ذهلت وأنا أتجول في متحف دار القرآن الكريم في المدينة المنورة والتابع لوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالقيمة الأثرية وندرة مقتنيات هذا المتحف من المصاحف القديمة النادرة متعددة الأحجام والأشكال والعمر الزمني وطريقة الكتابة وفنون الخط والتصميم الإعجازي لأشكال وألوان إطارات صفحات المخطوطات القرآنية المرسومة يدويا بزخارف مذهبة وملونة تحكي جهدا عظيما وقدرات خارقة وفنا ودقة تعجز أعلى تقنيات العصر الحديث في فن الطباعة عن تقليده.
أما ما أذهلني أكثر أو صدمني فهو عدم إعطاء هذه المقتنيات الثمينة ما تستحقه من طرق الحفظ التي تحقق بقاءها وصيانتها وحفظها من التلف، ناهيك عن عدم الاهتمام بعرضها العرض السليم وإتاحتها للزوار والمهتمين، والدعاية للمتحف كمزار ومقصد يجتذب كل من علم بوجوده. فثمة متاحف ومعارض لمقتنيات لا تقارن مطلقا بندرة وأهمية وقدم مقتنيات هذا المتحف، ومع ذلك يتم الترويج لها في الدول التي تحتضنها بأكثر مما تستحق ويتم استثمارها كمعلم سياحي ومزار يتزاحم الناس لدخوله وتتوافد عليه جحافل الزوار. ما رأيته في متحف القرآن الكريم بالمدينة المنورة مجرد جهود ذاتية للعاملين في المتحف من أساتذة جامعات ومتخصصين يدركون أهمية ما تحتويه صناديق بدائية يعلوها الزجاج، ويعلمون الطرق الصحيحة لحفظ ما بداخلها ويشعرون بالأهمية التاريخية لما تحتويه من مقتنيات، ويدركون الخطورة التي تكتنف حفظها بهذه الطريقة البدائية، وأنها تتعرض للتلف، لكنهم لا يملكون القرار ولا الاعتماد المالي في تحويل هذا المستودع البدائي إلى متحف يليق بما فيه.
هم يدركون أن الإضاءة العادية كفيلة بإتلاف الورق الثمين وأن آفة الخشب و(الأرضة) تهدد محتويات الصناديق الخشبية البدائية، وأن الغبار والعثة تخترق ثغرات صناديق الحفظ الحالية، ويعرفون طرق الرش والتعقيم والتعفير الدوري الذي يجب أن يتم لصيانة هذه التحف النفيسة، لكنهم على ما يبدو دب فيهم اليأس والإحباط فاكتفوا بجهود ذاتية واجتهادات و(فزعات) لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
يحتوي المتحف على أكبر مصحف (حوالي 2 متر طولا ومتر ونصف عرضا) وأصغر خط كتب به مصحف آخر، بحيث أصبح كل جزء من القرآن في صفحة واحدة، ومخطوطات قديمة مصممة بزخارف إعجازية وخطوط غاية في الجمال، ولست هنا لأعدد محتويات صالة بدائية عشوائية، لكنني أجزم أن وزارة الشؤون الإسلامية لا تملك فكرا (متحفيا)، فهي تقدر هذه الثروة ولكن لا تعرف كيف تحافظ عليها أو تستثمرها.
الكاتب: محمد الأحيدب
تكتيك وزير العدل
حضرت محاضرة وزير العدل الدكتور محمد العيسى في الجامعة الإسلامية، واستمتعت بالحوار الشفاف المباشر الذي تلى المحاضرة واستمر لساعة متأخرة من الليل، ولست هنا لأقيّم وجاهة الأسئلة أو دقة الإجابة فمن أساسيات الحوار أن من حقك أن تسأل ومن حقي أن أجيب على سؤالك بما لدي من معلومات ضمن صلاحياتي في التصريح بها ووفق علاقتي بموضوع السؤال وهل أنا منفرد بالمسؤولية عن الشأن الذي تسأل فيه أم أن أحدا أو أكثر يشاركني التعاطي مع هذا الشأن فأجيب على ما يخصني وفق حساسية الموضوع وأترك لك أن تسأل غيري فيما يخصه.
