، وما نقصده بمردود الماء المهدر (في نظر الوزارة) هو أن ثمة كميات كبيرة من المياه تذهب هدرا لا طائل منه مطلقا مثل استمرار جريان ماسورة ضغط عالٍ مكسورة في أحد أحياء الرياض لعدة أشهر دون إصلاح فهذا هدر لا طائل منه مطلقا لأنها مياه تتبخر على الإسفلت وتبتلع الأرض جزءا منها لكن دون فائدة تعود على الإنسان أو الحيوان، بينما الوزارة تهمل هذا النوع من الهدر الذي لا نفع منه مطلقا تجدها تنشر إعلانات مكلفة لتوضيح استهلاك الخروف من الماء وما يكلفه إنتاج كيلو غرام لحم من المياه على شكل أعلاف، وتركيز ملح على أن استيراد الأعلاف بدلا من زراعتها أو استخدام الأعلاف المركبة يوفر خمسة بلايين متر مكعب من المياه الجوفية غير المتجددة سنويا وهو ما يعادل ضعف استهلاكنا البلدي من المياه.
حقيقة نحن أصبحنا حساسين لتصديق أرقام المياه ومضاعفاتها خصوصا أننا لدغنا من قبل عشرين سنة بذلك الرقم المخادع الذي قال إن إنتاج أحد المشاريع المائية يعادل جريان نهر النيل 500 سنة، والآن أصبح استهلاكنا البلدي من المياه يعادل نصف علف خرفاننا سنويا لو استوردنا الأعلاف ولم نزرعها، وهذا تحديدا ما يفهم من إعلانات وزارة المياه دون أدنى جهد في الحساب لطالب الصف الخامس ابتدائي فالإعلان يقول بوضوح أن استيراد الأعلاف بدلا من زراعتها يوفر خمسة بلايين متر مكعب سنويا وهو ما يعادل ضعف استهلاكنا البلدي من المياه، أي أننا لو أوقفنا الزراعة سنة وفرنا ضعف استهلاكنا البلدي من المياه (ولم يحدد المدة ولكن أظنها سنويا لأن المبالغات دائما تحدد المدد المشجعة وتترك الأخرى مفتوحة).
وزارة المياه والكهرباء لا تزال تمارس استفزازا في نظري ليس لأنها تتحدث عن طرق الترشيد التي تعني المواطن والوزارات الأخرى، ولكن لأنها تحجم عن الحديث عن طرق الترشيد التي تخصها مثل التعامل مع ماسورة ضغط عالٍ تنزف عدة أشهر، فكيف تريدني أن أركب مرشدات تنصحني بها أو أغير طاقم صناديق الطرد في منزلي (السيفونات) لأحجام أصغر وأنا أشاهدك تترك أنابيب الضغط العالي تنزف دون إصلاح، وكيف أتجاوب مع مطالباتك للمستهلك الصغير بتوفير مياه الاستحمام للنظافة أو الطهارة التي لا تزيد عن (سطل) وأنت لم تلتفت للمسابح التي تستهلك مئات الأمتار المكعبة. كل هذه تساؤلات هامة ولم نتطرق خلالها لدور مطالبة وزارة المياه والكهرباء في شأن الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي بالأعلاف وقد نتطرق له لاحقا بعد مزيد من المراجعة المتخصصة لأننا لا نتحدث جزافا ولا نؤيد من يفعل ذلك.
إذاعة القرآن وإعجاز التخصص الشرعي
يستهويني كثيرا التخصص الأكاديمي العميق في أي علم من العلوم، وأرى أن المتخصص في جدول من أنهار العلم أو نقطة من بحوره هو الأجدر بأن يكون المرجع فيه دون غيره من الأقل تخصصا، بل إنني أرى أنه إذا وجد المتخصص العميق فإن الأقل علما يحق له الحديث في الموضوع بصيغة الاستفهام وليس الجزم وبصيغة السؤال وليس الإفتاء، مؤيدا المقولة الشهيرة (لا يفتى ومالك في المدينة)، فمن المؤكد أن في المدينة طلاب علم أو علماء لكنهم لا يفتون إذا وجد الأكثر منهم علما وتخصصا وهو مالك. وتعصبي للتخصص الأكاديمي يشمل كل العلوم والتخصصات بل كل فروع العلوم الدقيقة، وقد يعود هذا الشعور إلى أنني أمضيت جزءا غير يسير من عمري في جامعة الملك سعود طالبا ثم معيدا ثم محاضرا وباحثا، شهدت خلالها أمثلة لاحترام التخصص في الفروع الدقيقة، فكل أستاذ تعتقد أنه المتخصص في مجال سؤالك والجدير بإجابته يحيلك إلى من هو أعلم منه، فلا أحد يتجرأ على تخصص الآخر، ليس خوفا ولا بروتوكولا جامعيا ولا (اتيكيت) أكاديميا، بل قناعة واحترام للتخصص وللنفس أولا.
