الكاتب: محمد الأحيدب

«الفيد باك» باح

إضافة إلى كونه احتراما لرأي ذوي العلاقة والممارسين والمباشرين للخدمة، فإن أخذ رأي الممارسين وتسجيل انطباعهم قبل اتخاذ قرار يخص مجال عملهم أمر يقلل الأخطاء في اتخاذ القرار ويعين على تسهيل تنفيذه وتلافي العثرات التي قد تعيقه والسلبيات التي قد تنجم عنه ومن ثم نجاحه.
نحن نعاني كثيرا من عدم احترام وجهة نظر الممارس والإهمال التام لعنصر تسجيل الانطباع لعدد كبير من الممارسين قبل اتخاذ القرار في شأن يخص مجال عملهم اليومي مع أنهم أدرى الناس بظروفه وسبر أغواره وخفاياه والأقدر على إيجاد الحلول لمشاكله حسب قدرات كل فرد منهم ودرجة تفكيره، لكن المؤكد أن أخذ رأي عدد كبير منهم قبل اتخاذ القرار وتطبيق الإجراء ثم تسجيل انطباعهم حوله بعد فترة من التطبيق التجريبي أمر بالغ الأهمية لكننا لا نعيره أدنى اهتمام.
الإداري (غير الممارس) عندنا هو من يرأس فيما لا يعلم ويقرر في شأن لم يمارسه مطلقا أو مارسه في عصور مضت وظروف اختلفت وهو يعتبر قراره صائبا حكيما صحيحا مناسبا لكل الظروف وهو لم يعايش الظروف.
في كل أنحاء العالم ــ المتقدم طبعا، والناجح فعلا ــ يتم إجراء الدراسات المكثفة قبل اتخاذ القرار في شأن مهني وفي كل شأن ومن ضمن أهم هذه الدراسات الاستباقية تسجيل الانطباع (فيد باك) للممارسين حول ما سيتم إجراؤه من تغيير قبل اعتماده ثم تسجيل الانطباع حوله بعد فترة من التطبيق، لذا فإن القرارات غير المرتجلة ولا الفردية يحالفها النجاح وانسيابية التطبيق وأقل نسبة من الاعتراضات التي تمثل حالات خاصة جدا، أما عندنا فإن الحالة الخاصة هي السائدة والتي تمثل وجهة نظر المسؤول الإداري سواء كان الوزير أو المحافظ أو المدير العام ومن حوله من مستشارين من فئة (الشور شورك)، أما ذوو الاختصاص والممارسة على أرض الواقع وفي الميدان فهم من يدفع ثمن القرارات المرتجلة.
اسألوا المعلمين والمعلمات وأساتذة الجامعات والأستاذات والأطباء والطبيبات والصيادلة والصيدلانيات والمهندسين والمهندسات والممرضين والممرضات والمراقبين والمراقبات وموظفي الجمارك والموظفات والميدانيين والميدانيات والمتقاعدين والمتقاعدات وجميع فئات الموظفين والموظفات الأحياء منهم والأموات إذا كان قد أخذ لهم رأي في أي قرار يخص عملهم من القرارات.

