الكاتب: محمد الأحيدب

ثوب الوزير

لم يمر على الفقراء والمحتاجين للضمان الاجتماعي (لم أقل المستفيدين) سنوات سمان بلغت فيها السيولة المخصصة لدعمهم مثلما بلغته هذا العام خاصة بعد أن أمر خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ــ حفظه الله ــ بصرف مليار و 110 ملايين ريال لتوزيعها فوريا وإضافيا على مستحقي الضمان الاجتماعي.
هذا المبلغ لا شك أنه رفع قيمة ما رصد للصرف على المستحقين إلى رقم غير مسبوق وغير مستكثر على وطن يسخر ما حباه الله من نعمة لإسعاد أبنائه وإعانتهم على مواجهة الفقر والحاجة فيخلق توازنا يحفظ للفقير كرامته وللغني استقراره.
المال والمخصصات لم تعد مشكلة ولله الفضل والمنة المشكلة الكبرى تكمن في التعرف على المحتاج الحقيقي وتعريفه والوصول إليه وضمه لقائمة المستفيدين من الضمان الاجتماعي؛ لأن هذه القائمة إذا بقيت على حالها وعددها الثابت بحكم عدم سعي وزارة الشؤون الاجتماعية للبحث عن المحتاجين الذين لا يسألون الناس إلحافا فإن المبالغ والمخصصات للضمان الاجتماعي تزداد في ظل ثبات الرقم المقسوم عليه وبالتالي اقتصار التغطية على مساحة صغيرة لا تشكل رقعة الفقر الحقيقية ولا أعداد المحتاجين الفعليين، وكل هذا بسبب قصور وزارة الشؤون الاجتماعية في جزئية البحث عن المحتاج الحقيقي الذي لا يسأل ولا يطالب أو يسأل ويطالب ولكن لا يملك الإثبات الورقي الذي تصر عليه الوزارة وأوضح مثال على هؤلاء هي المهجورة والمعلقة التي لم تجد من يمنحها الورقة والمتقاعد الذي شاءت الأقدار أن يفوق عدد من يعولهم وظروفهم وإمكاناتهم قدرة راتبه التقاعدي على إعالتهم والموظف الذي لا يكفي راتبه قوت يومه وعياله.
ما ينقص وزارة الشؤون الاجتماعية هو القناعة بدور الدراسات الاجتماعية ودور الأخصائي والأخصائية الاجتماعية وبالتالي السعي مع كل الجهات المعنية لزيادة أعداد هؤلاء الأخصائيين والأخصائيات وزيادة الوظائف المعتمدة لهم في هيكل الوزارة ولو كنت في ثوب وزير الشؤون الاجتماعية لسعيت لإنشاء أكثر من كلية علم اجتماع تتبع للوزارة إداريا وتحت مظلة أكاديمية شامخة مثل جامعة الملك سعود بالرياض وجامعة أم القرى بمكة ومثلها في الشرقية والجنوبية لتتولى تخريج أجيال من الأخصائيين والأخصائيات إلى جانب إجراء الدراسات الاجتماعية في منطقتها علما أن حاجة هذه الوزارة للأخصائي الاجتماعي لا تقتصر على الضمان الاجتماعي بل كم هائل من دور الرعاية التي تفتقر لمن يفهم ويتفهم أحوال نزلائها.
نحن في أمس الحاجة لتفعيل دور الأخصائية الاجتماعية في كل شأن في حياتنا بدليل أنها لا تتواجد لا في الحوادث ولا مصائب الأسرة ولا الفقر ولا الدور الاجتماعية بالعدد المطلوب ولا لمساندة من لا سند له اجتماعيا في الفواجع والوزارة نائمة عن هذه الأدوار المهمة لاستقرار المجتمع.

