الكاتب: محمد الأحيدب

وقود الثراء

لا أظن أن قطاعاً خاصاً في العالم أجمع حظي بالدعم والمؤازرة من الدولة مثلما حظي القطاع الخاص في المملكة العربية السعودية، حتى إن المساندة والإعفاءات والقروض المسهلة والحماية ومنح الأراضي للاستثمار جعلت الدعم يتعدى حد مستويات أي دعم حكومي ويصل حد التدليل أو “التدليع”.
وكأي ابن مدلل يصبح الأقل نفعاً لأبيه والأكثر ارهاقاً له والأقل شكراً وامتناناً والأكثر تنكراً فإننا نجد أن كثيراً ممن منحهم هذا الوطن فرصة الاستثمار السهل الميسر، حتى أصبحوا شيئاً يذكر، مارسوا إرهاق الوطن بكثرة المطالب الأنانية، وأصبحوا الأقل نفعاً والأكثر تنكراً وتهديداً بنقل استثماراتهم إلى دول مجاورة لو دخلوها لخرجوا مثقلين بالمديونيات لأنها لا تتغاضى عن مخالفة ولا تتنازل عن شروط ولا تتعاطف مع راغب في النجاح وهم يعلمون ذلك جيداً، لكنهم يمارسون مناورات جاهلة أو متجاهلة أو تفترض في الآخرين الجهل.

مشكلة بعض المستثمرين أن ذاكرتهم الإنسانية ضعيفة جداً، حيث إن حب المال وشهوة الثراء له خاصية السيطرة السريعة على غالبية خلايا الذاكرة ولا يترك إلا جزءاً يسيراً من الذاكرة للتفكير في الآخر، وغالباً فإنه لا يترك، ولذا فإن التاجر ينسى بسرعة أنه مواطن عادي سابق، ويتذكر فقط أنه مواطن مسيطر على استثمار ما الآن، وهذا النسيان هو ما يجعله يطالب الوطن بأن يترك له حرية استغلال المواطن العادي اليوم، بل يطالب بأن يسمح له باستخدام هذا المواطن وقوداً لثرائه، وهذا ليس مجرد إنشاء أو بنات أفكار تجول في فكر كاتب يحسد التاجر على تجارته، كما يصور التجار ممن ضاقت ذاكرتهم عن أن تقبل الرأي الآخر، بل هي نتاج أمثلة واضحة تتراوح بين محاربة السعودة، ومطالبة سمجة أنانية بترك التاجر يفعل ما يشاء دون قيود كما يحدث في رفع الأسعار واحتكار السلع وعدم الالتزام بالضمان واستهتار المقاولين في تنفيذ المشاريع ومحاربة أرباب شركات تشغيل المستشفيات للتشغيل الحكومي الذاتي، وممارسات القطاع الطبي الصحي الذي يستغل المرضى أيما استغلال دون تحديد تكلفة علاج ولا قبول مراجعة لفواتير والتأكد من أحقيتها طبياً وأن المريض كان محتاجاً لها فعلاً، ثم تمادى القطاع الخاص الطبي بمطالبة القطاعات الطبية الحكومية بوقف مراكز الأعمال بحجة أنها تنافسه على مرضاه السعوديين وبأسعار تقل عما يحدده هو من مبالغة في الربح، فكان لهذا القطاع ما أراد بقفل وزارة الصحة مراكز الأعمال ونخشى أن يتبعها بقية الشركاء في ملكية القطاع الخاص الطبي.

أما أمثلة التنكر للوطن فيوضحها بجلاء التلميح غير الجاد وغير المنطقي والتهديد من قبل بعض المستثمرين بنقل استثماراتهم لدول مجاورة يدعون أنها أكثر مرونة وهم يعلمون أنهم لا يمكن أن يحققوا فيها (5%) من المكاسب التي يحققونها في هذا الوطن إذا أخذنا في الاعتبار شدة الأنظمة وحجم العقوبات عند حدوث إخفاق ومبالغ التعويضات عند إحداث ضرر.

مشكلة القطاع الخاص لدينا أنه يخلط كثيراً بين الدعم وترك الحبل له على الغارب باستغلال المستهلك والمستفيد من الخدمة فيعتقد أنهما شيء واحد!!.

