الكاتب: محمد الأحيدب

قلوب بأقفال .. درج بلا سياج

بعد أن كاد أن يكلف طالبا حياته ويكلف أما وأبا فقد فلذة كبدهما ويكلف أسرة فقدان أحد أفرادها وبعد أن كلف المجتمع السعودي شعورا دائما بعدم أمن أبنائهم في مدارسهم قرر مدير التربية والتعليم في الأحساء أحمد بالغنيم أنه (سوف) يكلف فرق الصيانة لوضع حواجز أمنية أمام سلم الدرج الذي يشكل خطرا على طلاب مدرسة ابن قدامة في مدينة المبرز في المنطقة الشرقية كون الدرج بدون سياج مما أدى إلى سقوط طفل في المرحلة الابتدائية من الدور الثاني، حسب خبر «عكاظ» المجاور لهذه الزاوية ص6 يوم الخميس الماضي وهي مجاورة مؤذية للجار فمثل هذا الخبر يوحي بأشياء كثيرة وخطيرة تتراوح بين الإهمال والفساد مرورا بعدم إعطاء المسؤولية حقها.
أما الإهمال فيتمثل في سكوت مدير المدرسة الابتدائية (أطفال) على وجود درج (سلم) دون حاجز واق مع أن الصعود والتدافع سمة لطلاب هذه المرحلة، وقبول المدير (حتى لو قام بالتبليغ) بأن يستقبل الطلاب في هذا المبنى دون حل لأنهم أمانة في عنق مدير المدرسة بعد مدير التربية والتعليم في المنطقة وبعد نائب الوزير والوزير، لكن بالنسبة لأولياء أمور الطلاب فإن المدير هو المسؤول الأول والمؤتمن المباشر على سلامة أبنائهم.
أما عدم إعطاء المسؤولية حقها فيبدو جليا في عدم قيام مدير التربية والتعليم في المنطقة بواجبه الرقابي في المرور على المدارس والتأكد من سلامتها سواء بمروره شخصيا أو (تكليف) إدارة المتابعة، لكن سعادته انتظر حتى سقوط طالب من الدور الثاني لكي يقرر (تكليف) الصيانة بوضع حاجز (بالله عليكم هل حياة إنسان، طفل، بريء، وحزن أم وأسرة ومجتمع لو توفي أرخص من حاجز سلم درج؟!) بل هل يتردد أي ممن ذكرناهم في موقع المسؤولية في وضع السياج لو كان الخطر يهدد أحد أبنائه؟!.
أما جانب الفساد الذي فضحته هذه الحادثة فيتمثل في اللجان التي كشفت على المبنى قبل قبوله والموافقة عليه، هل فات عليهم رؤية الدرج دون سياج؟! هل غم عليهم فضنوا أن ثمة سياجا أم على قلوب أقفالها فغفلت عن الشعور بأهمية قفل الحماية والإحساس بخطورة غياب السياج؟! أم أن قلوبهم غلف فلم يهمهم أن يسقط طفل؟!.
السؤال الأهم، كم مدرسة سلم درجها بدون سياج حماية؟ وماهي أشكال الخطر الأخرى التي لم نكتشفها بضحية ولماذا ونحن لدينا المال ولدينا قائد مخلص حريص يردد لا عذر لكم؟!.