عطنا المراسل والمصور

المراسلون الصحافيون ينقلون لنا الجيد من أخبار المديرين والمسؤولين عبر علاقة حميمة مع فريق العلاقات العامة للمؤسسة وأحيانا تكون علاقة المراسل مع الوزير أو المحافظ أو المدير أقوى وأطول امتدادا من علاقته مع مدير العلاقات، وأجمل الأوقات وأكثرها مرحا تلك التي أقضيها مع المراسلين سواء عند زيارة الصحيفة ــ أي صحيفة ــ أو خارجها.
ما ينقله المراسل الصحافي عبر الصحيفة يختلف عما يقوله خارجها، فهم بحكم عملهم الميداني واطلاعهم القريب لديهم مخزون هائل من المواقف الطريفة والغريبة والعجيبة وأحيانا المخجلة.
يروي أحد المراسلين نقلا عن مدير العلاقات العامة أن أحد المسؤولين عاد أدراجه من مسافة طويلة قطعها بهدف القيام بزيارة (مفاجئة) للإطلاع على أحوال القطاع في منطقة بعيدة، أما سر عودته فيعود لعلمه أن الصحافة لم تتم دعوتها للزيارة (المفاجئة) بحكم كون مدير العلاقات جديد لم يفهم بعد أن الزيارة المفاجئة تكون معلومة وأول من يحضرها المصور والمراسل.
ويقول آخر إن أحد المديرين كان متوجها لحضور حفل تكريم لعدد من كبار وصغار موظفي مؤسسته، وإن الحضور كانوا في قمة فرحهم وغاية سرورهم لمقدم المدير إلى منطقتهم البعيدة عن المقر الرئيسي للالتقاء بهم وتكريمهم، لكن المدير وبعد تلقيه خبرا غير سار عاد أدراجه بعد أن قطع نصف المسافة أما الخبر التعيس فلم يكن وفاة قريب أو حبيب بل كان خبرا نقله مدير العلاقات العامة المتواجد في الموقع الذي أجاب بالنفي على سؤال المدير عن تواجد مراسلي الصحف فعاد ليسأله ولا مصور، قال ولا مصور فأمر المدير سائقه بالعودة من أول مخرج وأخرج مدير العلاقات من منصبه من أقرب مخرج!!.
ويروي بعض المراسلين المرحين كيف أن الرسائل تصلهم عبر موظفي العلاقات بسؤال الوزير أو المحافظ عن شأن يريد هو أن يسأل عنه أما إذا كان المراسل أقرب إلى المسؤول من مدير العلاقات فإنه شخصيا يهمس له قائلا «اسألني عن المشروع الفلاني»، أما المراسلون الأكثر مرحا فيقولون إن الأسلوب تطور و(طالت وشمخت)، فقد أصبح فريق العلاقات يلقن المواطن أو المستفيد من الخدمة سؤالا أو جملة يقولها للوزير.
مراسل خفيف دم أحبه كثيرا لقدرته على التعايش مع الجميع بحكم لطفه يقول إنني حضرت لتغطية مناسبة وعند السلام على المدير همس في أذني «اسألني عن الحزام»، وعندما هم بالخروج اقتربت منه ومددت مسجلي وقلت (ما رأيك في ربط حزام الأمان؟!) فما كان منه إلا أن تمتم قائلا «الشرهة على اللي يوصيك، عطنا المراسل فلان».
هذه المواقف مجتمعة تطرح سؤالا هاما لا يسأله المراسلون وهو ماذا تعني الصحافة للمسؤول وهل هي سلم يصعد به ثم يركله لكي لا يصعد غيره ولا ينزل هو؟! عطني مراسل ومصور وأعطيك الإجابة!!.