شكراً وزير الصحة

تبرير معالي وزير الصحة الدكتور حمد المانع لقراره إيقاف العمل في جميع مراكز الأعمال المخصصة لعمل الأطباء في وزارة الصحة لا شك أنه يتناول بعداً إنسانياً، وردة فعل، تحمل عاطفة جياشة، على موقف مؤثر تعرض له أحد المواطنين كما ورد في تصريح معاليه لجريدة “الرياض” يوم الاثنين 2ربيع أول 1429ه، حيث لم يجد سريراً لابنه المصاب في حادث إلا بعد أن دفع (5000) ريال لموظف مركز الأعمال، وطلب منه بعد العملية الجراحية أن يستمر تابعاً لمركز الأعمال في مواصلة العلاج المكلف وأضاف معاليه “عندما استمعت لهذه القصة، شعرت بتأنيب الضمير وتأثرت بمعاناة هذا المواطن المحتاج وتبين لي أن الضحية هو الفقير أما الغني فلديه بدائل أخرى، وجمعت مسئولين بالصحة واتخذت هذا القرار الجريء بإلغاء مراكز الأعمال” انتهى تصريح معالي الوزير .
ونحن دون أدنى شك، وبدون أي درجة من المجاملة، في أمس الحاجة إلى ذلك الحس المرهف، وتفاعل المسئول مع المواقف المؤثرة، خاصة في قطاعات الصحة، حيث يبدو أن المشاعر مع كثرة ما ترى تتحجر لدى البعض فلا يؤثر فيها مريض ولا مصاب، والدكتور حمد المانع استثناء في هذا الصدد ويحظى بعاطفة جياشة بحكم مسئولياته، إلا أن هذا لا يمنع من ضرورة اتخاذ كافة السبل التي تكفل حصول المرضى المستحقين على العلاج في مستشفيات وزارة الصحة والمستشفيات الحكومية الأخرى بعد قفل مراكز الأعمال بالوزارة، وذلك بتسهيل قنوات قبول المرضى والمصابين في تلك المستشفيات سواء كانوا فقراء أو أغنياء طالما أنهم من المستحقين نظاماً للعلاج المجاني، وإلا فإن الوزارة ستواجه تبريرات وتفسيرات وشكوكاً على أن من أهداف القرار تنفيع القطاع الطبي الخاص بمستوصفاته ومراكزه ومستشفياته وترك المريض الغني والفقير عرضة لممارسات يدركها معالي الوزير ولا تخفى على أحد .

وكم أتمنى أن توضح الوزارة هذا الأمر وتسد الطريق أمام التفسيرات وتجيب أيضاً على السؤال العريض وهو مصير الأطباء الاستشاريين الذين وجدوا في مراكز الأعمال دخلاً إضافياً كان المقصود به نظاماً وبكل وضوح أساتذة الجامعات ومن في حكمهم، وليس أطباء وزارة الصحة أو القطاعات الأخرى، لكن مراكز الأعمال أوجدت للحد من مخالفة الأطباء الحكوميين للأنظمة وممارستهم العمل في مستشفيات القطاع الخاص أثناء الدوام الرسمي وبعده للتكسب غير المشروع في القطاع الخاص، فهل ستعود معاناة الوزارة مع خروج الأطباء أثناء الدوام وترك مرضاهم في المستشفى الحكومي؟!، أم سيصاحب المنع حلول أخرى وحيطة لهذه الظاهرة الخطيرة من قبل أطباء كافة القطاعات الصحية الحكومية قبل وبعد مراكز الأعمال حيث لا يزال كثير من أطباء الجهات الحكومية تحجز المواعيد لعياداتهم وعملياتهم في المراكز والمستشفيات الخاصة جهارا بالهاتف وحضوريا رغم المنع، ورغم دخولهم العالية جدا مقارنة بأطباء الوزارة، ومع أن لبعضهم مهامّ إدارية وإشرافية في مؤسساتهم الحكومية تحتم عليهم فرض النظم واحترامها وهذا مثار استغراب.

أهم حقوق المرأة السعودية

تحاول القنوات الفضائية التي “تسترزق” من مناقشة قضايا المجتمع السعودي، وتقتات من اتصال المشاهد السعودي، تحاول جاهدة اختيار مواضيع تعتقد أنها مثيرة وربما تحث أكبر عدد ممكن من المتصلين، لكن هذه القنوات لا تجتهد مطلقاً في اختيار الضيوف بقدر اجتهادها في اختيار الموضوع المثير أو موضع اهتمام شريحة من المجتمع السعودي، وعدم الدقة في اختيار الضيوف يعكس بوضوح عدم الجدية في بحث القضية، بل عدم الرغبة في الخروج بحوار مفيد معالج بقدر ما هي رغبة قوية في الخروج بأكبر عدد من المتصلين.
ولعل أكبر دليل على عدم الجدية وعدم القناعة بالموضوع أصلاً أن تجد قناة كان تاريخها حافلاً بتقديم المشاهد الجنسية، تناقش قضية فقهية أو موضوعاً شرعياً متخصصاً طالما أن له علاقة بالمملكة العربية السعودية.