أنا هنا لأشهد بأن الحوار كان مباشرا لا يفصل بين السائل والمسؤول إلا (الميكروفون) وهذه الأداة لا تفرض رقابة على ما يمر خلالها وهذا مما يحسب للجامعة وللضيف بمنح الثقة للرقابة الذاتية، وهي ثقة في السائل واحتراما لمكانته، وقد عشنا وشاهدنا حوارات لا تحترم حق السائل في التعبير المباشر وتفرض أسلوب الأسئلة المكتوبة، وجربنا ضيوفا ومسؤولين يشترط بعضهم أسئلة محددة ويمتنع عن إجابة أخرى، بل جربنا من يقصي إعلاميا بعينه خشية أن يحرجه بسؤال وطني إجابته حق للوطن والمواطن، وهذا ما لم يحدث من وزير العدل ولا مدير الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وجدير بالانتباه والتنبيه أن وزير العدل لم ينهج أسلوب الإطالة في الإجابة وهو (تكتيك) معروف يلجأ له من يريد أن يلعب في الوقت الضائع فيضيع الوقت المتاح للأسئلة بإطالة الإجابة وهو ما لم يفعله الوزير العيسى، بل فعله بعض من سألوه وذلك بمقدمات تقليدية ليست ضرورية ولا يستوجبها الظرف وتحتسب من وقت سائل آخر وليس أدل على هذا النوع من سؤال إحدى السيدات عندما استلمت (الميكرفون) من القسم النسوي مباشرة وبدأت بمقدمة طويلة هي أشبه بمقدمات خطب الاحتفالات الرسمية في السبعينيات.
ومع أن مداخلتي كانت الأخيرة وكاد الحوار أن ينتهي قبل الوصول إليها إلا أنني أشهد بأن الدور كان هو الحكم إلى درجة أن أحد المحامين شعر بأن دوره لن يصل فرفع الصوت مطالبا بحقه في السؤال وأخبر بأن دوره قادم وأخذ الدور رغم أن نبرة مطالبته كانت عالية توحي بسؤال من شخص غاضب قد يتردد كثر في منحه الميكرفون في تلك اللحظة وذاك الظرف.
أعتقد أن إدارة الحوار كانت رائعة ومنحت الفرص للجميع حتى القسم النسائي عندما تعطل التواصل المباشر معهم منحوا حلا بديلا سريعا عن طريق الفاكس وعلينا أن لا نجهض هذه المبادرات في مهدها فنحن في أمس الحاجة للتحاور مع مسؤول صريح لا يمارس تكتيكا ضد سؤال عاقل وفي حاجة للقاءات المفتوحة في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة التي تحسب لهذه الجامعة رغم أنني أراها ترهق مديرها المخلص المتابع الحريص معالي الدكتور محمد العقلا؛ لكنه وعلى ما يبدو من الرجال الذين يتلذذون بالتعب من أجل الوطن والمواطن أكثر الله من أمثالهم.
الوزارة والإسقاط
تباهت وزارة الشؤون الاجتماعية في «عكاظ» يوم الجمعة الماضي بإتمام ارتباطها آليا مع الأحوال المدنية والتأمينات الاجتماعية والتقاعد والجوازات لمعرفة معلومات عن المشمولين بالضمان الاجتماعي وحدوث تغيرات على أحوالهم تخرجهم من دائرة الضمان، والأمثلة التي أوردها الخبر -حسب ترتيب الجهات المذكورة أعلاه- هي نقص عدد أفراد أسرة المستفيد بزواج البنات أو بلوغ الأبناء السن النظامي واكتشاف أن المستفيد ما زال على رأس العمل أو وجود دخل شهري من التقاعد يفوق الحد المانع لمعاش الضمان الاجتماعي أو وجود عمالة على كفالته بمهن تجارية، واستدركت الوزارة فأشارت إلى أن نظام الضمان الاجتماعي يعتمد في شمول المواطنين على البحث الميداني للتأكد من أحقية المستفيد من خدمات الضمان إضافة إلى نظام الربط الآلي المذكور.