لكيلا يصبح «ساهر» «زغبي» آخر

لست ضد نظام (ساهر)، ولست ضد تطبيق تقنية جديدة تساعد على فرض الرقابة، ومثلي مثل كثير من الإعلاميين تربطني برئيس مشروع (ساهر) العميد عبدالرحمن المقبل علاقة ود وتواصل.
أنا فقط ضد لي أعناق الأرقام لاستعجال النجاح وفرضه على الناس رغم قصر المدة وضعف المستند وتعارضه مع الواقع، فما أعلن من أن (ساهر) وبعد أربعة أشهر من تطبيقه خفض وفيات الحوادث 37 في المائة وعدد الحوادث 21 في المائة أمر فيه تحيز للنجاح على حساب الواقع لعدة أسباب تتعلق بأساسيات ومتطلبات الدراسة الإحصائية العلمية الدقيقة المحايدة، ومنها أن أربعة أشهر مدة غير كافية للحكم على متغير مثل الحوادث أو الوفيات فهذه المتغيرات تحتاج إلى عام كامل و(حول كامل) يدور عليها، لتتضح المقارنة مع العام السابق، ولا تكفي أربعة أشهر (هي مدة التطبيق) للحكم على التجربة، حتى وإن قيل إنها مقارنة بنفس الفترة من العام المنصرم، فنفس الفترة هذا العام لم يكن لها نفس الظروف العام الماضي، فمثلا وقوعها هذا العام في عطلة صيفية كاملة كانت الرياض فيها شبه خالية يلغي المقارنة، كما أن مرجعية الأرقام ليست جهة رصد بحثية محايدة، فهيئة الهلال الأحمر من حقها أن تنسب انخفاض الوفيات إلى نجاحها في سرعة وكفاءة الإسعاف، وليس بالضرورة عدم خطورة الحادث أو قلة الحوادث مقارنة بالسابق، كما أن انخفاض الحوادث 21 في المائة قد يعود لفارق التسجيل والمباشرة واختلاف حالة التأمين من الرخصة عامة إلى المركبة خاصة، والمقارنة العلمية هنا قد تطول، لكن الأهم هو الواقع المشاهد، وهو أن المخالفات على أرض الواقع مستمرة لم تتأثر بنظام ساهر، فلازلنا نشاهد في دائري الرياض التجاوز السريع على الكتف الأيسر للطريق ومن أقصى اليمين والانحراف السريع من مسار إلى آخر، وفي شوارع رئيسة مراقبة مثل طريق الملك عبدالله وطريق أبو بكر الصديق وطريق عثمان بن عفان لازلنا نرى سلوكيات ممنوعة كالتفحيط والتجديع واستعراضات الدراجات الرباعية الممنوعة بحركاتها الخطرة وأصواتها المفزعة، وهنا يطرح السؤال الملح بشدة (إذا كانت الرقابة لن تمنع مظاهر الاستهتار ومسببات الحوادث أو تحد منها فكيف لنا أن نحكم بنجاحها؟!).
إن أشد ما نخشاه أن يكون الاعتماد على تقنية التصوير (ساهر) قد زاد من رصد مخالفات التجاوز المحدود للسرعة، لكنه قلل من فرض النظام ومنع الاستهتار في مخالفات أخرى تحتاج إلى الرقابة التقليدية المتمثلة في تواجد الرقيب والضبط بالجرم المشهود، بمعنى أن الاعتماد على الكاميرات والركون لها غيب الرقيب المباشر والعقوبة المباشرة الرادعة، وهي الأساس في فرض هيبة رجل المرور ونظامه.
لا أدري لماذا تذكرني أرقام وإحصاءات الأشهر الأربعة لنجاح تجربة (ساهر) في الرياض بإحصائيات شركة (زغبي) في جماهيرية الأندية السعودية، التي أصبحت وصمة عار في تاريخ الإحصاء والدراسات والاستفتاءات، ربما لمحدودية عينة البحث (2000 شخص من مشتركي جوال ناد معين)، أو تحديد هدف مسبق لتحققه الدراسة وتتحيز لتحقيقه، أو عدم الإقناع بحكم التناقض مع الواقع، ولكنني لا أرجو لدراساتنا وأرقامنا ومقياس نجاحنا أن تكون (زغبي) آخر، لأننا نريد قياسا مقنعا غير عجول ولا مستعجل ولا منحاز.