والغريب أن تجد تلك القنوات رغم تاريخها المعروف أناساً يقبلون الاستضافة ومناقشة موضوع شرعي في قناة لا يدخل الدين ضمن اهتماماتها من قريب أو بعيد سوى الاهتمام بِحَثّ المجتمع السعودي على التفاعل باتصال يطول فيه الطابور والانتظار والكسب المادي، ويقبل الضيوف أن يكونوا مجرد صور كرتونية يتلاعب بها مخرج أو دمى متحركة تحركها مذيعة تتحدث عن الحجاب مثلاً وهي تلبس ما مساحته مجتمعة لا تعادل لثام فتاة سعودية!!.

أما عدم الدقة في اختيار الضيوف فيبرز في استضافة سيدة للتحدث عن حقوق المرأة السعودية وهي لا تمت إلى هذا الوطن بصلة “ليست سعودية” وليست مطلعة على المجتمع السعودي ولو بدرجة تجعلها تكذب بما يمكن تصديقه، ففي إحدى القنوات التي أرادت أن “تسترزق” من التحدث عن حقوق المرأة التي تدعي أنها مهدرة في السعودية، تم استضافة امرأة يبدو أنها أقرب إلى التمثيل الكوميدي منها إلى تمثيل المرأة السعودية فبدأت تضخم ما تسمع عنه ولم تره أو تعشه حتى كشف الله سترها عندما قالت “قبل ما يسمحوا لنا بالسكن في الفنادق كنا ننام في المساجد” وكنت أتمنى لو أن أحد البسطاء الذين تفاعلوا واتصلوا ببرنامج قناة الاسترزاق تلك، وانتظروا في طابور البسطاء حد السذاجة ذكّر المسكينة أن المساجد تقفل بعد صلاة العشاء ما لم تكن هناك محاضرة أو ذكر، حفاظاً على بيوت الله من العبث فكيف كانت تنام فيها؟!.

إن من أهم حقوق المرأة السعودية أن لا يتحدث عن مطالبها غيرها لأن المرأة السعودية أكبر وأذكى وأعقل من أن تحتاج إلى وصاية.

سابقة بطلها الطبيب

جميل أن تكثف المديرية العامة للشؤون الصحية بمنطقة الرياض جولاتها ونشاطها للتفتيش على المستشفيات والمراكز الصحية الخاصة، وجميل جداً أن تتخذ قراراً حاسماً بإلغاء عقود ثلاثة أطباء مقيمين يعملون بمستشفيات حكومية لمخالفتهم النظام بالعمل في مستشفيات القطاع الخاص.
لكن الأكثر روعة وجمالاً أن تمارس الشئون الصحية نفس الحزم مع نفس المخالفة مع الأطباء السعوديين الذين يتبعون لمستشفيات حكومية ويخالفون النظام بالعمل في المستشفيات الخاصة في عيادات يتم الحجز لها بالهاتف وحضورياً وكأنها عيادات نظامية وهي مخالفة صريحة وتحد للتحذيرات والأنظمة.

نحن نعلم أن معالي وزير الصحة وسعادة مدير عام الشئون الصحية بالوسطى د.هشام ناضرة (ويفترض أن يكون غيره في المناطق الأخرى) يبديان حماساً واهتماماً كبيراً بهذا الموضوع لما له من انعكاسات خطيرة على مرضى المستشفيات الحكومية والأطباء المتدربين وطلاب الطب الذين أصبحوا لا يجدون الطبيب الحكومي الاستشاري بل لا يحلمون بمقابلته نتيجة هروبه من الدوام الحكومي الرسمي نهاراً جهاراً إلى المستشفى الخاص، وما نتج عن ذلك من تزايد الأخطاء الطبية، وتزايد عدم الاكتراث بالعمل ومخالفة الأنظمة من قبل كثير من الموظفين الحكوميين في المستشفيات حتى من غير الأطباء، حيث يرون أن غض الطرف عن الطبيب المتسيب يبيح لهم ممارسة الشيء نفسه فالأنظمة واللوائح التي تحكم الخدمة المدنية لا تفرق بين الموظف الحكومي سواء كان طبيباً أو مهندساً أو حاسوبياً أو صيدلانياً أو قانونياً أو ممرضاً فكلهم في حكم النظام سواء ويجب أن يبقوا كذلك لأنهم في الأهمية سواء ولا يميز الطبيب عن غيره سوى أن المدير طبيب متحيز لزميله ويغض الطرف عنه، وهذا على المدى البعيد خطر لا بد أن يفطن له القائمون على الخدمة المدنية ويحسبون الحساب لسلبياته الخطيرة على كافة الموظفين في الرعاية الصحية وبالتالي على رعاية المرضى.