وقفات أسبوع .. قالوا وقلنا

** حال المتقاعدين لا تسر العدو ولا الصديق ولا تليق بما قدموه لهذا الوطن من عطاء، ولا تليق بمقامهم كمواطنين وصلوا إلى مرحلة عمرية وظيفيا لكنهم لا يزالون مواطنين، تصوروا أن آخر الإساءات لهذه الفئة من المواطنين أن شركات تأجير السيارات لا تقبل تأجيرهم، بينما تقبل تأجير سائقهم الأجنبي (إن وجد)، وهذا يدل على أنه لا مظلة لهم تكفلهم وتتكفل بهم في مجتمع (بيروقراطي) يعتمد على التعريف من العمل.
** العكاظي الجميل الزميل خالد السليمان كتب مؤكدا أن لا أحد فوق النقد، وطالب المسؤول الذي يضيق بالنقد بأن يجلس في بيته ويرى إن كنا سننتقده أم لا، وأن انتقاد أدائه في وظيفته والمسؤولية التي أوكلت إليه حق مشروع يجب أن يمارس على الجميع، وللزميل خالد السليمان أقول إننا في هذا العهد الزاهر الشفاف منحنا قائد الشفافية والحوار الملك عبد الله بن عبد العزيز هامشا واسعا وسقفا عاليا للإسهام في الإصلاح بالنقد الهادف، وهذا أخاف من في قلبه مرض وعلى رأسه بطحاء، فأصبح يوهم الناس أنه فوق النقد أو أن له حصانة، وفي ظني أن ما نعاني منه هو إشاعة وهم الحصانة، وليس توفر الحصانة أو القناعة بأن أحدا فوق النقد.
** يقول مدير الشؤون المالية بوزارة التربية والتعليم إن الوزارة ليست ضمانا اجتماعيا، وأن إلغاء عقود معلمات محو الأمية هو تطبيق للنظام، وأنا أقول أن الأمر يتعلق بـ (توهيقا) اجتماعيا وليس ضمانا، ولا أحد يطالب الوزارة بأن تكون ضمانا اجتماعيا، ولكن يفترض أن لا تكون (تغريرا) اجتماعيا، فالأمر برمته وبأعداده من آلاف المغرر بهن لم يكن نظاميا، كما نذكره بأن الوزارة ليست دارا لرعاية المسنين أيضا.

الدفع هل يجيز الكذب؟!

منيت الصحافة السعودية منذ عشر سنوات تقريبا وحتى اليوم بسابقة خطيرة تتمثل في المادة التحريرية المرافقة للإعلان المدفوع، حيث تقدم بعض الصحف إغراء للمعلن يتمثل في منحه مساحة تحريرية لا تحمل ما يشير إلى أنها إعلان مع كل إعلان تقدمه الوزارة أو المؤسسة أو الشركة للصحيفة، وهذه المساحة التحريرية إضافة إلى أنها تنشر دون الإشارة إلى أنها مادة إعلانية، فإنها مساحة تحريرية حرة يمارس عن طريقها المعلن (الجهة الحكومية أو الخاصة) كتابة ما يريد في شكل رأي أو خبر أو تحقيق صحفي يشعر القارئ أنه جزء من مادة الصحيفة وضمن مسؤوليتها عن المصداقية وتحري الدقة، وهو في الحقيقة مادة إعلانية بحته تحتمل كل ما يحتمله الإعلان من وهم ومبالغة وتدليس يصل حد الكذب البواح والتلميع لشخص بعينه أو جهة أو الإغراء بمميزات سلعة دون غيرها أو إطراء ومديح وإدعاءات كاذبة، وكل هذا يصاغ بطريقة لا تشير إلى أنه إعلان بل تغلف تماما بغلاف المادة الصحفية، فلا يعلم القارئ أنها من إعداد الشخص نفسه وإعلان مسبق الدفع لخداع القارئ.
عدم وضع إشارة واضحة إلى كون المادة التحريرية هي في الواقع مادة إعلانية من إعداد المعلن إجراء غير مهني وغير مسبوق في صحافة العالم التي تحترم قراءها وتحترم ما ينسب إليها، فيكفي أنه نوع من تضليل القارئ وإرباكه وجعله يشعر بأن ما يقرأه هو شهادة محايدة من صحيفة منحها ثقته.
وإلى جانب عدم المهنية، فإن هذا الأسلوب يتنافى مع الأنظمة والقوانين التي تحمي المستهلك والقارئ والإنسان إجمالا من التضليل، وتركز على ضرورة تنبيه المتلقي للمادة الإعلانية، سواء أكانت بالصوت أو الصورة أو الحرف، وأنها ليست معلومة موثقة من طرف محايد، وهذا ينطبق على الخبر وتزكية النفس وادعاء الإنجازات ورصد التاريخ بهدف حماية المتلقي من جهة وإنصاف الآخرين من جهة أخرى، فالمعلن عن ذاته أو سلعته أو إدعاءاته لا بد أن ينبه القارئ إلى أنها تزكية للنفس ويترك له الحكم على هذا الأساس، لأن ثمة منافسا أو صاحب حق حقيقي أو صاحب حق تاريخي من حقه أن لا يشعر المتلقي أن الشهادة من الصحيفة ضمن موادها المحايدة، وإنما ينبه أنها إعلان عن الذات وحكم القارئ عندئذ سيكون مختلفا. إن الدفع لا يبرر الكذب والتضليل، وإلا فإنها ستكون سابقة خطيرة تفوق سابقة رقابة المعلن، وتضع مصداقية الإعلام السعودي بأكمله على المحك.