وقفات أسبوع واقعي

** لو كان لدى هيئة الاستثمار رد مقنع ومقبول على النقد الموجه إليها.. رد تقتنع به الهيئة نفسها قبل غيرها، لم تكن لتصمت وتوكل أمر المرافعة عنها لكاتب أو آخر تزودهم تارة بحجة واهية وتارة بتشكيك في نوايا الآخرين. أعتقد ــ والله أعلم ــ أن استثمار الهيئة في قلم أو قلمين للدفاع عنها استثمار خاسر تماما، مثلما أن رصد الكاتب لمجمل ما يكتب عن الهيئة من نقد والرد عليه بالجملة هو تحريج على أمانة القلم في سوق الجملة وتأجير للقلم منتهٍٍ بالتمليك، علما أن تأجير الأقلام في حد ذاته تستر مكشوف في الدنيا محاسب في الآخرة.
** ماذا لو امتنعت الصحف عن نشر تصريحات التخدير التي تستهل بوعود غير موثقة بالواقع، مثل: (أنهينا) و(سنبدأ) و(أعددنا)، أو مسميات فضفاضة طويلة جدا على قامة من يدعيها فيكاد يطأها ويتعثر فيها، مثل: (استراتيجية) و(منظومة) و(إعادة هيكلة) و(خطة إبداعية)، وتركنا الأعمال تتحدث عن نفسها إن وجدت، هل سنعيش حالة ركود (لا إنجاز ولا وعود) أم حالة (إنجاز بلا استفزاز). أعتقد ــ والله أعلم ــ أن هواة التصريحات الرنانة سيموتون اختناقا، بينما سيجد أصحاب العمل الحقيقي الجاد متنفسا، ويتنفس المواطن بنسيم إنجازات حقيقية قليلة لكنها منعشة.
** نحن ندعي تحدي الصعاب وترك الهين لاعتقادنا أن الكايد أحلى، والنتيجة أننا ننجز الأصعب والأكثر تكلفة ونحرم من الاستفادة منه بسبب عدم إنجاز الهين، أريد فقط عمل بحث عن فشل السياحة الداخلية وستجد أن السبب يكمن في فشل الخطوط السعودية وعدم توفر الخدمات على الطرق، وبحث آخر عن أسباب غياب الطالبات عن الدراسة وستجد أن سوء دورات المياه في المباني الحديثة المكلفة هو السبب.
** تحت مسمى تدوير الوظائف وبحجة تغيير المراكز، يمكن لك إزالة المنافس عن الأنظار وركنه في الظل، لكن هذا لا يحقق لك الحماية التامة من الجلوس في الظل يوما، ما يحقق الحماية هو العمل من أجل نجاح الوطن لا استمرارك في الضوء وحدك.

من يدلل المدارس الخاصة؟!

كنتيجة متوقعة للإفراط في تدليل القطاع الخاص المستثمر في التعليم، جاء رد ملاك المدارس الأهلية على رفض وزارة التربية والتعليم تكديس الطالبات في الفصول الدراسية ردا يحمل غطرسة وتماديا وعدم حياء، حيث -وللمرة الأولى- قبلت المدارس الأهلية والخاصة مقارنتها بالمدارس الحكومية فجاء الرد المفتقد للحياء بالقول إن المدارس الحكومية تكدس الطالبات في الفصول، فلماذا لا تقبل أن نمارس نفس الشيء في مدارسنا الخاصة ؟!.
نفس المدارس الخاصة والأهلية كانت ترفض مقارنتها بالمدارس الحكومية في موضوع رواتب المعلمات السعوديات، وما زالت تدفع خمس ما تدفعه الدولة كراتب للمعلمة مع إعانة من صندوق الموارد البشرية!!.
نفس المدارس الخاصة والأهلية كانت ترفض رفضا باتا التشبه بالمدارس الحكومية في سعودة الوظائف التعليمية وغير التعليمية.
نفس المدارس الخاصة والأهلية كانت ترفض رفضا قاطعا مساواة ساعات عمل المعلمات السعوديات لزميلاتهن في القطاع الحكومي. الآن ورغم الرسوم المرتفعة جدا التي تتقاضاها المدارس الأهلية والخاصة من أولياء أمور أجبرتهم الظروف السيئة للبيئة المدرسية للمدارس الحكومية أو عدم توفر مدارس حكومية قريبة على إلحاق بناتهم وأبنائهم بمدارس خاصة، ورغم إطلاق يد ملاك هذه المدارس في رفع الرسوم سنويا دون مبرر، فإن نفس الملاك الجشعين يريدون أن يتشبهوا بالمدارس الحكومية في حالة التكدس وينافسوا المدارس الحكومية في سوء المباني وقذارة دورات المياه ويقارنوا مدارسهم بالبيئة السيئة للمدارس الحكومية التي ساعدت على نجاح استثمارهم، وفي ذات الوقت يحافظون على رفضهم القاطع للتشبه بالمدارس الحكومية من حيث راتب المعلمات والمعلمين وبدلاتهم وساعات عملهم ومميزاتهم وفي نسب السعودة وتوفير فرص العمل للسعوديين والسعوديات.
نفس الملاك المدللون هم من يحددون نقاط المقارنة فما هو سر هذا الدلال الجائر، هل ثمة علاقة بين المدلِلْ والمدلَل؟! أم هو شخص واحد يدلل نفسه؟!.