بقي أن نؤكد على أن الطبيب غير السعودي (المتعاقد) مع المستشفى الحكومي ما كان ليجرؤ على مخالفة النظام والعمل في القطاع الخاص لولا أنه رأى قمة التسيب، وقمة الاستهتار من ابن وطن هو الطبيب السعودي وأبغض درجات غض الطرف من ابن وطن أيضاً وطبيب أخر هو مديرهما معاً فما عساه أن يفعل؟! هل نتوقع من الطبيب المتعاقد أن يكون سعودياً أكثر من السعودي ؟!.

إذاً لا بد من العدالة حتى في إعلان العقوبة ناهيك عن الجدية في القبض على المخالف آخذين في الاعتبار أن العتب على الطبيب السعودي أكبر.

قرارات إيجابية تفتقر للتنفيذ

كُتب الكثير من المقالات والافتتاحيات حول عدم تطبيق أو تفعيل الكثير من القرارات التي تصدر رغم إيجابياتها العديدة ودورها في حل الكثير من المشاكل التي يعاني منها المجتمع، أو عدم الإسراع في التنفيذ أو التفعيل للقرارات الذي يعكس قصوراً واضحاً في الأجهزة التنفيذية، وهذا القصور أو الخمول هو في حد ذاته في حاجة إلى قرار يحرك ما سكن في تلك الأجهزة.
الأمر الذي لا يقل خطورة عن التقاعس في التنفيذ هو التفسير المزاجي لبعض القرارات بما لا يتناسب مع وضوحها، ولا أقول الاجتهاد في التفسير، لأن الاجتهاد لفظ ينطبق على توخي الإيجابية أو الصالح العام وليس تحجيم الفائدة.

خذ على سبيل المثال الخبر المنشور في هذه الجريدة يوم السبت 16صفر 1429ه والمنوه عنه في الصفحة الأولى من “الرياض الاقتصادي” بعنوان مواطن يقاضي “التأمينات” لامتناعها إضافة زيادة ال15% إلى راتبه، والذي يتحدث عن مواطن متقاعد راتبه التقاعدي (3880) ريالاً امتنعت المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية عن منحه زيادة 15% في راتبه التقاعدي رغم إقرار الأمر السامي الكريم الصادر في 1426/7/16ه بزيادة رواتب جميع فئات العاملين في الدولة من مدنيين وعسكريين بالإضافة للمتقاعدين بنسبة 15% أما المبرر حسب رواية المواطن أن المؤسسة (حصرت) الزيادة على أصحاب الحد الأدنى للمعاشات والعائدات الشهرية وهو ما لم يرد في نص الأمر.

هذا الحصر أو تحويل الأمر من الشمولية إلى التحجيم، إذا كان حدث فعلاً، لا يمكن وصفه بالاجتهاد ولكن بالتفسير المزاجي غير المبرر وغير المقبول، وأجزم بأن هذا المواطن وفي ظل عدالة هذا البلد الأمين سيكسب القضية، ولكن هذا واحد من آلاف غيره ليست لديهم ثقافة الشكوى ممن يستسلمون لكل مزاج وكل تفسير.

والمشكلة لا تكمن فقط في حرمان المئات من حق منحهم إياه وطن كريم معطاء، بل تشتمل على حرمان هذا الوطن من الكثير من إيجابيات القرار وتعرضه لسلبيات التفسيرات المزاجية الخاطئة.

أذكر في عام 1401ه أنه صدر أمر بصرف مكافأة 50ألف ريال لكل خريج يتعين في جهة حكومية لتساعده على الحياة وتم صرف المكافأة من قبل جميع الجهات الحكومية سواء تلك التي تصرف بدل سكن لموظفيها أو التي لا تصرف باستثناء جامعة الملك سعود فقد رأى مدير شئون الموظفين فيها آنذاك أن من يتعين كمعيد لا يستحق هذه المكافأة كون المعيد يحصل على بدل سكن، وكان ذلك تفسيراً مزاجياً شخصياً من المدير تسبب في عزوف الخريجين عن العمل كمعيدين وعانت منه الجامعة سنوات عدة ولا تزال انعكاسات العزوف وسلبياته قائمة حتى اليوم بينما تقاعد المدير مستفيداً من كامل حقوقه دون تفسيرات وربما باستثناءات.