بناتنا والديك الأعرج

التطور الذي واكبنا فيه العالم المتطور فيما يخص تقنية المعلومات يستوجب أن نفي بأهم متطلباته وهو ضمان الحفاظ على السرية الشخصية للإنسان، وحماية معلوماته من التسريب عن طريق سن تشريعات واضحة وصريحة ومعلنة تحدد عقوبات صارمة على الموظف الذي يستغل توفر المعلومة المفصلة في غير شؤون العمل الذي أتاح له الإطلاع عليها وتحديد محاكم عاجلة ومرنة للبت في شكاوى الاعتداء على السرية الشخصية وتسريب المعلومات.
نحن نضع أنظمة ومتطلبات لتوفير المعلومات عن كل فرد لكننا لم نضع قوانين واضحة لحمايتها وقنوات لشكوى سوء استغلالها، فمثلا مؤسسة النقد فرضت على البنوك الحصول على معلومات تفصيلية محدثة لكل عميل، إضافة ــ بطبيعة الحال ــ إلى المعلومة الأهم وهي رصيد حسابه وبالتالي فإن أي موظف في أي بنك يستطيع (إذا أراد) أن يطلع زيدا على معلومات عبيد، وليس أمام عبيد إلا أن يشتكي لمدير الفرع ولن يتمكن من معرفة خصمه لأنه اشتكى على خصم ولن يحصل على إنصاف بعقوبة رادعة أو تعويض.
لا بد أن نفخر بأننا تطورنا كثيرا في مجال قاعدة المعلومات وسهولة الرجوع لمعلومات تفصيلية فمن مجرد رقم لوحة سيارة يمكن معرفة الكثير عن مالكها بما في ذلك عنوان منزله ورقم هاتفه ورقم هويته الوطنية، وهذه الأخرى يمكنها أن تطلعك على مزيد من المعلومات التفصيلية عن كافة الأسرة، ومن الإنصاف أن نقول أننا أيضا وفرنا ما يضمن صعوبة الدخول إلى هذه المعلومات لكننا في الوقت نفسه لم نوفر أساليب الردع والخوف من تسريب هذه المعلومة، وهذا جد خطير، وهو ما أسميه التطور الأعرج المتمثل في طول ساق التقنية المعلوماتية وقصر ساق حماية السرية.
من السهل على أي موظف تسجيل في المستشفى تسريب كم هائل من المعلومات الصحية والشخصية عن المريض بمجرد معرفة اسمه أو رقمه الطبي، وموظف البنك كذلك والموظف في الأحوال المدنية والجوازات والمرور كلهم مؤتمنون على معلومات غاية في السرية ولكن دون مقاضاة سريعة وعقوبات معلنة.
في السابق كان الشبان (الصيع) يضطرون لملاحقة سيارة صالون تحمل فتيات لفتن الأنظار، وذلك لمعرفة المنزل أو الحصول على قطعة منديل تحمل قذارة ورقما، أما اليوم فقد قلت المطاردات ليس لأن الشبان ارتقوا بفكرهم وعقلوا ولكن لأن رقم اللوحة يوفر كل المعلومات المهمة فهو رجل الديك التي تجلب الدجاجة قبل الديك، لأن ديك تقنية المعلومات أعرج .