وواضح جدا أن هذه الوزارة ترى أن دورها يقتصر على إسقاط غير المستحقين للضمان والتأكد من أحقية المشمولين حاليا، فرغم دقتها في صياغة الخبر وحذرها الشديد إلا أنها لم تتطرق مطلقا لأي نظام بحث، لا آلي ولا يدوي، عن المستحق الذي لا يسأل الناس إلحافا، ولا ذلك المستحق الذي تقدم ورفض وجلس يحتسب إلى الله في بيته وربما تغيرت ظروفه وزال سبب رفضه، فهؤلاء لا يهم الوزارة تغير أحوالهم وزيادة أعبائهم وزيادة أفراد أسرهم وطلاق المتزوجات من بناتهم وفصل الموظف من أبنائهم.
متى تشعر هذه الوزارة أن صميم عملها هو أن تكون في صف المجتمع وأفراده وشؤونه، لا مجرد خصم يضع العراقيل أمام حصوله على حق كفلته له الدولة -أعزها الله- وأن الأصل هو أن الفقير مستحق للضمان إلى أن يثبت العكس وليس محروما منه إلى أن يتوسل أو يتوسط أو يعلم عنه أهل الخير فيعيش على صدقاتهم؟!.
نحن لا نعترض على تطوير آلية كشف غير المستحق وإسقاطه، ولكن نجزم أن الأهم منها هو تطوير آلية معرفة المستحق وشموله بالضمان وهذه غير متوفرة حاليا، بل إن الآلية الحالية معقدة وبيروقراطية بطيئة ومذلة.
وغني عن القول إن بلوغ الابن لا يعني الوظيفة، وزواج البنت لا ينفي عدم التعليق أو التطليق وبقاءها عبئا على أسرتها، ووجود معاش تقاعد لا يعني أنه كاف حسب عدد أفراد الأسرة وحالتها وسكنها بإيجار مرتفع، فهلا طورت هذه الوزارة آلياتها الإلكترونية ووضعت حساسات شم كيميائية لتثبت لها أن بعض البيوت لا يطبخ فيها الزاد أياما عديدة ليس لأنها تطلب من مطاعم فاخرة، لكن لأنها لا تجد ما تشتري به قوت يومها.
جربوع سمر وضب الفساد
تذكرت قصة طريفة جدا سأرويها لكم في آخر المقال ذكرني بها اكتشاف الفساد المالي أو الإداري في بعض مؤسساتنا بطريق الصدفة أو بعد التحقيق في حادثة غير ذات علاقة أو عند وقوع مشكلة تثيرها الصحافة، فتحاول الجهة المعنية تقصيها لإيجاد ثغرة للرد أو النفي فتكتشف فسادا أكبر من أصل المشكلة ثم تكبر المشكلة وتتدخل هيئة الرقابة والتحقيق فتجد فسادا أكبر وأكبر مما يدل على أن الرقابة يجب أن تكون تلقائية، دورية، مستمرة ودائمة بدون مناسبة وبدون سبب لا صغير ولا كبير.
أقصد أن الجهات الرقابية لو مارست البحث والتقصي بشكل دوري ومفاجئ على جميع الجهات في جميع الأوقات وبدون مناسبات لكانت اكتشفت الفساد في جمعية حماية الأسرة مثلا دون أن تهرب سمر بدوي، بل إن وزارة الشؤون الاجتماعية نفسها، لو كانت جادة في الرقابة على المؤسسات التي تتبع لها بمثل جديتها في إسقاط المستحقين للضمان الاجتماعي إلكترونيا بمجرد ملاحظة أي تحسن طارئ ومؤقت في معيشتهم، لكانت اكتشفت إلكترونيا أيضا أمر مشاريع التنفيع في جمعية حماية الأسرة وغيرها من المؤسسات والأقسام التابعة لها دون حدوث حادثة هرب سمر بدوي.