ولنا في خطف المواليد عبرة

هذا الوطن المعطاء من حقه علينا أن نخلص له في كل شيء عملا وقولا ورأيا وحتى نقدا وإلا فإنه لا خير فينا.
التخبط الإداري نتيجة حتمية عندما يمارس الإدارة غير المتخصص، مثلما أن التخبط الطبي أمر متوقع لو مارس الطب غير متخصص، وما يحدث الآن من استنفار إعلامي من قبل المديرين في القطاعات الصحية لمحاولات ترقيع القصور في الإدارة بتباشير إعلامية تشتمل على حلول افتراضية، وقتية، أخشى أن تكون وهمية، ما هو إلا تصوير لواقع قصور لم يجد العلاج فعولج بالأماني .

خذ على سبيل المثال موضوع خطف المواليد من غرف الحضانة في المستشفيات، أخذ بعدا إعلاميا كبيرا، وشكوى أكبر، حتى إن رسام الكاريكاتير في جريدة الجزيرة الزميل هاجد رسم طفلا حديث الولادة وقد ربطت يده في السرير بسلسلة حديدية وقفل كأسلوب أمثل لمنع سرقته !!.

في المقابل نجد تصاريح صحفية من عدد من مديري الصحة في المناطق والقطاعات المختلفة، كل منهم يتحدث عن ما يزمع عمله لمنع حدوث خطف المواليد، وكأن هذه القضية مشكلة فريدة لا تعبر عن قصور شامل في تطبيق معايير إدارية معروفة في علم الإدارة الصحية، وإدارة المستشفيات، لكن الأطباء لا يعرفونها وليس مطلوبا منهم معرفتها، مثلما أن الإدارة لا تتطلبهم.

معايير تعنى بكل الاحتياطات وسبل النجاح الإداري وليس فقط ما ظهر أو ارتفعت الشكوى منه، أو وصل حدا أثار الإعلام، معايير أوجدها نهج إداري مدروس بحكم التخصص يعنى بمنظومة إدارية متكاملة تحسب الحساب لما لم يكن في الحسبان، وتتنبأ بما سيحدث بل ما هو نادر الحدوث .

مشكلة إدارة الأطباء أنها لا تعرف إلا الأطباء وما حولهم وما يحيط بهم وتعاني من التحيز للمهنة أو لمصلحة ممتهن واحد هو الطبيب ومستقبله ومستقبل أبنائه، لكنها بعيدة كل البعد عن حقيقة أن المستشفى أشبه بالساعة لا يشاهد منها إلا عقرب الساعات (الأطباء) وعقرب الدقائق (الممرضات) لكن هذه الأشياء المنظورة لم تكن لتتحرك لولا مجموعة من (التروس) المختفية تحت (المينة) منهم الفني والمهندس والصيدلي والإداري والحاسوبي وحارس الأمن !!.

مشكلة الطبيب الإداري أنه يعتمد المسكنات حتى في الإدارة فلا يعرف انه لكي يحمي وليدا من السرقة فإن عليه أن يطبق منظومة أعمال إدارية معقدة لا يعرفها إلا أستاذ علم الإدارة أو أحد طلابه النجباء، هي ذات المنظومة التي ترفع الروح المعنوية، وثقافة الاحتياط، وحب العمل لدى كل العاملين و تمنع إحباط كل الفئات العاملة في الجهة الصحية، وتمنع إبراز أحد منهم عن الآخر، وتمنع سرقة الأجهزة والأدوات والإنجازات والأفكار والحقوق والأموال والأبصار بمثل قدرتها على منع سرقة الأطفال .

أما الاحتياطات التي نقرأها يوميا من الزملاء الأطباء المتقمصين للإدارة عن ما سيفعلونه لمنع خطف الأطفال حديثي الولادة بعد أن وقعت الفأس في الرأس، وهذا معناه أننا وفي ظل تخبط إدارة الأطباء في انتظار مشكلة جديدة ووعود ارتجالية لحلها.