طاش إسلامي

لا بد أن نعترف أن مسلسل (طاش ما طاش) في بداياته كان ضالة المواطن السعودي؛ ففي ذلك الزمن لم يكن هامش حرية انتقاد الخدمات ولا سقف الحرية الصحافية كافياً فكان هذا المسلسل الرمضاني متنفساً ينتقد القصور بطابع كوميدي محبوب جعل الغالبية تعقد معه موعداً، وأذكر أنني كتبت آنذاك أن طاش ما طاش بجرأة طرحه (النسبية آنذاك) سحب البساط عن صفحات الشكوى في الصحف فأصبح الواحد يقول للمسؤول (نشتكيك على طاش) بدلاً من أن يقول الصحف.
لا أظن أنني تغيرت عن ذي قبل فأنا كما أنا لم ألتح ولم أقصر ثوبي ولكنني أعتقد أن (طاش) قد تغير كثيراً وتحول من عمومية طرح هم المواطن السعودي إلى شخصنة الطرح بين شخصي طاش القصبي والسدحان والتيار الذي انتقدهما بسبب زلة في حلقة أو حلقتين تم خلالهما آنذاك السخرية من شخصية المتدين.
تطور الأمر وأصبح هم المسلسل هو تصفية الحسابات مع التيار الآخر الذي لا أسمح لنفسي بتصنيفه أو وصفه بالمتشدد لكنني أستطيع القول إنه أقل غضاً للطرف عن الزلل وأكثر دخولاً في النوايا فسمح لنفسه باستعداء فريق طاش وربما تهديدهم لأنه تيار لا يملك فرصة في الإعلام فلجأ إلى (النت) ومواقع الإنترنت مثل الوشاية شأنها في إثارة الفتنة خطير لأنها تتم بالنقل وبعيداً عن المواجهة والحوار.
رد طاش ما طاش في ربيعه الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر كان عدائياً جداً واستفزازياً جداً فافتقر للرزانة وركز تركيزاً واضحاً على تصفية الحسابات ففقد غالبية جمهوره لسببين الأول أن الوسطية استفزت هي الأخرى وهي غالبية ساحقة والثاني أن هم المواطن لم يعد هو هم طاش فأصبح ثمة إجماع أن طاش قد أفلس، ولم يكن هذا هو شعور الجمهور فقط بل حتى السدحان والقصبي ساورهما ذات الشعور فأعلنا أكثر من مرة عن توقف المسلسل أو طرحه بقالب مختلف، ولكن الفريق سرعان ما عاد لهم المواطن في طاش 17 وتحديداً في حلقة الاستثمار الأجنبي حتى وصلت به الجرأة أن شكك في عبارة (ارفع رأسك أنت سعودي غيرك ينقص وأنت تزودي) فظن الناس أن (طاش) زمان قد عاد لكن يبدو أن للسدحان والقصبي قلب جمل فقد جاءت حلقة (خالي بطرس) لتكون صاروخ كروز موجها آلياً وبالرموت للإسلام وليس لذلك التيار وحسب، لقد قلت بعد مشاهدتها أن طاش قد نقل الحرب من السخرية بالملتزمين بالدين الإسلامي إلى التبشير بخصال المسيحيين وأعتقد في تلك الحلقة أن قلب البعير أنساهم مبادئ كانوا يكررونها وهي أن السلوك شأن شخصي لا علاقة له بالهوية أو الدين (لا يحافظ الشخص على مجوهرات أبناء أخته لأنه مسيحي ولا يسرقها آخر لأنه مسلم) فتلك الحلقة بالغت كثيراً وتمادت في الإساءة لنا جميعاً كمسلمين وعادت بنا إلى طاش 15 و 16.
في حلقة الاختلاط كان ثمة شخصنة واضحة وبطريقة مؤذية وظالمة واستفزازية والرد عليها لو وجدت ذات الإمكانات الفنية والمهارات التمثيلية لدى الطرف الآخر لا يمكن أن تكون إلا بتصوير منزل فريق طاش من الداخل وسلوكياتهم الأسرية في مسلسل (طاش إسلامي) وهذا ما لا يملكه ولا يريده الطرف المستفز، اللهم استر على مجتمعنا وأطفئ الفتنة التي هي أشد من القتل.