نبض المواطن والساعات الثلاث

ليسمح لي صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل رئيس مؤسسة الفكر العربي أن أستعير عبارته المعبرة التي قالها لدى إطلاقه النسخة الثالثة من التقرير العربي السنوي للتنمية الثقافية يوم الثلاثاء الماضي في بيروت حين قال «لو أعطى كل مسؤول عربي للقراءة ثلاث ساعات لتغير الوضع جذريا».
أود أن أستعير هذه العبارة وأطبقها ليس على الفكر والثقافة والتقرير بل على الشأن المحلي وخاصة قراءة ما يكتبه كل مخلص لتوجيه النظر إلى مشكلة مواطن أو معاناته أو قصور خدمي أو تقصير مسؤول والتفاعل معه، فلو أعطى كل مسؤول سعودي عن وزارة خدمية أو مؤسسة أو إدارة أو أي مصلحة تعنى بهموم المواطن ومشاكله ثلاث ساعات أسبوعيا بمعدل نصف ساعة كل يوم عمل ومثلها نهاية الأسبوع وتفاعل إيجابيا مع ما يكتب لتغير وضع الخدمات جذريا، ولو لم يقرأ أو لم يتفاعل ولكن حوسب على ما كتب عن وزارته أو مؤسسته وتمت مساءلته عنه لتغير الوضع جذريا أيضا.
إننا فعلا في أمس الحاجة إلى قراءة ما يكتب والتفاعل معه في كل شأن من شؤون حياتنا ومشكلتنا الكبرى في عدم قراءة ما يكتب أو قراءته وعدم التفاعل معه، رغم أن القيادة حفظها الله لم تقصر في التأكيد على هذا الأمر فثمة أمر سام كريم بالتجاوب مع ما يكتب خلال 15 يوما من نشره، وهو دليل على اقتناع القيادة العليا بدور الصحافة ودور النقد وأن الصحافة الصادقة المخلصة هي مرآة المجتمع، والعين الثالثة للدولة، وصحافتنا ولله الحمد تمثل هذا الدور ومشهود لها بذلك خاصة فيما يتعلق بنشر معاناة الناس ومشاكل الخدمات وقصور الوزارات والمؤسسات، لكن احدا لا يقرأ أو يقرأ ولا يتجاوب ويتلذذ بقراءة ما يعجبه فقط، والتجاوب مع ما يحقق إعلانه عن ذاته وبروزه الشخصي.
إننا حقا في حاجة إلى من يقرأ ثلاث ساعات دفعة واحدة لقراءة تقرير أو مقسطة على أيام لمتابعة ما يكتب في الصحف ويشكل نبض المواطن، أفلا يستحق نبض المواطن الذي تقيسه الصحف وتعكس صوته على صفحاتها نصف ساعة يوميا لسماعه؟!.

أشغلونا الله يهديهم

أحب أن أستشهد بأمثلة أو مواقف عند طرح ما قد يساء فهمه لكي يفهم، وهنا سوف أستشهد بالانشغال بالتافه من الأمور عن الهام بموقف طريف غريب (سخيف) فعندما كنت معيدا في كلية الصيدلة في جامعة الملك سعود كنا نستعد لإجراء اختبار عملي هام لطلبة أحد مقررات علم الأدوية وهو امتحان يستغرق أربع ساعات ويتطلب تحضير محاليل فيسيولوجية بكميات كبيرة يستخدمها الطلاب لإجراء تجاربهم، ويجب البدء في تحضيرها مبكرا وأذكر أنني كلما دخلت معمل التحضير حيث يقبع زميلان عزيزان فنيان من السودان الشقيق مهمتهما تحضير هذه المحاليل، وجدتهما منهمكين في نقاش حاد، كل منهما يورد حجته ودليله ومرجعه ولكن حول ماذا؟ حول العقرب إذا سقطت في وعاء ماء فهل يصلح للوضوء أم لا.
قارب وقت الامتحان والمحاليل لم تحضر وفاتتهما صلاة الظهر مع الجماعة ودخلت عليهما بعد الصلاة وأحدهما يردد: الترمذي قال .. ينطقها بلهجة أحبتنا في السودان بالزاي بدل الذال (الترمزي قال)، فنفد صبري وقررت حسم الموضوع وصرخت بهما قائلا: والله لو علم الترمزي بأنكما تركتما صلاة الجماعة وأداء واجبكما نحو الطلاب من أجل هذا الحوار لألقم فم كل منكما عقربا، ثم إن العقرب لا يستطيع تسلق الإناء ولو سقط فيه من علو فمتى تأتي الصدفة التي يسقط فيها عقرب في وعاء ماء ولا يوجد غير هذا الماء، إنه افتراض شاذ غريب لكن المؤكد أن أكثر من 30 طالبا لن يجدوا ماء لإجراء اختبارهم بعد دقائق.
تذكرت هذا الموقف وأنا أتحسر على عام انشغلنا خلاله بفتوى رضاعة الكبير عن فتوى إهمال الشيخ الكبير أبا أو جدا أو عما أو خالا في دور الرعاية دون رعاية، وانشغلنا إعلاميا بموضوع توظيف الكاشيرة عن بطالة الآلاف من المعلمات والممرضات والصيدلانيات والطبيبات والمحاسبات وفنيات الحاسب الآلي ومثلهم من الشباب في كافة التخصصات بسبب تعنت القطاع الخاص ومقاومته للسعودة، وانشغلنا بجني كاتب العدل عن آلاف (الإنس) ممن ينشدون الإنصاف والعدل والنظر في قضاياهم وإنهاء معاملاتهم، وانشغلنا بقيادة المرأة للسيارة عن حق المرأة المعلمة في الوصول الآمن إلى مقر عملها وتعيينها قريبا من مكان إقامتها أو تأمين المواصلات الآمنة المجدولة لها وحماية أرواح المئات ممن قضين بسبب حوادث المعلمات، وعن حق المرأة في ممارسة تجارة لا يسيطر عليها الولي أو الزوج ودخل مستقل، وحق المرأة المعلقة في ورقة طلاق تمنحها عيش السعداء، والمطلقة في رؤية أبنائها وتسجيلهم في المدارس والمستشفيات، انشغلنا بسكين رجل الهيئة عن آلاف حوادث الطعن والنهب والسرقة والمخدرات.
وحقيقة لم أجد أدنى فرق بين من يركز على حالة نادرة لعقرب سقط في وعاء فهل ينجس أم يعتبر طاهرا وينشغل بها عن صلاة الجماعة وأداء واجب العمل، وبين من يركز على حالات نادرة سطحية ويشغلنا بها عن قضايا أساسية.