أما القصة الطريفة التي ذكرتني إياها سمر (الله يذكرها الشهادة) عندما هربت ليتسبب هربها في خروج فضائح أكبر فهي موقف واقعي حدث لمجموعة من الأصدقاء في زمن شبابنا، حيث كانوا من هواة صيد (الجرابيع) ليلا عن طريق ملاحقة الجربوع تحت ضوء السيارة ثم الإمساك به برمي الشماغ ــ وأحيانا الثوب ــ عليه واعتقاله ثم إطلاقه في الغد، فالأمر مجرد لعبة مسلية وأثناء ملاحقتهم لأحد الجرابيع دخل الجربوع صدفة في جحر كبير وما هي إلا لحظات وإذا بعكرة ضب تخرج ببطء من الجحر ويستمر الضب في الخروج متراجعا للوراء (ريوس) حتى اكتملت عكرته (العكرة هي الذيل) فأمسكوا بالعكرة المتينة (الراهية) وأخرجوا ضبا سمينا غافلا ما كان ليخرج أو يعلموا عنه لولا دخول الجربوع ثم سلطوا الضوء على الجحر فخرج الجربوع (الضب لا يطيق دخول القوارض لجحره فيخرج والجربوع يخرج بمجرد مشاهدة الضوء)، يقول: عدنا بصيد ثمين غير متوقع فصيد ضب بهذا الحجم يحتاج إلى حفر قد يستغرق أياما، ووضعنا الضب والجربوع في كرتون محكم كبير ويحلف غير حانث أن الضب يكون هاجدا والجربوع كذلك ثم كلما تذكر الضب أنه كان آمنا في جحره وأن الجربوع هو السبب في القبض عليه ضرب الجربوع بعكرته ضربة تقذفه بعيدا وتهز (الكرتون) فنضحك حتى الاستلقاء.
فساد حماية الأسرة ليس فسادا!
من وجهة نظري فإن تهم الفساد التي تحقق فيها هيئة الرقابة والتحقيق فيما يخص جمعية حماية الأسرة بناء على 21 ملاحظة رصدتها لجنة التحقيق حسب (عكاظ) أول أمس الخميس ستنتهي بالبراءة، أما لماذا فلأن الملاحظات تشتمل على تعميد مؤسسة إعلامية بإنتاج فيلم بمبلغ 300 ألف ريال لصالح زوج ابنة رئيسة الجمعية وإسناد ترميم المبنى لشركة مقاولات دون مناقصة بـ 500 ألف ريال لصالح زوج الرئيسة، وهذا لا يعتبر فسادا بل هو من صميم عمل جمعية (حماية الأسرة) فالرئيسة (إذا ثبت ذلك) قامت بحماية أسرتها فنفعت زوج ابنتها وزوجها وهذا من (الحماية الأسرية) فليس أهم في الأسرة من الزوج وزوج البنت فبحمايتهما وضمان مستقبلهما تحمي أجيالا من الأسرة، إذا وعلى وزن (الخلل ليس خللا) فإن هذا الفساد ليس فسادا!!.
أيضا، أداة الفساد أو المشروع الذي أسند بطريقة فاسدة هل كان من الصعب اكتشافه أو حتى التساؤل عنه والريبة حوله؟!، فبعض الترسيات بطرق (تنفيعية) تنتهي بحصيلة أو بثمرة، صحيح أنها مكلفة لكنها تبقى ضمن البنية التحتية، ولكن ذلك (الفيلم) الذي كلف 300 ألف (وبالمناسبة نحن في عصر موضة الصرف على إنتاج أفلام تلميعية سبق أن حذرت منها) ما عساه أن يصور في جمعية حماية الأسرة هل صور كيفية هروب نزيلة الدار سمر بدوي ولماذا هربت؟! أم أنه صور كل شيء على أنه (تمام) أم أنه لم يصور أصلا؟!، لأن الأصل في عمل مثل هذه الجمعية هو السرية التامة فليس ثمة ما يمكن تصويره حتى على مستوى الإنجازات إن وجدت، ومشروع الترميم ماذا حقق؟! هل جعل المبنى أكثر ملاءمة وتحقيقا لأبسط المتطلبات الإنسانية؟!، لو فعل لما هربت سمر وقبلها الكثيرات.
أي أن السؤال الأهم هو هل كان من الضروري أن تهرب سمر لتكتشف وزارة الشؤون أو غيرها فسادا في إحدى مؤسساتها؟!، لماذا نحن دائما غافلون أو صامتون أو ساكتون (هذه بالمناسبة بندقية كنا نصيد بها العصافير) أو للطرف غاضون إلى أن تحدث فضيحة إنسانية لنبدأ النبش في مشاريع إنتاج الأفلام والترميم وغيرها من الفرص الملائمة للفساد، عفوا أقصد خطوات حماية أسرة المسؤول، فمثل هذه المشاريع التنفيعية يجب أن تكتشف برقابة صارمة ودون حدوث مصيبة ولو فعلنا لوجدنا أن من يمارسون حماية أسرهم كثر.