مواطن عاري

أرجو أن لا أفهم خطأ فكلمة (عاري) هنا لا تعني أننا والعياذ بالله (من غير هدوم)، فعندما تقول عن شيء إنه (عاري) بالعامية فأنت تقصد أنه لا غطاء له أو حماية فيكون معرضا أو مجردا من غطائه، مع اختلاف الأثر والتأثير، فسلك الكهرباء العاري يكهرب ويلذع وقد يقتل من يلمسه، أما المواطن العاري فهو من يتكهرب وهو من يلدغ وهو من تقتل حقوقه.
رغم ما حققناه من تطور على عدة أصعدة، إلا أننا لا نزال غير قادرين على فرض احترام العميل والمشترك والزبون على الشركات الخدمية، التي ينعم بخدماتها المدفوعة مسبقا كل من تعامل معها في كل أنحاء العالم إلا عندنا، حيث لا حماية للعميل ولا احترام لحقوقه، وسوف أسرد بعض الأمثلة التي توضح ما أقول وإن كانت لا تبشر بخير؛ لأنها تسعد شركات تجد لدينا أكبر سوق وأضعف عميل.
في وقفات الخميس الماضي، تطرقت إلى أن شركة تقوم بالتوصيل البريدي السريع اتصلوا بي لتسليم خطاب هام ومن شخصية هامة سلم لهم قبل خمسة أيام من الاتصال، وعندما اتصلوا بي ووصفت لهم المنزل (الواضح جدا) قيل لي بالحرف الواحد (تكرم عينك بعد بكرة بالليل). وفي مقال الخميس، استغربت كيف أن التوصيل السريع لا يسلم إلا بعد يومين من الاتصال وبعد سبعة أيام من استلام الإرسالية من المرسل!!. هل تصدقون إذا قلت لكم إنه وحتى كتابة هذا المقال (السبت) لم يصل الخطاب السريع الهام المرسل من شخصية هامة ومؤثرة؟! وأنني تلقيت اتصالات من أربعة أشخاص من جنسيات مختلفة (طبعا ليس من بينهم موظف سعودي)، وكل منهم يطلب الوصف ويذكر أنه سهل جدا، ويطلب مني أن أبقى في المنزل للاستلام خلال دقائق ولم يحضر أحد؟!، وهل تصدقون إذا قلت إن ذات الشركة في دول مجاورة لا يعدو سكانها ربع سكان الرياض لا تجرؤ على مثل هذا الاستهتار.
لماذا لا ننعم بسرعة وسهولة ومصداقية الخدمات التي ينعم بها عملاء هذه الشركات، رغم أننا أكبر الأسواق في المنطقة؟! السبب واضح لأن العميل عارٍ من الحماية.
شركات تأمين السيارات أكلوا أموال الناس ولم ينفذوا التزامات التأمين، وتنقلنا من بين التأمين على الرخصة إلى التأمين على المركبة، وربما نصل للتأمين على (الدركسون فقط) دون تحقق الحقوق. التأمين الطبي هو الآخر مليء بالاستثناءات والحرمان إلى حد قد يصل إلى اشتراط عدم المرض مع أنه الأعلى رقما في العالم ولا يوجد التزام، وشركات تأجير السيارات التي أصبحت الأسهل والأكثر مرونة عالميا تمارس كل أشكال الاستقطاع والاستغلال لدينا، وموضوع الضمان (ضمان الأجهزة والسيارات وخلافه) أصبح بالنسبة لنا مجرد إغراء على الشراء وتنافس على الزبون بزيادة عدد السنوات لأن الالتزام (صفر)، وإذا كان الالتزام غير مضمون فإن الضمان مدى الحياة هو الوعد.
ألا يعني هذا أن المستهلك عندنا عارٍ من كل أشكال الحماية ومكهرب ومذبوح بكيد الشركات.

«بزنس» مع أمير

من المؤكد أن كل واحد منا يرغب في الاطلاع على الأخبار العاجلة في أسرع وقت ممكن، رغم أنها ستنشر في الصحف في اليوم التالي، بل ستنقلها قنوات التلفاز خلال ساعات قليلة وتكررها في شريطها الإخباري طوال اليوم، ومع ذلك فإن كثيرا من الموسرين وحتى ذوي الدخل المتوسط يشتركون في واحدة أو أكثر من خدمات الأخبار العاجلة عبر رسائل الجوال النصية (sms) برسم شهري لا يقل عن 12 ريالا شهريا. عدد لا يقل عن هؤلاء يدفعون نفس الرسم الشهري للاشتراك في خدمة أخبار ناديهم المفضل وتلقي بياناته ونتائجه، رغم أنها ستعلن في أقرب برنامج رياضي على التلفاز وفي كل الصفحات الرياضية على الصحف وعبر مواقعها الإلكترونية.
ذلك الرسم الشهري (12 ريالا) الذي يضاف على فاتورة جوالك هو في واقع الحال مبلغ شبه مهدر تماما، لأنك تشتري به خبرا مجانيا في الأصل سوف يبث في قنوات مجانية خلال دقائق (قديما قالوا خبر اليوم بفلوس بكره ببلاش) أما في هذا العصر فإن الخبر الذي تدفع له 12 ريالا هو ببلاش بعد دقائق.
حسنا.. أنا لا أريد أن أقطع رزق وكالات الأخبار عبر الجوال أو أنافسهم، لكنني أريد فقط أن أثبت لكم أننا لا نجيد استثمار الاشتراكات الشهرية الرمزية في فائدة مؤكدة وربح مضمون وخبر أكيد، ولاحظ أنني قلت ربح مضمون أي أن تكون شريكا مستثمرا في ما تدفع للحصول على الخبر وليس مجرد زبون يشتري الخبر المجاني بـ(12 ريالا) بل مساهم بالمبلغ الذي تدفعه (أيضا عبر الجوال) وتحقق ربحا مضمونا والحصول على خبر مؤكد، ليس هذا فحسب، بل إن هذا لاشتراك عبر رسائل الجوال يتيح لك معرفة أخبار غاية في السرية والغموض لا تجدها في الصحف. هذا الاشتراك أنا أحد مندوبي الدعاية له، ولتسمح لي (عكاظ) أن أستغل زاويتي (بصوت القلم) للدعاية له ولو أن استغلال العامود الصحفي في الدعاية لمشاريع استثمارية شخصية أمر غير مهني، ولكن جرأتي في هذا الاستغلال مستمدة من كون رئيس التحرير الأستاذ محمد التونسي شريكا هو الآخر في ذات المشروع (أو البزنس) وأجزم أنه سوف (يمرر) هذا التجاوز ليحقق الربح المضمون.
للاشتراك معنا أرسل رسالة نصية عبر جوالك بالرقم (1) إلى الرقم (5060) وبذلك سوف تصلك أخبار مؤكدة عن أنك شاركت في تنقية كلى مريض فشل كلوي غير قادر على دفع تكاليف الغسيل وأنك استثمرت المبلغ في عمل خيري مضمون من حسابك لوريد مريض محتاج لا يسأل الناس إلحافا ولا يقدر على التكاليف، وحاجته مثبتة في تقرير بنسبة الأملاح والسموم في دمه، وأنت تساهم في غسلها بحسنة تعود عليك بربح عظيم مضاعف مئات الأضعاف، وخبر أكيد من أخبار اليوم الآخر كان سرا غامضا لكنه أصبح خبرا مؤكدا بأنك كمن أحيا الناس جميعا.
المالك المؤسس لهذا المشروع هو المرحوم بإذن الله صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سلمان بن عبدالعزيز ويقوم عليه شقيقه النشط عبدالعزيز بن سلمان وكل من يحمل قلما أو يجيد حديثا يجب أن يكون له من مندوبي الدعاية.