لنجعل 1432هـ سنة الأفعال

خلال العام المنصرم أكمل القائد الرائد خادم الحرمين الشريفين كل الأسس اللازمة لكل وزارة ومؤسسة لكي تعمل وتنجز وتبدع، ومن أهم هذه الأسس التمويل اللازم لتحقيق الإنجازات والمتمثل في ميزانية هي الأضخم في تاريخ هذه البلاد، ثم قال كلمته الخالدة (لا عذر لكم)، ثم كرر ذات التوجيهات المخلصة الجادة التي تعكس شعورا صادقا بضرورة العمل على رقي هذا الوطن، وطموحا عاليا للوصول به إلى أعلى درجات التطور وحزما واضحا وجادا في أنه لا مكان لغير العمل، فنبه يحفظه الله إلى المشاريع البطيئة ووجه السفارات بضرورة الاهتمام بالمواطن واحترامه لكي يحترمه الآخرون وكان دائما كعادته شفافا صريحا حازما ومباشرا في تناوله لمشاكل الوطن والأمة أجمع، فكانت كلمته الوافية في مجلس الشورى تشخيصا شفافا للواقع وتحديدا واضح المعالم لسبل العلاج.
وكردة فعل طبيعية ومتوقعة، ورد على لسان الكثير من الوزراء وعود وخطط واستراتيجيات مبشرة ومتفائلة وعازمة على حسن استغلال ما تم توفيره من إمكانات لا تدع عذرا لوزير ولا محافظ ولا وكيل وزارة ولا مدير عام ولا تسمح بغير العمل الذي يتناسب مع اكتمال المعطيات وحزم التوجيهات.
نحن كمجتمع طموح ومواطن دائم التفاؤل متطلع للإنجازات ربما استعجلنا بعضها واستكثرنا عدم اكتمال ما وعد به الوزراء خلال عام 1431هـ، وهذا من العشم والثقة والاستبشار بالخير، مع أننا نعي وندرك أن الإنجاز يحتاج إلى وقته وربما كان لبعض المبالغات في الوعود أو الاستعجال في التصاريح أو سوء فهمها دور فيما حدث من استكثار لتأخر بعض الوعود أو تذمر من عدم تحقيقها، لكن دعونا نودع العام المنصرم 1431هـ على أنه عام الإعداد أو عام الوعد أو عام الأقوال (سمه ما شئت) المهم أن نعاهد أنفسنا وقائدنا الطموح بأن يكون عام 1432هـ هو عام الأفعال فكل المعطيات تشير إلى أنه لا عذر لكم.