وقفات أسبوع الإجهاض بكرة طائشة
** يدعي أن شريحة من المجتمع تحاكم النوايا وتعتمد على الشك والريبة ثم يخرج بعد ساعات بتصريحات غريبة مدعيا أن كل الجهات تعيق إصدار ما يمنع زواج القاصرات لأن القائمين عليها أغلبهم من تيار لا يريد المنع، فمجلس الشورى في نظره يسيطر عليه ذات التيار وهم لا يريدون صدور النظام، والقضاء كذلك وحقوق الإنسان يغلب عليها ذات التيار ويتعمدون إعاقة الموضوع، أي أنه حكم على نوايا ثلاث جهات مستقلة مدعيا أنها تدار بالأهواء والنوايا، هذا المتعطش للأضواء ألا يحتفظ بسجل لتصريحاته بحيث لا تتعارض، وهل فات عليه ــ وهو المؤرخ ــ أن يمر على المقولة التاريخية (لا تنه عن خلق وتأتي بمثله ،، عار عليك إذا فعلت عظيم).
** سبق أن حذرت من أن مضمار المشي الرئيس في الرياض والمسمى (شارع الحوامل) سيشهد حالة إجهاض سببها كرة طائشة من الشباب، الذين رغم أن أمانة مدينة الرياض وفرت لهم الملاعب النظامية داخل الأحياء إلا أنهم يصرون على لعب الكرة وسط المضمار وبين المارة، لكن الكرة الطائشة خالفت ظني فقد ضربت منطقة أسفل الحوض لرجل ممن يمارسون المشي فسقط يتلوى، وأعتقد أنه لا فرق في النتيجة بين ضرب الكرة لامرأة أو رجل، ففي الأولى إجهاض وفي الثانية عقم!!، والمهم هو من هي الجهة المسؤولة عن وقف السلوكيات المخالفة للغرض من مثل هذه المنشآت؟! أم أن من أنجز شيئا يجب أن يراقب سلوكيات الناس فيه؟! مع عدم منطقية ذلك ماليا لأن الاعتمادات المالية للمشروع لا تشتمل على مبلغ مخصص لرقابة حسن استغلاله سلوكيا وإن كانت تشمل الصيانة أحيانا.
مرتبة القرف الأولى
كلما شاهدت محاولة لتحطيم الرقم القياسي لموسوعة غينيس في المطبوخات أو المعجنات أو أي نوع من أنواع الطعام رثيت لحال من يشاهد المحاولة من الفقراء، ولا تقل لي إن الفقراء ليس لديهم وسيلة المشاهدة والمتابعة فالمشكلة أن وسائل إغاضة الفقراء تزداد يوما بعد يوم وأن الفقراء العاجزين عن إيجاد قوت يومهم لم يعد وجودهم مقتصرا على الدول الفقيرة أو المناطق المنكوبة أو أن تواجدهم محصور في الأحياء الفقيرة، فهم موجودون في دول غنية ودول فاحشة الثراء ودول متقدمة ومناطق محظوظة (غير منكوبة) ويتواجدون في الأحياء الغنية بحثا عن دخل يشترون به قوت يومهم ويجوبون الشوارع الرئيسة والأسواق والمراكز التجارية جنبا إلى جنب مع الأغنياء وهذا معناه أنهم يشاهدون ما يشاهده الغني، لكنهم لا يملكونه ولا يمكنهم الحصول عليه.
هم يشاهدون محاولة تحطيم الرقم القياسي لموسوعة غينيس في الأطعمة عبر شاشة تلفاز ضخمة في ميدان راق في إحدى المدن، وهم يشاهدون تحطيم الرقم عبر الزجاج الخارجي لمطعم وجبات سريعة شاشات تلفزيوناته تغطي كل الاتجاهات ورائحة طعامه تشمها قلوبهم قبل أنوفهم فلا هم حصلوا على الطعام ولا سلموا من قهر مشاهدة تبذيره في محاولة تحطيم رقم الموسوعة.