وقفات أسبوع استغفال «زغبي»

* نحن كمتخصصين لا يعنينا لا نصر ولا هلال ولا اتحاد ولا أهلي، ما يعنينا ويهمنا أن لا يستغفل المواطن السعودي؛ لأنه ليس مغفلا، ولم يكن قط مغفلا، ويسوؤنا أن تلوى أعناق الحقائق العلمية في محاولة لاستغفاله، وما يتردد في الإعلام الرياضي مجددا، وبعد أن هدأت العاصفة لأكثر من سنة عن أن شركة (زغبي) عادت لتبرر نتائج استطلاعها عن جماهيرية الأندية السعودية الذي واجه انتقادا أكاديميا حادا لسطحيته وعدم علميته ومحدودية عيناته، فذكرت الشركة أن عينتها القليلة مثل تحليل السكر في الدم تكفي منه نقطة دم لتدل على مستوى السكر في الدم كله.. نقول، وبالله التوفيق، إن هذا التبرير يدل على قصور أو استغفال أو هما معا، وهذه المقارنة عودة لتبرير سوء الأداء السابق بمبرر أكثر فشلا وبعدا عن العلمية التي تقتضي مقارنة الأشياء بمشابهاتها، فنقطة الدم في تحليل السكر تعكس كمية مادة واحدة ومركب واحد هو الجلوكوز في هذه النقطة ليعكس نسبة نفس المادة في مضاعفات الكمية للوصول إلى نسبتها في 100ملي لتر من الدم وإعطاء تقدير لمتغير واحد فقط هو الجلوكوز، أما لو أردت أن تعرف نسبة مواد أخرى غيره مثل: الكوليسترول والدهون والأنزيمات والهرمونات والأملاح (مواد متعددة)، فإنك في حاجة إلى عدة أنابيب من الدم كل واحدة منها لا تقل عن 5 ملي لتر أي أكثر من 100 نقطة دم في كل أنبوب تحليل (قد تحتاج ألف نقطة أي ألف ضعف تحليل السكر)، وبذلك فإنه لا مقارنة مطلقا بين تحليل السكر في الدم والعينات العشوائية في استطلاعات الرأي والانتخابات والاستفتاءات لأكثر من متغير أو عنصر، فنحن لا نريد من مكابرة شركة دراسات استطلاع تأمل في مشروع جديد أن تربك مفاهيم جماهيرنا عن الانتخابات حتى لا يأتي مرشح لمجلس بلدي (بنقطة) من قبيلته تؤيده فيقول إنها تمثل كل سكان المدينة مثل تحليل السكر!!، فنقطة زغبي صحيحة لقياس جماهيرية نادٍ واحد فقط في عينة قليلة (نقطة) وليس 12 ناديا في الجمهور كله.
** حتى شركات التوصيل البريدي السريع تستغفلنا للأسف، فما هو تسليم فوري في كل أنحاء العالم يستغرق عندنا عدة أيام، رغم توفر رقم الهاتف وهو أسرع وسيلة اتصال، إحدى شركات التوصيل البريدي السريع سبق أن أضاعت جواز طالب سعودي فحرمته التأشيرة إلى أمريكا وحرمته البعثة، وبالأمس تلقيت اتصالا من شركة توصيل سريع تحمل لي خطابا استلمته الشركة منذ أكثر من خمسة أيام، وبعد أن حددت لهم وصف المنزل (مكان التسليم) حسب طلبهم رد الموظف: «خلاص تكرم عينك يوصلك بعد بكره بالليل بس خليك بالبيت» (خوش توصيل سريع).
** من الاستغفال أيضا، أن يصرح رئيس شركة الكهرباء بالقول إن انقطاعات التيار أقل بكثير من السابق، وكأننا لا نتحدث عن تيار كهربائي مستمر أو الأصل فيه أن يكون مستمرا لا أن يكون انقطاعه أقل من السابق، فنحن ندرك أن الانقطاع 12 ساعة أقل من 13 ساعة، لكنه انقطاع طويل، فهل أكثر من أن ينقل مستشفى المويه (مثلا) جثث الموتى إلى مستشفى الخرمة بسبب طول الانقطاع والخوف من تحلل جثث عباد الله. تلك التصريحات أقرب للاستفزاز منها للتطمين.