خدعة الأسعار يكشفها التدخين

ليسمح لي كل من يحاول تبرير ارتفاع أسعار الكثير من السلع الاستهلاكية، تارة بارتفاع سعر اليورو، وتارة بتدني سعر صرف الريال، وأي أعذار ومبررات أخرى، ليسمح لي بسؤال وليعذرني في ضعف قدرتي على استيعاب التناقض، والسؤال هو إذا كانت العملات هي السبب فلماذا لم يرتفع سعر السجائر؟!.
التدخين هذا الداء العضال الذي ثبت انه يتسبب في قتل 20ألف سعودي سنويا (جريدة الرياض العدد 21/محرم/1429ه)، ويموت بسببه 4ملايين شخص سنويا في أنحاء العالم، ويتوقع أن يقتل خلال القرن الحادي والعشرين أكثر من مليار شخص أي بزيادة تقدر بعشرة أضعاف ما كانت عليه في القرن الماضي ، ولذا فإن الحكومات تفرض عليه الرسوم العالية ليرتفع سعره ويساعد ذلك في التوقف عنه.

هذه السلعة الضارة التي يسعد الجميع بارتفاع سعرها ولا يعارضه احد ولا يغضب من ارتفاع سعره أحد، ولا يتضرر من ارتفاع سعره لا فقير ولا غني بل ينتفعون بالامتناع، لماذا لم يستطع ارتفاع سعر اليورو أن (ينهض) سعره قليلا؟! ولماذا لم يتسبب انخفاض سعر صرف الريال والعملات الخليجية لارتباطها بالدولار في رفع سعر السجائر؟!.

أنا لست متخصصاً في الاقتصاد بل اعترف أنني لا أجيد السباحة في بحر هذا العلم الواسع، ولكن ومع احترامي لكل مبررات من يحاولون تبرير ارتفاع أسعار السلع المستوردة بمبرر أسعار العملات أو كل ما يتعلق بصرف العملة، فإن لي أن أقول إن العملة واحدة، وإن كان لها وجهان، ولا تتقلب أسعارها حسب نوع السلعة، فلماذا ترتفع كل السلع إلا الدخان؟! وأرجو أن لا يأتي من يبرر بدعم شركات التبغ للموردين لأن هذا الدعم هو الآخر نسبة ثابتة ذات علاقة بما تطبقه الحكومات على السجائر من رسوم جمركية ولا تلغي حتمية ارتفاع سعر السجائر إذا ارتفعت السلع الأخرى وكان السبب هو سعر الصرف أو ارتفاع عملة البلد المنتج.

أخشى أن نكون نعيش خدعة تحليلية اقتصادية ثانية تتمثل في مبررات الارتفاع الفاحش في الأسعار، ونحن لم نفق بعد من صدمة خداع التحليل لسوق الأسهم، ولعل القاسم المشترك الأعظم للخدعتين هو المبرر الاقتصادي الذي أحمد ربي أني لا أفهمه لأنه وعلى ما يبدو بات مستغلا للاستغفال والمخادعة أكثر من الشعوذة والتنجيم.

مخالفة دوائية مركبة

الأصل في استخدام الدواء هو الحاجة إليه التي يحددها الطبيب المعالج، وليس الحث عليه عبر دعايات القنوات الفضائية، ولوحات الدعاية.
والأنظمة لدينا دقيقة وشاملة ومحكمة، لكن المشكلة تكمن في التقيد بالأنظمة ومتابعة التنفيذ وتطبيق العقوبات، وهذه تتحملها الأجهزة التنفيذية والوزارات المعنية وليست الأنظمة والجهات التشريعية.

فهذا نظام المستحضرات الصيدلانية والعشبية الصادر من مجلس الوزراء ينص في مادته السادسة والثلاثين على أنه يجب أن تكون نصوص البيانات والنشرات والإعلانات الخاصة بالمستحضرات الصيدلانية والعشبية متفقة مع ما تحتويه من مواد وخواص علاجية وفق ما هو محدد في النشرة الخاصة بالمستحضرات أو ملخص خواص المستحضر، ويؤكد على أن تكون متفقة مع عادات وقيم المجتمع، ويسمح بالإعلان عن المستحضرات الصيدلانية والعشبية التي يسمح النظام للصيدلي بصرفها بدون وصفة طبية فقط!!، وينص النظام صراحة على انه يحظر الإعلان عن المستحضرات الصيدلانية والعشبية التي يتطلب الحصول عليها وصفة طبية إلا في المجلات والمؤتمرات والندوات والنشرات العلمية المخصصة للممارسين المهنيين.