وحتى لو بقي الفقراء في عششهم فإنهم سيشاهدون صور محاولة تحطيم الرقم في ورق الصحف التي تصلهم ليس لأنهم مشتركون ولكن تدخل بيوتهم حاملة بقايا طعام!!.
وكعادتنا نحن العرب في محاولة تحطيم الأرقام القياسية في الإسراف فإن جل المحاولات لتحطيم رقم الطهي محاولات عربية فمن رقم (غينيس) في عدد الفلافل إلى الحمص ثم أكثر كمية شوربة وأكبر كيكة ثم أضخم قدر أرز، ودائما ينجح العرب في تحطيم رقم الإسراف وقبله ينجحون وبامتياز ومرتبة القرف الأولى في تحطيم قلوب فقرائهم الذين يتابعون الحدث، والمشكلة أن أكثر الدول تباهيا بهذا السفه والتبذير سبق أن جربت الجوع أو الحروب أو الأزمات أو الحصار وعرفت يوما ما قيمة الغذاء والأمن الغذائي لكنها لم تعرف قط قيمة الإنسان، ناهيك عن قيمة مشاعره.
مسؤول حكومي ومسؤول خاص وبقاء الأصلح
لاحظت أن المسؤول الكبير في القطاع الخاص ذي العلاقة بالجمهور والعملاء من عامة الناس وخاصتهم، يكون على درجة عالية من الاهتمام بخدمة الناس وحرص شديد على رضاهم وتجاوب كبير مع مطالبهم يفوق حرص صغار موظفيه، فهو يرد على (تحويلة) هاتفه عند أي اتصال وفي أي وقت وإذا كان الطرف الآخر صاحب شكوى فإن المدير يتفاعل مع شكواه ويحرص على حلها بنفسه ومتابعة موضوع الشكوى حتى النهاية مع أنها هاتفية وليست شكوى منشورة في الصحف، والمسؤول في القطاع الخاص مهما ارتفع شأنه وبلغ منصبه يفتح أبوابه للمراجعين وطالبي المقابلة والمشتكين في كل وقت، وأحيانا يخرج لهم حتى من اجتماعاته بصرف النظر عن جاههم أو مركزهم الاجتماعي أو منصبهم الوظيفي، ويتفاعل فوريا مع الشكوى أو الطلب حتى يصل إلى عذر مقنع وحجة مقبولة من موظفيه أو استجابة فورية وإنهاء للمشكلة إذا كان الحق للمشتكي.
في المقابل فإن المسؤول الحكومي بمجرد توليه المنصب والمسؤولية فإن أول ما يبادر بإنشائه هو جدار عازل عن الجمهور، يتكون من مدير مكتب معروف بالتصريف وسكرتير مشهود له بالقدرة على التمثيل والحلف والزحلقة، وبذلك فإن المسؤول الحكومي يدعي تحديد ساعات مقابلة الجمهور ولا يلتزم بها، وإن التزم بها فأغلبها لمقابلة صحافيين، وإن حدث وصاح مواطن بالصوت الرفيع وأزبد وهدد بالشكوى لولاة الأمر أو الصحافة فإنه يحظى بالدخول، لكنه لا يخرج لا بإقناع ولا بسرعة حل، ويختلف المسؤول في القطاع الحكومي عنه في القطاع الخاص في محاسبة الموظفين الصغار وتأديبهم؛ فالأول لا يهتم بالشكوى عليهم وإذا كانت شكوى منشورة في الصحف فإنه يدافع عنهم ويوجد الأعذار لهم، بل يربيهم على عدم الصدق بأن يلقنهم حجة واهية منشورة في الصحف يقرؤونها مثل غيرهم، لأنه بذلك يدافع عن نفسه ويوهم الآخرين ممن يطلعون على الصحف بأن الأمور تمام، بينما الثاني في القطاع الخاص يحرص على محاسبة موظفيه جهرا وسرا ويبادر بالتحقيق في الشكوى ويتابع مجرياته، فإن صدقت اعتذر للشاكي وعاقب الموظف وإن كذبت وهي منشورة في صحيفة قاضاها على عيون الأشهاد.