الرقص بالحجاب

الأغرب مما يواجهه الحجاب في فرنسا من منع ارتدائه كبتا للحريات الشخصية المزعومة، هو ما يواجهه الحجاب من امتهان في أماكن ارتدائه ليس بمنع ارتدائه ولكن بالسماح بارتدائه في غير موضعه.
منذ سنوات وأنا في حيرة من أمري في أمر الحجاب، طبعا ليس في أمر مشروعيته أو ضرورته ولكن في أمر استهدافه، فقد لاحظت منذ مدة أن الحجاب يربط بنقائضه، خاصة حينما تقام حفلات غنائية راقصة منقولة عبر الفضائيات، وتتكرر مشاهد مقربة لنساء يتراقصن مع الموسيقى الصاخبة وهن يضعن الحجاب الإسلامي!!، والإشكالية عندي ليست في أن تتحجب من ترقص ولكن في أن ترقص من تحجبت!!، لأنها حرصت على تغطية رأسها، بينما هي حريصة جدا على هز جسدها الممشوق وتحريك مفاتنها أمام ذات الكاميرا التي حجبت عنها الشعر فقط، فتساءلت هل تغير مفهوم الفتنة في المرأة بعد سني شبابنا فأصبح تطاير الشعر أهم من اهتزاز سائر الأعضاء؟! أم أن أحدا يريد أن يرسخ قلب المفاهيم ليقول بأن الحجاب مجرد غطاء رأس أرخص الجسد؟!
عدت بالذاكرة إلى زمن الرئيس الفرنسي السابق، ففي الوقت الذي اعتلت فيه مطالبات المسلمين للرئيس الفرنسي جاك شيراك بأن يعيد النظر في قرار منع ارتداء الحجاب في المدارس والجامعات، وفي الوقت الذي كانت خلاله المظاهرات تجوب شوارع فرنسا تتقدمها متحجبات حقيقيات مخلصات لمعتقدهن، أقول في نفس الوقت كانت بعض «الفضائحيات» العربية إياها تنقل حفلات غناء تحضرها متحجبات تهتز أجسادهن طربا، فخفت على شيراك أن يحتار مثلي بل أشد؛ لأنه لا يعرف الفرق وقد لا يدرك أن الغناء في تلك القنوات لا يرتبط بالمشاعر ولا الشعائر والمناسبات الدينية أو الأحداث المأساوية، فهي قنوات رقص وحسب، وأن هذه القنوات أشبه بـ «كبريهات» آخر الليل لا تعرف غير الرقص واستعراض البضائع الرخيصة للفنانات.
وتوقيت الرقص ليس مستغربا أن يتم في وقت تتظاهر فيه المسلمات مطالبات بمنحهن حرية التستر، فقد سبق لتك القنوات أن رقصت أثناء وبعد مقتل محمد الدرة، وأثناء وبعد ضرب أفغانستان والعراق، وفي جميع المناسبات العربية والإسلامية المأساوية؛ لسبب واحد هو أنها قنوات أنشئت للهو، فهي إما أن تمارسه أو تقفل أبوابها، لا يوجد لديها قدرة على التكيف مع بعض الأوقات العصيبة عربيا وإسلاميا، فهي لم تصمم لذلك، ولا تحمل رسالة هادفة، ولا تتحرك بموجب خطوات محسوبة إلا الكسب من الإغراء والعيش على الأهواء.
الآن.. ذات الصورة تتكرر وفي عهد من؟! في عهد ساركوزي، وهذا الرجل بالذات مغرم باللذات، ولا بد أن يلفت نظره أن القنوات الفضائية التي تبث من بلاد المحجبات تغني وترقص في رمضان وبالحجاب، ويتساءل ما الفرق بين محجبات ومنقبات يتظاهرن غضبا في شوارعه، ومحجبات يرقصن في شوارعهن.. هذا التناقض له فائدة واحدة وهي أنه حير الغرب ونشف ريق ساركوزي، مما جعله يسمح بتوزيع الشوربة الرمضانية الإسلامية في شوارع باريس.