لاحظ أن النظام لم يفت عليه التأكيد على أن تتفق الإعلانات المسموحة مع عادات وقيم المجتمع، وكأنه توقع ما يحدث الآن من خدش للحياء، وخروج على القيم والعادات الاجتماعية في دعايات القنوات الفضائية للمقويات الجنسية والتي بلغت حدا ينم عن انعدام المسؤولية تماما لدى الطرفين المصنع والقناة.

كما لم يفت على النظام أنه حظر الإعلان عن الأدوية التي لا تصرف إلا بوصفة طبية لخطورتها وتعدد مضاعفاتها وضرورة التأكد من مناسبتها للحالة الصحية للمريض فلا يحث الجميع على استخدامها وإنما توصف لمن يحتاجها وتناسب حالته الصحية.

والمقويات الجنسية تأتي في مقدمة الأدوية التي يجب أن لا تصرف إلا بوصفة طبية بعد فحص دقيق، لتعارضها مع الكثير من الأمراض وخاصة ما يتعلق بالقلب والدورة الدموية، ويمنع النظام الإعلان عنها، لكن إعلاناتها تملأ الفضائيات وبطريقة تتفنن في خدش الحياء والإغراق في الجنس وإثارة تساؤلات وفضول الأطفال من الجنسين.

إن هذه المخالفة المركبة (ارتكاب المحظور بالإعلان أصلاً وعدم اتفاق الإعلان مع قيم وعادات المجتمع) تستدعي موقفا رادعا وعقوبات صارمة تستخدم فيها وزارة الصحة صلاحياتها في تجميد المستحضر ووقف التراخيص وإلغاء التسجيل وتطبيق الغرامات المالية.

بشهادة الجراح السبيّل

لدي قناعة راسخة، مبنية على تجارب ومشاهدات وليس مجرد توقعات أو حدس أو مجاملة، قناعة تعمقت جذورها في أرض الواقع منذ سنوات، أريد فقط من كل عامل مخلص في هذا الوطن المعطاء أن يتقبلها ويقتنع بها لتكون داعما لكل عمل وطني جبار ودافعاً لاستمرار كل متفان في عمله وهدفه الصالح العام مهما واجه من تحديات على مستوى الأشخاص .
تلك القناعة مفادها أن إخلاص النية لوجه الله ولخدمة الناس ولتحقيق صالح الوطن هي المنتصر في نهاية كل تحد مهما طال لأن إخلاص النية هذا يتلاقى مع توجهات قيادة هذا الوطن ودعمها وتشجيعها، وهذا الالتقاء لا بد أن يحدث بالصبر وإذا حدث فإن كل الطموحات تتحقق بصورة أكبر مما كنت تتوقع، وبسرعة تفوق ما كنت تحلم به، فلا تستسلم للمعوقات التي قد تواجهها من مدير ذاتي الطموح أو زميل يجيد الهدم أو يريد التميز له وحده .

الدكتور محمد السبيّل استشاري زراعة وجراحة الكبد وبدعم لا محدود من رجال الحرس الوطني أسس فنيا وتنفيذيا لأكبر وأنجح برنامج زراعة كبد في المملكة والوطن العربي أجمع، وأذكر أنه وخلال العام الأول من البرنامج حقق مع زملائه بمستشفى الملك فهد للحرس الوطني زراعة 88كبداً ناجحة في عام واحد، وتوالت بعدها النجاحات بأرقام قياسية.

كتب الله الحياة لمئات مرضى فشل الكبد على يد من منحوا هذا الجراح الفرصة والمناخ والإمكانات المتكاملة.

الدكتور السبيل عمل بجد وتفان بعيداً عن الطموحات الأنانية فحظي بدعم خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز (كان وليا للعهد آنذاك) الذي كان يصافحه ويشد على يده بعد كل عملية زراعة كبد، لأنه،يحفظه الله، أخذ على عاتقه الاطمئنان على مريض الكبد وزيارته بمجرد أن يصبح قادرا على استقبال الزيارة فكان المليك المفدى دائما وأبدا الزائر الأول .