الأخطر من محتسب يرعب المريض

هب عدد من الكتاب والإعلاميين متجاوبا ومندفعا مع التحذير من أن بعض الدعاة والمحتسبين يذكرون مرضى السرطان والأمراض الخطيرة التي في مراحلها المتقدمة بدنو الأجل والدعاء لهم بحسن الخاتمة وتذكيرهم بتكرار ذكر الله والدعاء بالصبر والثبات، وهذه الهبة الإعلامية مقبولة ومحمودة إذا لم تكن مجرد موقف معتاد وثابت وسلبي ضد كل ما يتعلق بالاحتساب، وإذا كانت حقوق المرضى هي المستهدفة فإن السؤال الأهم هو كيف عرف الداعية أو المحتسب المجتهد بحالة المريض وأين خصوصية المريض وسرية معلوماته؟!، وكيف تسرب تشخيص حالته لكل مجتهد أو متطفل؟!، فهذه هي النواحي الحقوقية التي يجب أن تعنى بها الأقلام أما دنو الأجل فالمسلم مؤمن بأن أجله معلوم (وإذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون) ومقتنع بأنه قد يموت واقفا أو ماشيا أو وهو في أحسن حالاته أو أسوئها.
قبل تحذير المستشفيات من محتسبين يرعبون مرضى السرطان بالموت وإشعارهم بدنو الأجل لابد أولا من تحذير الأطباء من الاستعجال في تحديد التشخيص على أنه مرض خبيث قاتل، فالشكوى الأكبر اليوم هي من استعجال التشخيص وإدخال الرعب في نفس المريض بوجود ورم خبيث وخطورة حالته وحاجته للدخول في عذاب العلاج الكيميائي وآلامه وإشعاره ليس بدنو أجله وحسب بل بدخوله في معاناة مع مرض عضال ومضاعفات خطيرة رغم عدم التأكد من التشخيص، وهو ما يتضح في حالات كثر أنه غير صحيح وتشخيص مستعجل يؤدي إلى دخول الأب في حالة توديع لأبنائه وأحبابه أو يأس الأسرة من حياة شاب أو شابة أو طفل وبعد معاناة عدة أشهر يتضح من التحاليل والأشعة أو الفحص في الخارج أن الورم حميد أو ليس ورما ولا سرطانا وتبقى الآثار النفسية في الأب والأم وكافة الأسرة كابوسا لا يزول.
هذا الاستعجال في التشخيص الخطير تكرر كثيرا وأقلق مرضى كثرا وأدخل الأسرة في معاناة شديدة وهو ليس بالضرورة ذنب المؤسسة الطبية ولكن سوء تقدير الطبيب واستعجاله في تحذير المريض بأسوأ الاحتمالات كون الطبيب جاء من مدرسة أمريكية أو كندية تحتم قوانينها إطلاع المريض وشركة تأمينه وورثته على خطورة حالته خصوصا وأنها مجتمعات يحدد فيها المريض وريثه فقد يوصي بتركته لطفل تبناه أو كلب مخلص أو جار أو صديقة وهو ما لا يصح عندنا، حيث إن ديننا وشرعنا ضمن لكل حقه بدقة متناهية محددة سلفا وبالتالي فلا يوجد ما يوجب الاستعجال أو الاحتياط المبالغ فيه على حساب نفسية المريض وأهله وأقاربه وهذا هو الترهيب المستعجل غير المبرر لعدم صحة السبب أصلا.

من هشم رأسها حقا؟!