أما لماذا الفرق؟ فلأن المسؤول الحكومي يعتقد أنه لا يسقط إلا بفضيحة مجلجلة، أما المسؤول في القطاع الخاص فيدرك أن بقاءه مرهون برضى الناس وبنجاحه في عمله.
وغني عن القول إن هذه المقارنة تنطبق على البعض وليس الكل ولا يجوز فيها التعميم، ولكن ألا يجدر بنا الاستفادة من القطاع الخاص في طريقة التعامل وطرق المحاسبة ورضى الجمهور؟!
بين كارثة جلاجل ورمح الحصمة
كلما قرأت خبرا عن سقوط سقف مدرسة أو حدوث تشققات فيه أو تساقط قطع من الأسمنت على رؤوس الطالبات، وجميعها نذر انهيار كامل للسقف أو المدرسة، تذكرت حادثة انهيار مدرسة جلاجل في منطقة سدير، وهي الحادثة التي ذهب ضحيتها 17 زهرة وأصيبت أخريات، فهزت المجتمع بأسره، بل العالم من حولنا، ونظمت فيهن قصائد الرثاء (أشهرها بحكم قوتها وقائلها قصيدة لغازي القصيبي ــ رحمه الله)، وكتبت المقالات وعم الحزن والندم حيث لا ينفع الندم.
حدث ذلك منذ أكثر من ثلاثين عاما دون سابق إنذار إعلامي ولا تحذير صحافي، وإني أتساءل: هل طالبات مدرسة جلاجل كن أقل حظا لعدم وجود إعلام فاعل شفاف لينذر بقرب الخطر، أم أنهن كن أسعد حظا فأصابهن الحدث فجأة ودون توجس أو خوف يومي، مثلما يحدث اليوم مع عدة مبانٍ مدرسية آيلة للسقوط، وترسل نذر سقوطها كل يوم بسقوط قطع أسمنتية أو حدوث تشققات أو ميلان سقف أو انحناء عامود، أعتقد شخصيا، وبحكم ما نشاهده اليوم من عدم تحرك مع نذر الخطر ومؤشرات قرب وقوع الكارثة، أنه لا فرق، بل إن الحادث الفجائي أرحم، خاصة على صغيرات قلوبهن الهشة البريئة لا تتحمل الرعب اليومي وتوجس حدوثه، طالما أن أحدا لن يرحمك ويسعى لانتشالك من الرعب، وقديما قال المثل الشعبي في منطقة سدير التي تقع فيها جلاجل، حيث حادثة مدرسة البنات الشهيرة قال: «رمح تزرق به ولا رمح توعد به»، أي أن تطعن بالرمح فجأة خير من أن توعد بالطعنة.
وأنا أطالع خبر تساقط قطع أسمنتية وخشبية على رؤوس طالبات مدرسة الحصمة الابتدائية والمتوسطة للبنات في قرية الحصمة شرقي منطقة جازان، المنشور في هذه الصحيفة الغراء «عكاظ» أمس الأحد، وما روته الطالبات والمعلمات من حالة الرعب والذهول من سقوط قطع السقف على رؤوسهن، وخرير ماء المطر على دفاترهن، وتحول الفصول الدراسية إلى برك ماء تتلف المقاعد واللوحات، وإضافة من عندي أنها تنذر بخطر امتزاج الماء بالكهرباء (إن وجدت) لتحدث الصدمة الكهربية الكبرى، ثم وأنا أصل في قراءتي إلى تصريح مدير الإعلام التربوي في جازان معلقا على حال طالبات ومعلمات هذا المبنى المستأجر بالقول «عليهن الانتظار إلى حين الانتهاء من المبنى الجديد»، تمنيت أن الأمر بيدي لكنت طلبت من كل موظفي إدارة التربية والتعليم في جازان نقل مكاتبهم لتلك المدرسة، وأن (يداوموا) فيها لحين انتهاء المبنى الجديد، على أن يكون أكثر الفصول الدراسية تضررا وتساقطا للأسمنت وخريرا للماء مكتبا، ليس لمدير الإعلام التربوي، بل للمدير العام، فما ذلك إلا ناطق رسمي يقول ما يمليه عليه المدير.