الدكتور محمد السبيل واجه ما يواجهه كل ناجح من صعوبات على مستوى الأشخاص والحساد، وواجه أيضا تحدياً كبيراً يتمثل في شح التبرع بالأعضاء ومنها الأكباد والتقاعس في آلية التبليغ عن المتبرعين وعمل جاهدا للتغلب عليها، فكان لا يتحدث لوسائل الإعلام عن تفاصيل نجاحاته بل يستغل الوقت والوسيلة الإعلامية للحث على توفير الأكباد وإقناع المجتمع بالتبرع بأعضاء المتوفى والدعوة إلى إستراتيجية وطنية تتعامل مع مرضى الكبد قبل أن يصلوا مرحلة الفشل الكبدي بما يحقق للوطن اكتشاف الإصابات بوقت كاف وأذكر أنه كان يقول لي إن المريض يجيء شاكياً من الفتاق فيتضح أن لديه أيضا ورماً بالكبد لم يكتشف!! .

في يوم الأحد 11محرم 1429ه وافق خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز على إنشاء مركز الملك عبد الله للأورام وأمراض الكبد بتخصصي الرياض بكلفة 430مليون ريال وبسعة 300سرير، وهذا المركز إلى جانب ما سيحققه لمرضى الأورام ومرضى الكبد من تفريج كرب وتسهيل علاج فإنه سيحقق لرائد زراعة الكبد في المملكة الدكتور محمد السبيل سبل مواصلة النجاح، فكان قد واصل الركض لإنقاذ مرضى الكبد بالزراعة في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بالرياض بعد انقطاعه لفترة لم تطل ولله الحمد فتمكن حتى اليوم من زراعة مائة وستين كبدا ثلثها تقريبا من حي لحي، وبإنشاء هذا المركز سيتحقق حلم جراح الكبد بإستراتيجية وطنية لمتابعة مرضى الكبد والأورام.

ألم أقل لكم إن إخلاص النية لله ثم الوطن والمواطن لا بد وأن يلتقي مع صلاح النية الصادقة الحنونة لقادة هذه البلاد وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين (ملك الإنسانية).

اكتشافهم أهم

حظي المستفيدون من الضمان الاجتماعي وفي غضون أسبوعين بداعمين مهمين لمستحقاتهم، الأول تمثل بالمكرمة الملكية التي وجه بها خادم الحرمين الشريفين حفظه الله بصرف مساعدة مقطوعة عاجلة بلغت 654مليون ريال للمستفيدين من الضمان الاجتماعي لتأمين كسوة شتوية، ثم جاءت زيادة 10% في مخصصات المستفيدين من الضمان .
وفي كل مرة تبادر وزارة الشؤون الاجتماعية فوريا بالتصريح لوسائل الإعلام عن تحويل المبالغ لجميع (المسجلين) من الفئات في الضمان الاجتماعي، وهذا جيد ومطمئن، ولكن الأهم في دور هذه الوزارة هو العمل الجاد لاكتشاف المزيد من المحتاجين، خاصة من فئات الذين لا يسألون الناس إلحافا، وهذا يتطلب عملا جادا وشاقا للبحث عن المحتاجين وإجراء المسح الشامل وتجنيد عدد أكبر من الأخصائيين الاجتماعيين والأخصائيات وذلك بزيادة عدد وظائف الأخصائي الاجتماعي الميداني في الوزارة بما يتناسب مع احتياجات المسح الشامل واكتشاف الحالات ويتناسب أيضا مع ما تقدمه الدولة من دعم سخي لهذه الوزارة لتقوم بمسؤولياتها ،التي يفترض أنها جسيمة، ولا تقتصر على مجرد تحويل المبالغ في حسابات عدد ثابت من المستفيدين فهذا الإجراء لا يحتاج إلى أكثر من برنامج حاسوبي وعدد محدود من مدخلي البيانات، وهو ما يحدث شهريا في كل جهة حكومية أو خاصة تصرف الرواتب لآلاف الموظفين .

إن تهاون وكالة الوزارة لشؤون الضمان الاجتماعي في أمر البحث الميداني عن المحتاجين له مخاطر كثيرة، أحدها إعطاء أرقام خاطئة لأعداد المحتاجين، وثبات تلك الأرقام، وثبات عدد المستفيدين، رغم تزايد الدعم المالي من الدولة!!، فما يحدث الآن هو أن الوزارة تعلن على الفور عن تحويل مبالغ متزايدة إلى حسابات عدد ثابت من المستفيدين!!، وهذا بالتأكيد لن يعالج مشكلة أعداد كبيرة من المحتاجين الذين يعانون من (حاجتين) الحاجة لمن يبحث عنهم و يجدهم، لأنهم لا يسألون، ثم الحاجة لمن يعينهم على الحياة كونهم لا يجدون قوت يومهم ولا يجدون من يحوّل لحساباتهم لأنهم لم يدخلوا بعد في الحسبان وحسابات