حضرت محاضرات كثيرة واستمعت إلى حوارات علمية أكثر ولقاءات إذاعية ومتلفزة مع علماء في كثير من التخصصات التي تهمني كإنسان وكراغب في الاستزادة، لكنني لم أسمع في حياتي واستماعاتي وحضوري ومشاهداتي قط استشهادا بعدد من المراجع والكتب بعناوينها كاملة وأسماء مؤلفيها يفوق العشرة في كل موضوع ويفوق الـ100 خلال حديث استغرق نصف ساعة فقط؛ إلا في برنامج الدراسات القرآنية في إذاعة القرآن الكريم من المملكة العربية السعودية. وكان الحوار مع الأستاذ الدكتور بدر بن ناصر البدر أستاذ الدراسات العليا في كلية علوم الدين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية حول التفسير التحليلي للقرآن الكريم تحت عنوان (التفسير التحليلي عناصره ومراجعه). وحقيقة فقد أبهرني أسلوب الشيخ الأستاذ الدكتور بدر بن ناصر البدر وقدرته الفائقة على سرد مراجع كل كلمة يعرج عليها، والاستشهاد بأكثر من عشرة مراجع بالعناوين والأسماء حفظا عن ظهر قلب، كما يبدو من سلاسة الإلقاء دون قراءة (ما شاء الله لا قوة إلا بالله)، وهي دلالة تمكن فائق اضطرت المقدم الدكتور يوسف العقيل للتنويه عن عدم حاجته لطرح سؤال.
الأهم من تمكن وحضور هذا المتخصص واستشهاده بالمراجع هو العمق اللا نهائي لبحر الدراسات القرآنية، والدقة المتناهية في مناهج التفسير سواء التفسير بالمأثور أو بالمعنى، وأنواع التفاسير من موضوعي وتحليلي وإجمالي وعلمي وتطبيقي وتفسير ميسر.. إلخ، وكيف أن الحديث عن نوع واحد من أنواع التفاسير استدعى خلال أقل من نصف ساعة الاستشهاد بأكثر من 100 مرجع ومؤلف، واستنباط اتجاه كل واحد منها وما يركز عليه من المعاني والدلالات والأهداف والمناسبات للوصول إلى تفسير آية أو إدراك معنى كلمة، بقصد استخراج واستنباط الأحكام الشرعية والوصول إلى مقاصد المشرع من نصوص القرآن.
الأهم من هذا وذاك أننا إذا تشددنا في اشتراط توافر التخصص العميق في كل من يحق له الحديث في علم من العلوم (كيمياء، فيزياء، طب، ذرة) وطالبناه بالتأهيل مرة، فإننا يجب أن نشترط التخصص والتأهيل 1000 مرة في من يحق له الخوض في العلم الشرعي؛ لأنه بحر عميق متلاطم لا تنفع فيه السباحة متحزما بإطار منفوخ بمقال.
لنحتفل بالعمال الباكستانيين ونكرمهم
الجنسية الباكستانية من العمالة التي وفدت إلى المملكة منذ تأسيسها على يد المغفور له الملك عبد العزيز طيب الله ثراه، فتعتبر من أقدم الجنسيات التي وفدت إلى المملكة إن لم تكن أقدمها قياسا بالاستمرارية في الوفود من أجل العمل. وهذه الأرض المعطاءة ــ المملكة العربية السعودية ــ استقبلت للعمل فيها العديد من الجنسيات بل جميعها تقريبا في أعمال ومهن مختلفة وأخذت على عاتقها التعامل مع جميع الجنسيات بما عاهدت عليه الخالق سبحانه وتعالى من عدل وإنصاف ومساواة وحفظ للحقوق وعدم تمييز بين جنسية وأخرى وعدم التعامل مع الوافد بناء على جواز السفر إنما بناء على سلوكه كفرد طبقا لتعاليم الدين الإسلامي السمحة.