وزير الشؤون والحال المستورة

يرى وزير الشؤون الاجتماعية الدكتور يوسف العثيمين أنك لو سألت أي شخص، هل دخلك يكفيك لقال لا .. هذه نزعة إنسانية (انتهى)، ومع كامل احترامنا لرأي ورؤية معاليه إلا أنها تمثل رؤية وزارة معنية بالرعاية الاجتماعية والضمان الاجتماعي وعون الأسرة السعودية على الكفاف وعدم السؤال ومساعدة الفقير، وهي واجبات من صميم عمل الوزارة لا تسقط بالتبرير لمجرد ظن.
لذا فإن من حقنا أن نناقش الوزير والوزارة في هذا الرأي وتلك الرؤية فنقول وبالله التوفيق إن هذه النزعة الإنسانية ليست هي السائدة، وليست حكرا على الفقراء والمحتاجين للضمان الاجتماعي، وهي شعور ابتلي به البعض ولا يمكن تطبيقه على الكل وخاصة الفقراء والمحتاجين ممن لا يسألون الناس إلحافا وهؤلاء تقع على وزارة الشؤون الاجتماعية مسؤولية البحث عنهم وتقصي أحوالهم بعيدا عن هذا الافتراض والتعميم الذي يفترض ظنا لا جزما أن أي شخص لو سألته هل دخلك يكفيك لقال لا وأن هذه نزعة إنسانية (أي عامة في البشر) وهذا افتراض غير صحيح بدليل أن فقراء هذا البلد إذا سألتهم عن أحوالهم قالوا (مستورة ولله الحمد) وقد تصح المقولة عن من زادهم الله من فضله فأنكروه أو طمعوا في المزيد.
فإذا كان الوزير اعتمد على الظن فكيف نتوقع من الموظفين بل من الوزارة الاعتماد على الدراسات الميدانية والبحث الاجتماعي؟! وهل ستعتمد وزارة الشؤون الاجتماعية على افتراض كفاية الدخل لكل أسرة محتاجة وأن النزعة الإنسانية لكل أسرة هي من تجعلها لا تشعر بكفاية الدخل ونستبعد كلفة المعيشة وارتفاع الأسعار والفواتير والمصروفات والأجارات التي أصبح يئن منها الغني قبل الفقير؟!.
هل تحول دور الوزارة المعنية بالضمان الاجتماعي ومساعدة الأسر الفقيرة من دورها هذا إلى دور المحلل النفسي ومفسر المقاصد والأهواء والمتخصص في النزعات الإنسانية؟! أم أنها مبررات وحسب؟!.
مالك وما يقول الفقير عليك أن تدرس وضعه وتبحثه اجتماعيا عن طريق الأخصائية الاجتماعية والأخصائي الاجتماعي وأن تمنحه حقه الذي كفلته له الدولة أعزها الله حتى لو قال إن «الحال مستورة».
إن كل من تصرف لهم الرواتب الفلكية والبدلات السخية والجوالات (الآي فونية) والانتدابات الشهرية، دخلهم يكفيهم إلى درجة عدم التفكير في غيرهم.

