الكاتب: محمد الأحيدب

العدالة في همّ الولادة

يأتي المخاض امرأة وتعصرها آلام الولادة فتجوب المدينة بحثاً عن مستشفى حكومي يقبل مساعدتها لإهداء الوطن مواطناً جديداً قد يكون من أنفع الناس لوطنه، وتضيف لسجلات التعداد رقماً جديداً ربما أصبح رقم سعادة في تاريخ البلاد.
وتكون الفاجعة “المتوقعة بناء على معطيات هذا العصر” حيث يتم رفض قبول إدخال مواطنة لتضع حملها في جميع المستشفيات الحكومية التابعة لقطاعات مختلفة فتضطر بعد ان أوشكت على الولادة في موقف السيارات في إسعاف مستشفى “حكومي” ان تقبل بدفع مبلغ 5000ريال “بدل ولادة” أو قل غرامة ولادة ليتم قبولها في القسم التجاري من المستشفى ضمن فئة “ب” أي غرفة مشتركة.

وتشعر امرأة أخرى بما يشبه أعراض الحمل التي يمكن أن تكون غثياناً ناجماً عن تخمة تناول وجبة مطعم صيني فاخر فتطلب من بعلها فتح ثلاث ملفات في ثلاثة مستشفيات حكومية لأن أحدها يتميز بمستوى فاخر في عملية استقبال وضيافة قسم الـ VIP فيه والآخر بتوفر عنصر توليد نسائي والثالث بقسم ما بعد الولادة الذي يحوي جناحاً يليق بالمفاخرة، فيتم فتح الملفات دفعة واحدة مجاناً في ثلاثة مستشفيات حكومية “خمسة نجوم فندقية” لتضع في أحدهما غلاماً ربما كان سبب أزمة اقتصادية وتنعم أينما ذهبت لأي من هذه المستشفيات المجانية بضيافة من الدرجة الممتازة فما عليها إلا ان تهز جانب السرير ليتوافد عليها خدماً أوروبياً.

الأمر لا مبالغة فيه فالصورة الأولى من قصة واقعية “طازجة” الحدوث لامرأة سعودية لم تجد مكاناً تضع فيه حملها والصورة المغايرة تحدث يومياً عندما تتوفر “واسطة” الدعم والاستثناء.

أعلم ان معالي وزير الصحة الدكتور حمد المانع يسعى جاهداً لتصحيح وضع شح القبول في أقسام الولادة الحكومية التابعة لوزارة الصحة بدليل مبادرته بتسخير المدينة الطبية المهملة واستغلال جزء منها للولادة، كما انه غير ملام على ما حدث من تراكمات سنين عديدة قبله.

لذا فإنني أكتفي بتذكيره بعدم توفر فرص متساوية عادلة لكافة المواطنين في استغلال المستشفيات والإمكانات التي وفرتها الدولة في الخدمات الصحية للقطاعات الأخرى إضافة لمستشفيات الوزارة وهذا ينطبق على كل جوانب الرعاية الصحية وليست الولادة فقط، فبعض المواطنين يمكنه العلاج والمراجعة واجراء نفس التحاليل والفحوصات مكررة في أكثر من ثلاثة مستشفيات متقدمة، اما الفئة الأخرى فإنهم يعالجون على حسابهم الخاص في القطاع الأهلي أو لا يعالجون ونقصد “من ليس له صاحب!!”.

كنت منذ عدة سنوات اقترحت استخدام رقم بطاقة الأحوال كرقم طبي وربط جميع المستشفيات بالحاسب الآلي لمنع تكرار فتح الملفات الطبية مما سيؤدي إلى وفر كبير في كثير من المصاريف إلى جانب تخفيف العبء على جميع المستشفيات ليمكنها استيعاب جميع المحتاجين بفرص متساوية. وبمتابعة ما تم بهذا الخصوص علمنا ان لجاناً عليا كانت جادة في معالجة هذا الأمر بتطبيق ما سمي “بالبطاقة الذكية” لكن مشروع هذه البطاقة أحيل إلى الخدمات الطبية بالأمن العام لإبداء الرأي حسب ما ذكره تعقيب لمديرها الدكتور مفتي ويبدو ان “مشاغل” هذه الخدمات لم تتح لها الفرصة “لإبداء” الرأي وبالرغم من تعقيبي على هذا الموضوع بعدة تساؤلات فلم أجد إجابة!!

يا معالي وزير الصحة، ضمن خطواتك السريعة النشيطة، أناشدك سحب هذه المعاملة من أدراجهم وإعادة إحيائها، فالواضح ان البعض لا يسرهم إيجاد فرص علاج مجانية حكومية لكافة المواطنين لأنه لا يخدم مصلحة مستوصفاتهم الخاصة والمستشفيات الأهلية التي يملكون عدداً من أسهمها.