والمواطن السعودي كإنسان حباه الله الفراسة والوعي والإدراك لا يتعامل مع الوافد بناء على جواز سفره أو الطباع السائدة لجنسيته ولكن حسب ما يصدر منه كإنسان فرد قائم بذاته، على أساس أن أصابع اليد الواحدة ليست سواء، بالرغم من أننا عانينا من بعض الجنسيات أكثر من غيرها وسادت سلوكيات بعض العمالة السلبية عند مقارنتها بالإيجابية أو عند مقارنتها بسلوكيات جنسيات أخرى إلا أن ذلك لم يكن قط أساسا للتعامل أو الحكم بناء على الهوية.
الجنسية الباكستانية تحديدا مثلها أبناء باكستان خير تمثيل فلم نر من هذه الجلدة إلا كل خير وكل شجاعة وكل كرم أخلاق وإيثار يستحق (في نظري) أن يحتفى به، علما أن الباكستانيين يدفعون ثمن ادعاء غيرهم من بلدان مجاورة انتسابهم لهم بطريقة أو أخرى خصوصا في جرائم تهريب المخدرات فمن يقومون بهذا العمل المشين ليسوا من أصول باكستانية حسب التقصي الذي أجريته كصحافي، وعلى أي حال فإنني أقترح أن نحتفي ونحتفل بإخواننا الوافدين من باكستان تحديدا تقديرا لسلوكياتهم الشجاعة ومواقفهم الإنسانية وإن كنا لا نحاسب غيرهم على السلوكيات السلبية للقلة منهم.
فرمان علي خان، رجل باكستاني جاء إلى هذا الوطن ليكتسب قوت أهله وزوجته وعائلته ومع ذلك ضحى بذلك كله وبنفسه بعد أن أنقذ 14 نفسا من الغرق في كارثة سيول جدة، فهذا الرجل وحده كفيل بإثارة شيمنا العربية السعودية في الوفاء والامتنان لنحتفل بكل أهل باكستان من أجله، ويوم السبت الماضي نشرت جريدة الرياض خبرا عن أسرة متوفى (دماغيا) باكستاني الجنسية تبرعت لوجه الله بأعضاء ابنها( 35 عاما) الذي توفي دماغيا إثر سقوطه من مرتفع عال في حادث عرضي، وهذا السلوك الإنساني الشهم الكريم المتمثل في التبرع بأعضاء ابنهم أدى إلى إنقاذ ثلاثة مرضى (واحد ستزرع له الكبد واثنين سيزرع لكل منهما الكلى)..
صار مجمل من نعرفهم إعلاميا فقط ممن أنقذهم باكستانيون خلال عام واحد 17 نفسا، وهذا رقم يستحق أن نشكر عن ذويهم كل باكستاني، ويستحق إخوتنا الباكستانيون قياسا بامتناننا وتقديرنا أن نرد لهم الجميل في احتفالية تكريم لأقدم جالية تقيم بيننا وتقدم لنا العمل وحسن السلوك بل والإيثار والتضحية.. (إنه مجرد اقتراح).
أرصاد الذيب ودفاع الناقة والجمل
طموحنا أعلى من مجرد اجتناب اللوم وتلافي المسؤولية وتجهيز الحجة، نحن نريد أن نصل إلى مصاف الدول التي تعمل فتجيد العمل وتقوم بالدور الصحيح على أكمل وجه وتترك الباقي للظروف ونسب الخطأ المقبولة عالميا.