حسب خبر «عكاظ» أمس الأحد، فإن الشاب الذي هشم رأس والدته بالفأس يوم الأربعاء الماضي تم العثور عليه مختبئا في المتنزهات في جدة، واتضح للجميع بمن فيهم رجال الأمن الذين أمسكوا به أنه مريض نفسيا من واقع طريقة تعاطيه وكلامه وندمه وألمه لما حدث لوالدته، وأكد كونه مريضا نفسيا مراجعته لمصحة نفسية في جدة للعلاج أكثر من مرة.
وضع هذا المريض النفسي الذي أطلق عليه لقب العاق والمجرم والمتوحش هو وضع المئات بل الآلاف ممن يعانون أعراضا نفسية مختلفة ولم يجدوا الرعاية وحماية أسرهم من أذاهم وحماية الناس منهم وحمايتهم حتى من أنفسهم، وهذا الموضوع تحدثت عنه كل وسائل الإعلام دون استثناء وبثت حوله البرامج من قنوات التلفزيون الرسمي مرات عدة، فالإعلام لم يقصر وبرنامج 99 كان له الدور الأكبر والأكثر تأثيرا لو وجد من يتأثر!!، لكن حال هؤلاء الهائمين بقي كما هو قنابل موقوتة مهملة ممكن أن تنفجر في أية لحظة؛ سواء في رأس الأم أو الأب أو الأخت أو الأخ أو المارة.
دعونا الآن من هذا القاتل المقتول أصلا بالحرمان من الرعاية، ودعونا نحاول معا تخيل وضع الوالدة الضحية في معاناتها قبل أن يريحها من هذه الحياة التعيسة فأس ابنها الذي وقع على الرأس فتحركنا جميعا بحثا وتنقيبا كعادتنا بعد أن يقع الفأس على الرأس.
تلك الأم الضحية شأنها شأن كثر غيرها أعرفهم جيدا ويعرفهم صلاح الغيدان مقدم برنامج 99 ويعرفهم رئيس تحرير عكاظ ويعرفهم كل رئيس لتحرير جريدة تتبنى هموم المواطنين من كثرة الشكاوى، ويعرفهم أعضاء مجلس الشورى الذين يناقشون نظاما رفع ناقصا يدعى رعاية المرضى النفسيين.
أمهات كثر تورطن برعاية مرضى فصام واضطرابات نفسية وأعراض نفسية متعددة في داخل المنزل وشكون كثيرا من خطورة أبنائهن وضرورة رعايتهم في دور متخصصة وإعطائهم العلاج اللازم وعدم إخراجهم إلا بعد الشفاء التام ولم يسمع لهن أحد ولم يهب لنجدتهن أحد إلا بعد أن هشم رأس إحداهن بالفأس وفي انتظار رأس الأخرى.
قبل أن يهوي الفأس على رأس الأم الضحية لا بد أنها اشتكت وبكت وطالبت بحمايتها من فلذة كبدها؛ كونها تدرك أنه في وضع غير طبيعي لا تعرف هي له علاجا ولا كيف تتعامل معه، وليس في مقدورها العيش معه، ويفترض ألا يترك للعيش معها فترك حتى حرمها من العيش، وخرجنا نحن بكل سذاجة لنقول إنه الابن العاق، بينما العاق الحقيقي طليق يعيش في متنزهات أخرى غير التي قبض على مريض نفسي محروم من الرعاية فيها.