اليمن أولى

انشغل الناس والإعلام عن معجزة اليمن بإعجاز قطر، مع أن معجزة اليمن بتنظيم دورة خليج من أنجح الدورات في ظل أخطر التحديات أمر لا يقل أهمية عن إعجاز الأشقاء في قطر بجلبهم كأس العالم إلى الشرق الأوسط؛ المنطقة المشتعلة في نظر %90 من جماهير الكرة في أوروبا وأمريكا والدول المشابهة ممن يسمعون عن الشرق الأوسط ولا يرونه إلا في الصورة البشعة لاغتيال محمد الدرة أو جرف منازل الفلسطينيين يوميا أو الانفجار والتفجير.
النجاح القطري في استضافة كأس العالم 2022م (منفردة) كما فعلت جنوب أفريقيا وليس كما فعلت اليابان وكوريا، درس نجاح يستحق الدراسة المستفيضة تحت عنوان كيف نجحت قطر؟! ويجب أن يكون حضور الدرس كبيرا من كل الدول العربية وحاشدا على كافة مستويات المسؤولية، وهذا ما سوف آتي عليه في مقال مستقل بعد أن أجمع معلومات مؤكدة عن سر النجاح، أرجو أن تعينني سفارة قطر في المملكة أو وزارة الإعلام القطرية على الحصول عليه كصحافي أو كاتب لأنه درس مهم لا يحتمل الاجتهادات أو التخمين أو المقارنات السطحية بين قطر وأية دولة أخرى في الشرق الأوسط عامة.
معجزة اليمن أعتقد أنها أولى بالتحليل والدراسة والإبراز الإعلامي من الإعجاز القطري لاعتبارات عدة؛ أهمها عنصر التوقيت واكتمال النجاح وتحقق ما اختلف الناس حوله من إمكانية إقامة الدورة في اليمن في ظل ظروف تكالبت على اليمن بسرعة وتنوع فيها الأعداء والخصوم وتصاعدت تهديداتهم بل وتحركاتهم، فكان التوقيت سيئا ومصدر قلق لكن اليمن بإصرار أبنائه على استضافة الدورة بنجاح أمني كبير وهزم أعدائه، أما اكتمال النجاح فلأن الدورة تختتم اليوم دون منغصات ولا مشاكل كأجمل دورة خليج عايشها جيلنا وأكثرها متعة وأكثرها حماسا وأكرمها استضافة، خاصة من قبل روح الجماهير وعدد الحضور، رغم خروج المستضيف من الأدوار الأولية وهو ما يحدث لأول مرة.
نعم اليمن حقق معجزة ليس من السهل تحقيقها؛ وهي أن يواجه التحديات ويقيم الدورة في وقتها ويمنع المنغصات ويهزم التهديدات ويحقق أجمل وأسعد استضافة بأقل الإمكانات المالية وأوفر التكاليف، وهو اكتمال يصعب تحقيقه في دورة الخليج ومن عايشها يعرف ذلك، فهي دورة قلما تخلو من المشاكل والمنغصات والتبذير في المال والتفريط في العلاقات.
يجب أيضا ألا نغفل المعجزة الأكبر التي حققتها دورة الخليج في اليمن، وهي اجتماع جميع الدول المشاركة في مواجهة التحدي والخطر المتوقع والإصرار على إقامة الدورة في الموعد والمكان دون تأجيل أو نقل، وهي خطوة مهمة وإصرار يستحق الاحترام والتقدير، خصوصا أنه إصرار وثقة كانت في محلها، فاليمن السعيد أثبت أنه قادر على جعل كل شيء يتم على أرضه سعيدا.
أبناء اليمن وبناته أنتم فخر لنا.