منذ اللوم الشديد الذي وقع على مصلحة الأرصاد الجوية والنقد اللاذع الذي وجهه الإعلام لها وتحديدا بعد موجة الغبار التي ضربت منطقة الرياض ولم ترصدها الأرصاد وتحذر منها أو تعيرها أدنى ملاحظة، ثم الضربة القاضية والخطأ الجسيم المتمثل في كارثة سيول جدة التي لم تشر إليها الأرصاد وبالتالي لم يحذر منها الدفاع المدني، أو كما تدعي الأرصاد أنها نبهت الدفاع المدني وأن التحذير ليس من مهامها إنما هو مهمة الدفاع المدني، أيا كان تراشق المسؤولية الذي حدث بعد الحادثتين فإن الملاحظ أنه منذ ذلك اليوم وتلك الضربة القاضية فإن الملفت للنظر أن أرصادنا الجوية تتنبأ بالكوارث الطبيعية باستمرار والدفاع المدني يحذر كل يوم مع عدم وجود مبرر علمي أو مسوغ بيئي للتنبؤ أو التحذير، أي أن الأرصاد والدفاع المدني كل منهما أصبح يصدر التنبؤ والتحذير بشكل دوري مبالغ فيه تلافيا للوم ومن منطلق أداء الواجب حتى لو لم يحن وقت الواجب، وهذا وربي أسلوب لا يليق ولا يمت للمسؤولية ولا لأداء الواجب ولا للتطور والرقي بصلة بل هو أقرب إلى الأسلوب العشوائي غير المدروس الذي يعتمد على قاعدة (إن لقحت وإلا ما ضرها الجمل) وهذه العبارة تصح في تزاوج الإبل لكنها غير صحيحة وضارة عند تطبيقها في تزاوج المعلومة مع الحيطة والحذر، فمن شأن تكرار هذا الأسلوب أن يفقد هذه المؤسسات المصداقية ويفقد الناس الثقة وبالتالي تنتفي الفائدة وتحدث الكارثة مرة أخرى، لا لعدم القيام بالواجب ولكن بسبب سوء القيام به.
نهاية الأسبوع المنصرم توقعت مصلحة الأرصاد رياحا شديدة مصحوبة بعواصف رملية على منطقة الرياض وحذرت منها بعد هبوب موجة غبار وليس قبلها ولم يحدث من هذه التوقعات شيء، كما حذر الدفاع المدني من خطر السيول في جميع المناطق ولم نر السيول ولا زلنا نستسقي، وقبل هذه التحذيرات توالت التوقعات الخاطئة والتحذيرات المبالغ فيها من الأرصاد والدفاع المدني ولم يحدث شيء.
شيء من العمل العلمي الدقيق، شيء من احترام العقول وتوقع نضجها هذا ما نريده.
لا نريد أن تصبح أرصادنا مثل ذلك الراعي الذي يصيح (جاني الذيب) وهو غير صادق فإذا جاء الذيب لم يصدقه أحد ولا لدفاعنا المدني أن تعتمد قاعدة (إن لقحت وإلا ما ضرها الجمل).
رضى الله ثم رضى الصحافيين
مخطئ في حق هذا الوطن من يرضى أن تبقى الصحافة هي القناة الوحيدة الفعالة لاستقبال شكاوى الناس والإسراع في حلها بحكم سرعة وجدية التجاوب معها، لأن هذا من شأنه أن تشهد صفحات المحليات والشكاوى في الصحف اليومية هذا السيل من المواقف والقضايا الغريبة التي لا تسر ولا تشرف، وكل هذا لأننا أصبحنا نعيش أزمة أو لزمة غريبة تتمثل في أن المسؤول لا يتجاوب ولا يتحرك إلا مع ما تنشره الصحف، وخلاف ذلك فإن أي شكوى أو مراجعة أو تظلم ينتهي باليأس من أي تحرك ولا يأتي الفرج الأكبر إلا بعد نشر الشكوى أو الخبر.
هذا الشعور العام أو بلغة أكثر دقة السلوك العام أو الواقع الذي لا يقبل الإنكار، جعل الناس تجد في الصحف والنشر الطريق الوحيد للإنصاف، وأصبحت الصحف تعاني من زحمة وضغوط وإلحاح طالبي الإنصاف والمشتكين الباحثين عن الحل الوحيد والقناة الوحيدة الفاعلة وليس السريعة وحسب.