سفيرنا فاعل خير

يبدو جليا وواضحا من تعقيب والد المبتعث إلى أستراليا الطالب محمد السهلي المنشور في جريدة الرياض يوم الجمعة الماضي أن المبتعث السعودي محمد السهلي الذي تعرض للضرب وسرقة نقوده وأوراقه الثبوتية، بعث الله له بفاعلي خير تكفلوا برعايته أحدهم أخ خليجي تكفل بإبقائه في الفندق تحت مسؤوليته والآخر شقيق سعودي استأجر له شقة باسمه إلى أن يفرجها الله ويحصل على ما يثبت هويته ويكفل بقاءه في أستراليا لاستكمال علاجه ومتابعة حصوله على حقه.
وواضح جدا من رد الوالد المكلوم ومن تعقيب السفارة الخجول أن سفارة المملكة في أستراليا ونيوزلندا ترى أن واجبها نحو مواطن سعودي مضروب ومسروق ومجرد من أوراقه الثبوتية ينحصر في تزويده بالإثبات المؤقت، الذي يكفل عودته أدراجه إلى البلاد، أما الإثبات الذي يكفل بقاءه واستكمال بعثته وعلاجه وحصوله على حقه فهو أمر بعيد المنال إلا من فاعل خير.
ما هي حكايتنا مع التسفير كحل لكل مشكلة؟! الذي يعتدي علينا في بلادنا من خادمات أو سائقين أو مستثمرين أجانب نكافئهم بالتسفير وكأن التسفير والعودة إلى الموطن عقوبة مع أنها مكافأة للمخطئ ، وهذا ما أشرت إليه في أكثر من مناسبة، والآن فإن من يتعرض للاعتداء في بلاد أخرى من أبنائنا تعتقد السفارة أن (الفزعة) معه تكون بتسفيره وإعادته إلى الوطن مع أنه هو المجني عليه وصاحب الحق، وبقاءه حق، ومتابعته لحقه حق وتوكيل محام يضمن تعويضه وإنصافه حق وإسكانه حق، ومنحه أوراق ثبوتية تضمن له حق الإقامة والدراسة حق واتخاذ موقف حازم من السفارة يؤكد احترام المواطن السعودي ويرفع من هيبته ويردع من يفكر في الإساءة إليه حق لكل مواطن، بل حق للوطن لا منة لأحد فيه فقد أكده خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حينما شدد على السفراء قائلا احترموا المواطن السعودي يحترمه الآخرون، فهل بعد كل هذا تعتقد السفارة أنها قامت بواجبها حينما عرضت على المبتعث المضروب العودة إلى أهله، وقطع بعثته مع أول لكمة؟! وأيهما أقسى لكمة المخمورين الأستراليين أم لكمة السفارة؟!.

إنسانيتها مثبتة وغباؤهم مثبت

كلما تعلق الأمر بجهات ثلاث أو أكثر تم إلغاء الجوانب الإنسانية وحل محلها التنصل والأعذار الواهية والحجج البيروقراطية والتسابق نحو الهرب من المسؤولية إلى اللامسؤولية.
الطفلة التي نشرت خبرها (عكاظ) في صفحتها الأخيرة أمس الثلاثاء تحت عنوان (3 جهات حكومية تتنصل من إيواء طفلة) تتلخص حالتها بادئ ذي بدء في أنها إنسان طفل قاصر غير بالغ ولا عاقل مصاب بضمور في المخ وشلل كامل ويحتاج أولا إلى رعاية صحية حتى الاستقرار (حالتها حسب الخبر ساءت عند نقلها إلى مستشفى النساء والولادة في مكة المكرمة حيث تردت حالتها الصحية)، ثم يحتاج هذا الإنسان إلى رعاية تأهيلية تحافظ على قدرته على استنشاق الهواء (التنفس كإنسان)، ثم تناول الغذاء والمساعدة على الحركة المفقودة، والحفاظ على حياته التي من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا، ثم بعد ذلك يأتي التعامل مع إثبات نسب هذا الإنسان ومعرفة أوراقه الثبوتية.
الغريب ـــ غير المستغرب لدوام حدوثه ـــ أن الجهات الحكومية الثلاث جميعها تريد أن تبدأ من الأخير لتثبت أولا نسبها وأنها مواطنة، ثم تقديم الواجب الإنساني لها، وهذا وربي قمة الحمق والجهل والتنصل، الذي وطننا منه براء ومملكة الإنسانية منه بريئة، فهو سلوك فردي أقل ما يقال عنه إنه غباء ثلاثي من ثلاثة أفراد في الجهات الثلاث يجهلون حقيقة مملكة الإنسانية وإن كانوا يرددونها دون فهم.
أولا: إنسانية الطفلة مثبتة وهذا يكفل لها حق الرعاية خصوصا أنها طفلة صغيرة لا تستطيع التعريف بنفسها، ومشلولة وفي حاجة لإنقاذها كإنسان بصرف النظر عن انتمائها ومواطنتها من عدمه، وهنا وفي هذه الحالة الخاصة بالذات يجب التعامل معها على أساس افتراض أهليتها للعلاج والرعاية وليس العكس، فيفترض التعامل معها على أساس أنها مواطنة إلى أن يثبت العكس، لأنها قاصر لا حيلة لها ولا احتمال تحايل منها هي كإنسان، وبالتالي فإن الأوراق الثبوتية وإثبات المواطنة، هي آخر متطلبات التدخل وتأتي بعد الاستقرار التام للحالة والبحث عن أهلها ومن أهملها وجنى عليها سواء كان مواطنا أو مقيما.
ثانيا: لو اعتمدنا على الفكر العقيم غير العميق والمفتقد لأبسط أبجديات الذكاء نحو المسؤولية والمنطق في التعامل، والذي يركز على الهوية والثبوتية أولا، فإن أي تائه هائم فاقد للوعي في الصحراء لا ننقذه ولا نقدم له قطرة الماء ولا ننقله إلى المستشفى حتى يفيق من نفسه ويزودنا بصورة من بطاقة الأحوال مع الأصل للمطابقة، وتعريف من مقر عمله، وإقرار بأنه لن يموت حتى يستكمل أوراقه الثبوتية، ونقبل بإنقاذه بعد التأكد من مواطنته وبعد أن نقتنع بأهليته للحصول على الإسعافات الأولية، أي أننا وبمنطق الأذكياء الثلاثة نحرص على استعادة الأوراق الثبوتية قبل استعادة الوعي.
الحمد لله فالعقل نعمة.