الكذبة على «خشة» كهل

بيت الشعر يقول (أسهل من الكذبة على شف الطفل) كناية عن جمالها، ولابد أن عكسها هو أقبح من الكذبة على (خشة) كهل، فليس في الكذاب صفة جميلة، وليس في الكذب ما يستهوي السامع ما دام يدرك أنه يسمع كذبا أو كلاما غير قابل للتصديق، قياسا بمعرفة السامع بطبع المتحدث الذي ديدنه الكذب أو استنادا إلى علم السامع بعدم صحة ما قيل.
أجمل ما في الكذاب (والكذاب قبيح كله) هو اعتقاده أنك تصدقه، فلا يزال الكذاب يكذب ويكذب حتى يصدق نفسه ويعتقد أنه مقنع وإذا وصل إلى هذه المرحلة المتقدمة جدا يصبح حديثه فيه لمحة متعة، وهذا ما قصدت به (أجمل) ما في الكذاب لأنك تكون أمام شخص يتحدث عن شيء أنت تعلم عكسه وتدرك عدم صحته وهو يظنك تصدقه فيغريه تصديقك للمزيد من استغفالك (هو يعتقد أنه استغفلك) وأنت لم تصدقه ولم تستغفل فتصبح أمام مغفل يتحدث وأنت تضحك عليه في داخلك حتى الثمالة ولكن دون أن تبدو نواجذك، وهذا ممتع جدا.
أنت هنا كذبت عليه بإيهامه أنك تصدقه، لكن البادئ أظلم ومثل هذه النوعية يستحق ما يحدث له (من قال له يكذب؟!).
هذا (السيناريو)، الكذب والإيهام بالتصديق والاستمتاع بالضحك داخليا على الكذاب أمر مقبول على مستوى المجالس والاستراحات وروايات البطولات الخيالية على وزن (فرفعت رجل الأسد)، لكنها غير مقبولة على مستوى المسؤولية نحو الوظيفة، ونحو ما يخص مصالح الناس، ومعاملاتهم وغير لائقة أن تمارس في تصريحات تنشر أو أخبار تكتب أو ادعاءات غير قابلة للتصديق تعلن عنها شركات الخدمات المدفوعة أو المتاجر على لسان القائمين عليها، وعلينا هنا تحديدا أن نوقف من يمارسها عند حده ونشعره بعدم تصديقنا لرواياته لأن المسؤولية فوق كل اعتبارات المجاملة فمن غير المقبول أن تتحول تعاملاتنا وأحاديثنا وتصريحاتنا من مصداقية المجتمع المسلم إلى التحايل والكذب وأن نتحول وبسرعة من المجتمع الذي يعتمد الثقة في تعاملاته إلى المجتمع المتوجس من كل شيء، وعلى الإعلام تقع مسؤولية كبرى في الحد من هذا السلوك بعدم تشجيعه، وبالتأكد من مصداقية ما يقال وما يعلن لأن الإعلام يستغل أحيانا.

وقفات أسبوع ضياع الحقوق

** يوما بعد يوم، تثبت هيئة الاتصالات أنها لا تعير حقوق المشترك أدنى اهتمام، وأنها أحرص على ربح شركات الاتصالات من أكبر المساهمين فيها ومن الشركات نفسها، وأوضح دليل على ذلك ــ لا مجال فيه للجدال والتشكيك ــ هو عدم تدخل الهيئة في غزو رسائل الإعلانات لجوالات المشتركين ممن هب ودب، رغم الشكوى المستمرة من خرق خصوصية الهاتف النقال ومنح الأرقام لكل من أراد أن يعلن. أما التخفيضات ومجانية التجوال فإنها تستطيع منعه، حتى أصبحنا لا نعلم هل الهيئة هي الشركات أم أن شركات الاتصالات هي الهيئة؟!!.
** يبدو أن جدول الضرب الذي كنا ندرسه في جيلنا بكل هدوء وراحة أعصاب، تحول إلى جدول ضرب جسدي في المدارس ومراكز التأهيل والمعاهد وقد ينتقل للجامعات، لا بد من دراسة أسباب شيوع العنف في المجتمع؛ هل هو من شحن نفسي يواجهه الجميع أم مشاكل اجتماعية ومالية تسيطر على نفسيات الناس، أم غياب الرادع وسرعة التقاضي وإعطاء كل ذي حق حقه.. المهم أن العنف في مجتمعنا ارتفع بشكل كبير ونحن ندرس ونبحث ظواهر اجتماعية غير أساسية.
** ليت وزير العمل يركز في تصريحاته على الأمور التي هي في صلب عمل الوزارة وتحت اختصاصها بلا أدنى شك ودون نقاش أو خلاف؛ مثل البطالة والسعودة والتأشيرات والاستقدام الجائر بدلا من الهروب إلى الأمام بتصريحات في المتشابهات ومواقع الخلاف، قوموا بدوركم الصريح أولا في وزارة العمل.
** تقول شركات الاتصالات ردا على تصريحات صدرت من مجلس الشورى إن هيئة الاتصالات هي المسؤولة عن ارتفاع قيمة المكالمات وإن الشركات موافقة على تخفيضها، ألا تلاحظون أن الهيئة ليست في صف المشترك حتى بتصريح الشركات نفسها، بل ألا تلاحظون أن الشركات تمون على الهيئة في التصريحات، وهيئة الاتصالات سعيدة بهذه الميانة، كل هذا يؤكد ما جاء في الفقرة الأولى.