لماذا يحدث هذا ؟! يحدث لأن المسؤول لا يعمل لإرضاء الناس ولا يقوم بواجبه نحوهم ولا يحلل راتبه الذي يتقاضاه من الدولة من أجل خدمة المنصب الذي وضع فيه ليخدم الناس، ويهمل في هذا الصدد أيما إهمال، فلا يتفاعل مع شكوى ولا يلقي بالا لتظلم ولا يخاف من دعوة مستجابة، ولا يتابع مسؤولياته ويراقب موظفيه والأقسام التي تتبع له، ولا يقف بنفسه على احتياجات الناس ويطلع على أحوال الجهات التي تتبع منصبه وتقع تحت مسؤوليته أمام الله وأمام القيادة والوطن، إلا عندما تنشر الصحف جانبا من قصوره، أو يتعرض ناقد صحافي لمؤسسته عندها تنقلب المؤسسة رأسا على عقب ويحدث التجاوب السريع وتصل سيارات الخدمة للمشتكي ويستقبل أيما استقبال وتستنفر جهة العلاقات العامة لإرضاء المشتكي والتنسيق لحصوله على حق مستحق دون نشر أو خدمة هيئتها الدولة دون منه !!..
مشكلة هذا الوضع الذي ساد وانتشر أنه يجعل غسيل الوطن ينشر أكثر مما يجب، والوطن لا يستحق منا هذا الجحود، فعدم توفر قنوات بديلة مشابهة في الفاعلية والسرعة يجعل النشر هو الحل الوحيد ويجعل ما ينشر من السلبيات يعكس صورة سيئة كان يمكن تلافيها لو اخلص كل منا في عمله وحرص على رضى الله قبل رضى الصحافيين وخشي يوم نشر الصحف أكثر من خشيته مما تنشر الصحف وحرص على تلافي تشويه الصورة المشرقة لوطنه، كما أن الوطن يجب أن ينتصر لنفسه ممن لا يسعى لنصرته وهذا هو الأهم جدا.
وقفات أسبوع صالح كامل
**تمنيت لو أن رجل الأعمال صالح كامل ليس عكاظيا حتى (آخذ راحتي) في إبداء الإعجاب بإجاباته على أسئلة الزميل تركي الدخيل في (إضاءات) دون أن أتهم بالمجاملة وأتيح الفرصة لهواة الظنون، لذا فإنني أكتفي بالقول إن الحوار كان في مجمله مفيدا جدا وأن صراحة وشفافية الرجل أتاحت للزميل تركي الدخيل أن يبدع في طرح الأسئلة التلقائية غير المعدة مسبقا فشدنا الحوار، وشخصيا خرجت منه بأن التاجر إذا تسلح بثقافة دينية ورصيد لا بأس به من الاطلاع الشرعي ومعرفة بأحوال البسطاء من الناس وأسرار الأغنياء منهم ووعي تام بكيف تؤكل الكتف ووظف كل ذلك في الرد على الإجابات بصراحة وشجاعة، فإنه يكتسب ثقة غير محدودة.
** ست جهات وأربعين عنصر أمن لمواجهة شغب فتيات يقمن في دار الفتيات التابعة لقرية الأيتام بعد أن احتجزن المديرة والأخصائيات العاملات في قرية الأيتام في المدينة المنورة، وهذا الإشغال للجهات الست والأربعين عنصرا كان يمكن تلافيه لو قامت الشؤون الاجتماعية بدورها الذي كنا نطالب به دائما وهو تكثيف عدد الأخصائيات الاجتماعيات والأخصائيات النفسيات وحل مشاكل النزيلات أولا بأول، لكن ذلك لم يتم حسب تقرير حقوق الإنسان والأغرب من هذا كله أن مدير فرع وزارة الشؤون الاجتماعية في منطقة المدينة المنورة حاتم أمين بري يعتبر حادثة قرية الأيتام وضعا غير قابل للنشر، مع أن اليتيمات الهائجات انتشرن في الشارع وغطي الحدث صحفيا ولم يبق إلا تعليق مسؤول الشؤون الاجتماعية الذي أعلن تحفظه وهذا التحفظ وذلك الصمت والإهمال والشحن النفسي والممارسات الخاطئة بغياب المتخصصين والمتخصصات هو الجزء الأهم في المشكلة، بل سببها الرئيس.