منخل الوزير

حكايتنا مع هذا الوطن لا تخلو من العجب والتناقضات، فهو يمنحنا المنصب، فمنا من يعمل له بوفاء ومنا من يعتبره تتويجا توقف عطاؤه عند الحصول عليه، وهو يمنحنا الإعانة، فمنا من يسخرها للإنتاج ومنا من يسخر الإنتاج لها فيحصل على الإعانة، ولا يحصل الوطن على شيء وهو يمنحنا القرض، فمنا من يرده عملا ويوفي قيمته نقدا ومنا من لا يرده لا عملا ولا نقدا.
ما صورته أعلاه ديدن الحياة فالناس ليست سواء وهكذا قال عنهم الخالق وهكذا أرادهم، فلا عجب في النهاية أن نختلف في تفاعلنا لكن الغريب جدا هو تعاطينا مع عمل الآخرين واتخاذنا المواقف السلبية مما يعمل غيرنا، فبشيء من التدقيق نجد مثلا أننا في مرحلة ما كنا نطالب المسؤول بعد تعيينه في المنصب أن يضع خطة عمل منشورة تحدد للناس ما ينوي عمله، ثم بلغ بنا الطموح أن نطالب ذلك المسؤول عند انتهاء قرب فترته أن يراجع معنا ما تم عمله ومدى مصداقيته فيما وعد، وكانت تلك مطالبة صحافية لكثير من الكتاب لكنها لم تتحقق، فخفضنا مستوى الطموح إلى أن أصبحنا نطالب بأن يحافظ المسؤول الجديد على منجزات سابقة؛ لأنها منجزات من الوطن وللوطن لا فضل لمسؤول سابق ولا لاحق فيها إلا حسن أداء الذي حققها ونجاح الجديد في استمرارها.
هذه الأيام يبدو أننا نواجه ما هو أصعب، فقد بلغ التنكر لأفضال الوطن لدى البعض أن أصبح يريد أن يهدم كل جهد سابق، لكي يبدو وقد بدأ العمل من جديد، ومثل هذا الموظف أو المسؤول أسميته في أحد لقاءاتي التلفزيونية المسؤول الذي يريد أن يمسح السبورة ليبدأ من جديد، ليشعرنا أن كل ما عمل سابقه خاطئ (مثل الطبيب الذي يرمي كل أدويتك في سلة المهملات ليشعرك أنه الأفضل) وهذا المسؤول في واقع الأمر لم يبدأ ولن يبدأ؛ لأن من ينقص أهدافه النبل فجدير بأعماله أن تكون كذلك.
إن إنجازات الوطن التي سعت لها قيادته الكريمة وبذلت من أجلها الفكر والمال والتوجيهات الدائمة والمتابعة المستمرة حتى أصبحت منجزا طموحا عالي البنيان، تتعرض الآن للتجاهل وأحيانا الإلغاء، كل ذلك لأن موظفا، أو مديرا، أو محافظا، أو وزيرا يريد أن يغطي منجزات سابقه، ومن العبث أن تغطى الشمس بمنخل، كما أن التغطية في حد ذاتها أو محاولة تغطية شمس الوطن بمنخل عمل لا يليق بأن يكون مكافأتنا للوطن.
ما يقال عن عدم رد جمائل الوطن في المنصب ينطبق على الإعانة والقرض، إلا أن الفرق أن التنكر للإعانة والقرض مربوط بالجشع وحب المال، أما التنكر لمنجزات الوطن فمقرون بالأنانية وكره الآخرين، وفي كل الأحوال لا بد لنا أن ننصف الوطن ونحفظ له ماله وشمسه من عبث النوايا.