وقفات أسبوع لا يهدأ

** أظن –والله أعلم– أن بقاء سؤال عكاظ (سؤال لا يهدأ) دون إجابة لأكثر من 14 يوما أمر له علاقة بوضع صورة المسؤول مبتسما مع السؤال الذي لا يهدأ، فالبعض يهمه بقاء صورته تنشر يوميا في صحيفة عكاظ بصرف النظر عن كونها مصاحبة لنقد أو سؤال حائر ، ليت جريدتنا الغراء تجرب طرح السؤال من دون صورة أو بصورة (كاريكاتورية) غير مبتسمة للمسؤول وأجزم أن المسؤول سيسارع للإجابة.
** حتى نستشعر أهمية إنشاء الهيئات العلمية الجادة ولكي نشعر بخطورة غياب التحليل المخبري المحايد الموثوق دعونا نتخيل حالنا قبل أن تبدأ هيئة الغذاء والدواء في تحليل الأغذية والمياه والدواء هل كنا نشرب مياها ملوثة بالبروميد والمسرطنات مما رفع نسبة حدوث السرطان؟! هل كان أطفالنا يتناولون الخنافس مع حليب البودرة؟! ويرقات الخنافس مع غذائهم اليومي المجفف؟! كم من الأغذية الملوثة والمسرطنة والمشروبات الضارة ابتلعناها لغياب الرقيب الجاد؟! أظن أن الحال كانت خطيرة ومأساوية وربما لا تزال فمن يدري ما هي نسبة ما يكتشف إلى ما يمر ؟! لا بد أن تكثف الرقابة.
** خذلتني آلة التصوير الصحفية وأنا أحاول التقاط صورة للوحة سيارة نقل مدرسي عبارة عن قطعة كرتون قصها صاحبها على شكل لوحة وكتب ثلاثة أحرف غير معتادة وثلاثة أرقام بخط اليد وأخذ يسرح ويمرح في شوارع الرياض مسرعا وأنا أحاول تصويره حتى تنبهت إلى أنني لو سايرته في السرعة سوف تصور (كاميرا) ساهر لوحتي الجديدة الواضحة اللامعة وأجد المخالفة في انتظاري بينما هو سوف تلتقط كاميرا ساهر كرتونه وتحول المخالفة إلى مجهول أو إلى مسكين له رقم مشابه.