** ارتفعت أسعار الفواكه والخضروات وتجاوز ارتفاعها 150 % ووكيل وزارة التجارة والصناعة لشؤون المستهلك صالح الخليل يؤكد لـ«عكاظ» أن مراقبة أسعار الخضار والفواكه ليست من اختصاص وزارة التجارة وإنما هي من عمل الأمانات والبلديات، وفي ظل توزيع دماء المسؤولية بين قبائل المؤسسات الحكومية نحن نتساءل، ما هي الأسعار التي تتولى وزارة التجارة مراقبتها؟! فإذا كانت نفت مسؤوليتها عن أسعار الفواكه والخضروات فهل تستطيع نفي مسؤوليتها عن السلع الأخرى التي زادت بنسب أكبر، مثل زيوت السيارات وقطع الغيار والمواد الغذائية الأخرى والتي لم تتدخل في أسعارها وزارة التجارة، أم أن التجاوب يكون بنفي المسؤولية فقط؟!!.
أما آن لهذا المحافظ أن يتجمل
والتجمل هنا أن يحسن صورته لدى الناس لا أن يمتن علينا، فسؤال الصحافة حق من حقوقها بل هو من أبسط حقوقها على المسؤول وإجابة السؤال حق من حقوق المواطن الباحث عن الإجابة وحق من حقوق الوطن المتجه إلى الشفافية والوضوح.
مر اليوم السادس والخمسون وسؤال نايف آل عقيل الموجه عبر (عكاظ) لمعالي محافظ مؤسسة النقد العربي السعودية الدكتور محمد بن سليمان الجاسر لم يهدأ، بل استمر نشر السؤال مع علامة الاستفهام الكبيرة يوماً بعد يوم في نفاد الهدوء من قلوب كثير من الناس ما بين مستغرب للتجاهل الواضح طويل الأمد وبين متخوف من عدم توفر الإجابة ومتوجس من عدم إيجابية النتائج وقلق من أن الوضع مخيف. خصوصاً وأن السؤال واضح ومباشر ويتعلق باختبار لمتانة المصارف السعودية وقدرتها على احتواء الأزمات المالية وهل أجري الاختبار أم لا وإذا كان تم فما هي النتائج وإذا لم يتم إجراء الاختبار فلماذا؟!.
العتب من عدم الإجابة يكمن في وضوح السؤال ومباشرته وعدم تركه الفرصة لأية إجابات أو احتمالات أخرى، أما القلق من عدم الإجابة رغم مرور 56 يوماً حتى الآن فيأتي من أن السؤال يتعلق بآخر معقل لما بقي من أموال الناس بعد كارثة الأسهم وهو البنوك.
أما استغرابي شخصياً لامتناع معالي المحافظ عن إجابة السؤال وتركه معلقاً مقلقاً قرابة شهرين فهو لمعرفتي بعلاقة معاليه مع الإعلام عندما كان نائباً فقد كان الأكثر تجاوباً والأكثر ظهوراً في إحدى القنوات الفضائية بعد كل غداء عمل فما الذي تغير؟! هل عمل النائب أقل إشغالا وأهمية إلى هذا الحد؟! أم أن عمل المحافظ أقل اكتراثاً وشفافية إلى هذه الدرجة؟! أم أن التواصل مع الإعلام من متطلبات مرحلة سبقت إلى مرحلة لاحقة.
لا أعتقد أن محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي ولا وزير التجارة ولا أي مسؤول آخر يقدر الناس ويجل توجه قيادة هذا الوطن لمزيد من الشفافية والوضوح يفضل نشر صورته يومياً على أن يجيب على سؤال مهم لا يهدأ ويطمئن من ينتظرون الإجابة.
هيئة ثانية يا وزير العمل
ليس أخطر من ضياع الحقوق إلا حماية طرف دون آخر، وعندما نتكلم عن الحق أو الحقوق فإننا إنما نتحدث عن شأن ذي طرفين لا طرف واحد واتجاهين لا اتجاه واحد وفي الغالب فإن كلا من الطرفين يعتقد أنه صاحب الحق أو أن «الحق معه»، ويصل الأمر في معظم الحالات أن كل طرف يعتقد أنه مظلوم.