أعتقد أنه في غياب التجاوب، لا فرق بين غياب النذر الإعلامية في كارثة جلاجل وتوفرها في الرمح الموعود لمدرسة الحصمة، والفرق الوحيد هو غياب شاعر فحل هو غازي القصيبي الذي قال ــ رحمه الله:
بسط الموت يا جلاجل كفيه ..
فماذا أعطيته يا جلاجل؟
كل هذي الزهور؟ ما أفجع الزهر ..
صريعا على نيوب المناجل!
كل هذا العبير من طيب مريول ..
ومن خفقه الصبا في الجدائل؟
كل هذا الجمال؟ ما رأت الأحلام ..
أبهى مـن الصبايا الغوافل
مسؤول شديد الامتصاص
استغرب الأستاذ الفاضل حمد القاضي في جداوله في جريدة الجزيرة أمس السبت، تصريح مسؤول كبير في وزارة التجارة في صحيفة المدينة، عندما برر زيادة الأسعار وجشع التجار، وأكد أن ذلك يعود إلى التباين الملموس في الأسعار في طرق الحصول على السلعة وفروق الإيجارات بين المحال، وأن المملكة تتبع سياسة السوق الحر، وزداد الأستاذ حمد القاضي دهشة أن ذات المسؤول بدلا من طمأنة المستهلكين بأن الوزارة تراقب الأسعار، فقد أوكل ذلك إلى جمعية حماية المستهلك قائلا بالحرف الواحد «إن الوزارة لن تتدخل في تحديد الأسعار» ودعى المتضررين إلى الشكوى لجمعية حماية المستهلك عبر رقمها المجاني.
أقول لأبي بدر لا تستغرب ولا تندهش يا أستاذنا فنحن نعيش ــ على ما يبدو ــ في حقبة البراءة من المسؤولية بالتبرير والوقوف في صف التاجر ضد المستهلك الفقير، فقد أصبح التهرب من المسؤولية وتبرئة النفس والمنصب منها أمر شائع للأسف، حتى أكاد أن أشعر أن سبب الغبار الكثيف الذي يجتاح مدننا، ناجم عن نفض كثير من المسؤولين ثيابهم و(بشوتهم) للتعبير عن تبرئة أنفسهم من المسؤولية، وكأن الكرسي وما صاحبه من مرتبة ومميزات و(إكسسوارات) من بشوت وصور وبروز إعلامي وشرهات هي حق مكتسب لا علاقة له بالمسؤولية، وكأن (البشت) درع واقٍ من المسؤولية والعقال تاج البراءة منها.
أما التبرير للتجار وكبار المستثمرين فقد أصبح وسيلة علاقات عامة وكسب ثقة وتأييد من يفيد تأييده، وهو أمر شاع هو الآخر، فقد أصبح مسؤول التجارة يبرر للتاجر جشعه ومسؤول الزراعة يبرر للمزارع احتكاره ومسؤول الصحة يبرر للطبيب أخطاءه، بل إن بعض التبريرات جاءت استباقية وقبل المصيبة بمدة؛ فارتفاع أسعار الشعير مثلا تحدثت عنه الزراعة ومهدت لحدوثه فكان لا بد أن يحدث حتى لو انتفى تبرير حدوثه.
أشاطرك الدهشة أبا بدر وأستطيع فهم غضبك من تصريح مسؤول التجارة، وأشهد ــ وأنا أحد قرائك الدائمين ــ أنني لم اقرؤك غاضبا مثل أمس ومعك كل الحق فقد مللنا التبرير والتسويف والتصريف إلى درجة أن مسؤول التجارة يريدنا أن نشتكي لحماية المستهلك وهو للتو قال (إن الوزارة لن تتدخل) وإذا كانت الوزارة لن تتدخل فما فائدة الشكوى لحماية المستهلك التي لو افترضنا أنها جمعية فاعلة فهي سترفع الأمر لوزارة التجارة التي لن تتدخل!
إذا فهو مجرد تسويف وامتصاص غضب حتى لا (يطفح) الكيل وتبتل الوزارة بماء اللوم، أي أن المسؤول مجرد وسيلة حماية شديدة الامتصاص.