ما لكم وبقايا غلام أحدث

لا أدري لماذا يصر بعضنا على الاستجابة لاستفزاز الصغار، مع أننا كبار وقدر الكبير أن يدوم كبيرا، والأصل أن يحتوي الكبار الصغار ويتحملون أذاهم بتجاهلهم.
الكتاب الصحافيون أكثر من يدرك أن الإعلامي المغمور إذا كان مريضا مستعجلا للشهرة يريد أن يشتهر حتى لو لبس رأس بغل أو ذكر اسمه ضمن قائمة شاذة، المهم أن يردد اسمه ولو مشتوما مهانا، وما دمنا ندرك ذلك فما بالنا نردد اسما مغمورا لا يمثل الكويت لمجرد أنه أخرج من فمه كلمة عفنة.
كان يفترض بنا أن نكتفي بشتم العقلاء من جماعته له واستنقاصهم لقدره ووضعه في المكان الذي يعرفونه له ولأمثاله وأن لا نعطي ما قاله أدنى اهتمام أو ذكر يحقق له ما يريد خصوصا أننا وأشقاءنا في الكويت نشترك في ترديد المثل الشعبي (اضحك للصبي) ونشترك أيضا في كوننا لا نريد رؤية أي لون أحمر في دورة الخليج غير الكرت الأحمر لإخراج كل من يريد أن يثير الخلاف بين أبناء منطقة الخليج لخدمة من لا يسعدهم الوفاق الذي يجمع أبناءها .
كم كنت أتمنى لو أن مواقع الإنترنت لم تستجب لرغبة هذا المريض بتكرار اسمه لأنها مدعاة لاستمراء هذا السلوك الصبياني الاستفزازي ومدعاة لأن يقلده غيره من المرضى النفسيين الذين يتلذذون بمحاولة استفزاز الكبار ولفت انتباههم إلى درجة أن بعضهم تصفعه ويضحك، وتدفعه ويعود حتى يأتي أهله ويسحبونه معتذرين وهذا ما حدث فكان يفترض بمواقع الإنترنت والكتاب الأفاضل الاكتفاء باعتذار الشيخ أحمد الفهد نائب رئيس مجلس الوزراء الكويتي ورئيس المجلس الأولمبي الآسيوي الذي قدم اعتذاره للسعوديين خلال مؤتمر صحافي يوم الأحد الماضي قائلا (امسحوها بوجهي) وهي كلمة يدرك معناها الرجال في دول الخليج ممن يدركون أبعاد الكلمة ومعانيها ووزنها وهؤلاء بالمناسبة هم أكثر من يعاني من سقطات الصبية وزلات ألسن من ابتلوا بانتمائهم لهم قديما أو حديثا.
كنت أتمنى لو أن بعض الزملاء الكتاب لم يستعجلوا تناول بعض السلوكيات الاجتماعية الشاذة بمناسبة ما ذكره ذلك الأحمق لأنه لم يثر الموضوع ناصحا أو حتى ناقدا إنما أثاره حاقدا وراغبا في الشهرة والاستفزاز ومثل هذا الصبي المجهول النكرة إذا نطق فكأنما أحدث، وفعله هذا لا يليق أن يبنى عليه رأي ولا مقال لكاتب عملاق، وكان الأولى تأجيل التناول الاجتماعي لمناسبة أجدر وأكثر احتراما، وقد يقال إنني وقعت فيما نهيت عنه لكنني أكتب راجيا التوقف عن الاستشهاد بما قال أو ترديده ومتجاهلا اسمه وغير مؤيد لربط وقاحته بالأخطاء نادرة الحدوث في مجتمعنا المترابط في عمومه.