المؤكد أن الخلافات الحقوقية لا تعتمد على قاعدة فقد يكون من الفئة المظلومة اليوم ظالماً غداً والعكس صحيح، بل يصل الأمر إلى أن المظلوم اليوم قد يكون ظالماً غداً أو كان ظالماً بالأمس وهذا المفهوم لا يحتاج إلى مزيد من الفلسفة ولا إلى عمليات حسابية أو معادلات (لوغارتمية)، الموضوع يحتاج إلى عمل متكامل غير مرتجل يضمن حقوق كل الأطراف وليس مجرد حلول آنية أنانية مرتجلة لمواجهة طارئ حدث للتو ونسيان حوادث سابقة ويتوقع أن يكون لها لاحقة.
معالي وزير العمل المهندس عادل فقيه ذكر في حديثه لـ «عكاظ» أول أمس الأحد أنهم في وزارة العمل يسعون لتكوين هيئة لحماية العمالة المنزلية تتولى حمايتهم في حال انتهكت حقوقهم وتتولى الوزارة توفير المحامين والمترجمين الذين يبينون حجة هذه العمالة لكي تحصل على حقوقها كاملة، وهذا جيد ولا اعتراض عليه، ولكن نحن أرباب العمل من يحمينا في حال انتهكت حقوقنا وهي تنتهك بدرجات تتراوح بين رفض العمل وتعذيب الأطفال، وبين هذا وذاك تحدث انتهاكات متعددة منها الهرب واللجوء للسفارة واستخراج جواز والسفر دون إذن، وإيذاء أهل المنزل ووضع القاذورات في الأطعمة وإتلاف الممتلكات والسرقة وإدخال شخص غريب وممارسة الرذيلة وانتهاك حرمة المنزل ..إلخ.
من سيوفر لنا نحن المواطنين والمقيمين المحامين الذين يبينون حجتنا لكي نحصل على حقوقنا كاملة ولا يقال لنا (ما لك إلا تسفرها)؟! الكفيف الذي أحضر سائقاً بعد عناء ليعينه على قضاء حاجاته ويدله الطريق من سيبين له حجته وما هي الهيئة التي ستحمي حقوقه، والمعوق الذي دفع كل مدخراته وإعاناته لجلب سائق وعاملة منزلية من سيرد له حقوقه إذا رفضوا العمل أو زادوه إرهاقاً أو أوسعوه ضرباً؟!
بل الرجل القوي مفتول الشارب الذي (يمشي على زنده التيس) إذا لجأت عاملته المنزلية إلى مكتب الخادمات على أطرف ليموزين بعد مرور مهلة التجربة من سيرد له ما صرف عليها؟!.
العمالة المنزلية يا معالي وزير العمل ليست حياة فطرية تحتاج إلى حماية من طرف واحد، هم بشر مثلنا يحتاجون للحماية ونحتاج الحماية منهم فعليكم بإنشاء هيئة ثانية لحماية حقوقنا ولا تنسوا المحامين الذين يبينون لنا الحجة.
الحذاء إللي ما يصيب يدوش
قلت سابقا أن أمريكا وبعض دول أوروبا لا تختلف عن دول العالم الثالث (تحت النامية) في موضوع الحريات الشخصية والديمقراطية، والفرق يكمن في الظروف التي تحتم اختراق الخصوصية وكبت الحريات، ليس إلا، بدليل أن دولا كانت تدعي الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان والحرية وحماية الخصوصية تخلت عنها مع أول اختبار وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي سجنت دون محاكمات في أشرس معتقل عرفه التاريخ (جوانتانامو) ومارست أبشع صور التعذيب في سجن أبو غريب، وأباحت التصنت على الشعب الأمريكي، واخترقت الخصوصيات، ثم جاءت فرنسا ودول أوروبية أخرى لتمنع الحجاب في الجامعات وتنزع النقاب في الشوارع رغم أنهما من الحريات الشخصية.
جاء موقع ويكيليكس لينشر فضائح تمس دولا تدعي الديمقراطية وحرية التعبير فكان نصيب مؤسس الموقع جوليان أسانج الاعتقال بتهمة تبدو ملفقة (الاغتصاب)، تماما مثلما يحدث في دول متخلفة مع خصوم السلطة والمعارضين، فأين كانت هذه التهمة قبل نشره للأسرار؟!، ويبدو أن العالم أجمع شهد ويشهد وسيشهد أنواعا من ردود الأفعال لسياسات الغطرسة والتهور التي مثلها أبشع تمثيل بوش الابن فكان حذاء منتصر الزيدي ردة فعل تحذيرية للتعبير عن الاستياء الناجم من كبت أي تعبير آخر يفترض أن يكون مباحا والولايات المتحدة الأمريكية تدفع اليوم ثمن ذلك الكبت والتحايل في شكل فضائح ويكيليكس التي لا تعدو كونها حذاء آخر ولكنه عالي الكعب.
يبدو أن السيد بوش لم يكن يتلقى النصائح الحكيمة ممن حوله بدليل التبرير المرتبك لأسباب استقباله بإطلاق زوج أحذية بدلا من إطلاق المدفعية 21 طلقة كما هو البروتوكول في البلدان التي تكتسب صداقتها بغير القوة!!، فقد برره ما حدث بأنه يدل على ممارسة الحرية وهو اعتراف صريح بأن السيد منتظر الزيدي كان يمارس حقاً من حقوقه التي تكفلها الحرية التي جلبتها أمريكا للعراق وبالتالي فإن أي محام عادي الذكاء قد يستخدم هذه الشهادة الصادرة من المجني عليه، كدليل دامغ بأن موكله لم يرتكب عملا يدعو للاعتقال وهو ما أكده نشر ويكيليكس للحقيقة التي استدعت إطلاق الحذاء آنذاك، وهل ما نشره جوليان أسانج إلا صورة من صور حرية التعبير التي تدعي أمريكا أنها رسالتها للعالم.
يجب أن تدرك الولايات المتحدة الأمريكية وكل رئيس لها أن سياسة الدولة العظمى المتحيزة لإسرائيل وممارساتها المهينة للأبرياء وغطرستها المتمثلة في احتلال العراق وتأييد ممارسات الاحتلال في فلسطين هي التي جعلت مواطناً عربياً يضحي بحذائه، رغم الأزمة الاقتصادية، ليبعث برسالة صادقة للرئيس الذي دمر العراق.
والحذاء أو «الجزمة» العراقية المنطلقة من منصة إطلاق أدمية تحمل رسالة أخرى لأمريكا والعالم، مفادها أن سلاح الدمار الشامل الذي تذرعتم به للاعتداء على العراق تمخض عن جزمة تفتقد للدقة في إصابة الهدف وهو ما أثبته موقع ويكيليكس.
العراق الذي تم ضربه بصواريخ عالية الدقة يتم توجيهها آلياً عن بعد لتصيب هدفا ثابتا غير متحرك يتمثل في منزل يعج بالمسنين والنساء والأطفال أو مستشفى أو ملجأ بحجة أنه يمتلك أسلحة دمار شامل، جاء رده بقذيفتين من طراز (جزمة مقاس 44) موجهة يدوياً نحو هدف متحرك استطاع أن يتلافاها لأن قدرتها في الإصابة لا تقارن بقدرته في المراوغة!! لكن أمريكا فشلت في تلافي تبعاتها فالعرب يقولون في الأمثال (العيار إلي ما يصيب يدوش).
زوج الحذاء تم التحفظ عليه رغم إطلاق سراح صاحبه وأخشى أن تفسر رائحة (شراب) الصحافي العراقي على أنها أثار لأسلحة دمار شامل لحفظ ماء وجه أمريكا ولو على جوز حذاء عراقي، وهو ما قد يكشفه موقع إلكتروني آخر أو موقع ويكيليكس ذاته والأهم هنا هو أن الدولة العظمى التي تحاول فرض مبادئ حقوق الإنسان والحريات الشخصية والديمقراطية باتت مصداقيتها على مرمى رجل واحد سواء بالحذاء أو المعلومة الإلكترونية.