الخطوط السعودية تتبنى الافتراش

في الوقت الذي نجحت فيه جهود وزارة الداخلية ولجنة الحج العليا في الحد من الافتراش في حج هذا العام واختفائه تماما في مواقع كثيرة، أصرت الخطوط السعودية على نقل صورة الافتراش إلى مطار الملك عبد العزيز بجدة من خلال تأخر رحلات العودة أكثر من 12 ساعة لرحلات الحملات المحجوزة بالكامل وأكثر من ذلك للرحلات الأخرى. الصورة كما نقلها حجاج الداخل العائدون مخيفة للغاية ومخجلة إلى أبعد الحدود، ولا ألوم مصوري الصحف حينما لم يلتقطوا الصور المعبرة لهذا الافتراش لحجاج الداخل الذين افترشوا (بلاط) وممرات صالات المطار، لأن شيم المصورين وأخلاقياتهم منعتهم من التقاط صور لعائلات (نساء وبنات وأطفال ينامون على البلاطة حول رب الأسرة)، منعتهم من تصوير زوجة تتوسد ذراع زوجها والزوج يتوسد حذاءه، لكن إدارة الخطوط السعودية لم تسعفهم لمنع حدوث هذه الحالات غير الإنسانية، والتي لا تتناسب مع الجهود التي يبذلها هذا الوطن والمبالغ التي يصرفها والإمكانات التي يسخرها، والتي يبدو أنها لم تجد من يديرها. بعد أن عاد حجاج الداخل واستراحوا والتقطوا أنفاسهم واستعادوا نشاطهم أصبحت معاناتهم ــ بسبب تأخير الرحلات وانتظارهم في المطار يوما كاملا وأكثر ــ كابوسا يلاحقهم وهو حديث المجالس والمناسبات والسؤال واحد لماذا يحدث هذا؟! طائرات رحلات الحملات محجوزة بالكامل ومدفوعة الثمن مقدما، فلماذا لم تقلع في وقتها؟! والرحلات العادية هي الأخرى قام المسافرون عليها بكل واجباتهم من حجز وتأكيد وشراء تذاكر، فمن المسؤول عن بقائهم لعدة أيام ولماذا يحدث هذا وأين الخلل؟! أقول إن المعاناة إنسانية، لأن طوابير انتظار دورات المياه وصلت أكثر من مائة متر، ولأن النساء والأطفال والكبار وحتى الشباب واجهوا إحراجا بالغا في قضاء حاجاتهم الإنسانية، حتى في الحصول على الوجبات كان الانتظار والتلهف والتوسل لا يختلف عن حال كل الكوارث الإنسانية، وحقيقة استغرب أن هيئة وجمعية حقوق الإنسان لم تحرك ساكنا، غير أن الأخيرة تطرقت للمشكلة وصورت جانبا منها وحسب، أما الأولى فربما انشغلت بشأن العاملة المنزلية المعذبة عن آلاف المعذبين بسبب فوضى الخطوط السعودية. يقول أحد حجاج الداخل من الرتب العسكرية العليا والمركز الاجتماعي المرموق إن غياب الشفافية من قبل الخطوط السعودية وعدم مصارحتها المسافرين بأية معلومات عما يحدث وكم سيستمر التأخير فاقم المشكلة، فمن ضمن المتأخرين من بإمكانه استئجار فندق والبقاء حتى موعد إقلاع محدد ولو بعد أيام، ومنهم من يستطيع استئجار سيارة أو استدعاء (صالون) لنقله ونقل غيره معه كعمل خيري، إلا أننا بقينا نتفرج على حجاج الإمارات والكويت الذين أرسلت الطائرات من بلدانهم لحل مشكلتهم، بينما نحن ننتظر تحرك طائرات صرفت بلادنا الغالية أموالا لشرائها، لكنها لم تجد من يدير تحركها بفكر إداري واع ومخلص ومهتم أصلا.