الجامعات الأهلية وتبرير الوزير

عودة إلى تصريح معالي وزير التعليم العالي حيث أشار إلى ان التوجه إلى دعم إنشاء جامعات وكليات أهلية يهدف إلى التوسع في إنشاء الكليات التي يحتاجها سوق العمل مثل الحاسب الآلي وغيرها. وحقيقة لولا أن ذلك التصريح نشر في أكثر من صحيفة في نفس اليوم، السبت 25جمادى الآخرة 1424هـ، لقلت إن ثمة خطأ مطبعياً لكن الواضح انه تصريح مجاز من ادارة العلاقات العامة أو مرسل للصحف كما جاء من المصدر وهو أمر فيه غرابة لأننا نعلم جميعاً ان مشكلتنا مع الجامعات والكليات الحكومية تكمن في عدم القبول وليس في شح مخرجات التخصصات المطلوبة في سوق العمل (هذا باستثناء التمريض فقط).
أي ان المعاناة الحقيقية لمجتمعنا تكمن في عدم قبول الكليات لخريجي الثانوية العامة رغم نسبهم العالية وفي الوقت ذاته عدم توفر فرص عمل للخريجين حتى في التخصصات الحيوية فثمة أطباء وأطباء أسنان وصيادلة ومتخصصون في الحاسب الآلي لم يجدوا فرصاً وظيفية حتى بعد سنوات من تخرجهم وأحد أسباب هذه الكارثة أن القطاع الخاص بمستشفياته وشركاته يحجم عن الإسهام بتوظيف السعوديين ويتجه نحو التعاقد من الخارج كونه أرخص وبالرغم من وضوح الجحود والتنكر في هذا السلوك من القطاع المدعوم إلا ان لدينا من هم مغرمون جداً بدعم هذا القطاع دون سبب مقنع أو مصلحة عامة بل ربما أن المصلحة الخاصة تقتضي الدعم والشراكة تفرض الغرام.

ومادام الواقع أننا لا نعاني من نقص في مخرجات التخصصات التي يحتاجها سوق العمل باستثناء التمريض فكيف يمكن قبول التبرير بأن الكليات الأهلية ستخدم المجتمع عن طريق تلبية احتياجات سوق العمل إلا إذا كانت جميعها كليات تمريض وهذا مستحيل.

إن محاولة ايجاد مبررات لدعم مشاريع تجارية لا يتناسب مع روح الشفافية والتوجه نحو المصارحة وتشخيص الواقع ومحاولة علاجه فالواقع في هذا الصدد هو أن مخرجات التعليم الجامعي والعالي الحكومية موجودة لكنها لا تستوعب أعداد المتقدمين ولم يتم تفعيل خطوات عملية لزيادة عدد المقبولين كما نصت التوجيهات أي لم يتم زيادة القدرة الاستيعابية لهذه الكليات، وفي الوقت ذاته فإن سوق العمل يوصد أبوابه أمام الأعداد القليلة المتخرجة حتى في مجال التخصصات التي نوهم أنفسنا أنها مطلوبة في سوق العمل لدينا لأن النسبة العظمى من فرص العمل متوفرة حالياً في القطاع الخاص وهذا القطاع يحتاج التخصصات المقصودة لكنه انتقائي يريدها غير سعودية رخيصة متجاهلاً كالعادة الدعم السابق وواجبه نحو الإسهام في توفير فرص العمل للسعوديين وهو بذلك لا يعنيه ان يكون الخريج تعلم مجاناً في جامعة حكومية أو تعلم على حسابه في جامعة أهلية وبالتالي فإن تبرير دعم إنشاء كليات أهلية لتزويد سوق العمل بالتخصصات المطلوبة يفتقر للصراحة والواقعية.

إن التبرير الواقعي المقبول، الشفاف هو أن الكليات والجامعات الحكومية غير قادرة على استيعاب المتقدمين إليها ولا يمكنها عملياً زيادة قبول الأعداد المتقدمة لأن قدرتها الاستيعابية لم يخطط لها بشكل صحيح أي بشكل يتنبأ بعدد المتقدمين وأن الكم الهائل من المتقدمين للجامعات الحكومية المرفوض قبولهم سيحولون إلى كليات تستثمر في تعليمهم على حسابهم كما يحدث مع الكلية التجارية الحالية ولأن المشكلة لا علاقة لها بشح مخرجات يحتاجها سوق العمل أو قل يتقبلها سوق العمل فإن هؤلاء الطلاب الذين سيكونون قد دفعوا مبالغ طائلة لمواصلة تعليمهم الجامعي لن يجدوا في سوق العمل المذكور وظائف تعوض ما صرفوه على الدراسة وسوف ينضمون إلى من سبقوهم في طابور البطالة ولكن هذه المرة بطالة مدفوعة التكاليف.

وعليه فإنني أعتقد ان الأجدر بالدعم هي الجامعات الحكومية لتستطيع عملياً زيادة الاستيعاب وإذا كان لابد من إنشاء جامعات أهلية فإنها ليست في حاجة للدعم الحكومي فالمستحقون للدعم هم الطلاب الذين سيلتحقون بالجامعات الأهلية أي ان الإعانات أو القروض الحكومية أو فرق السعر الرمزي للأراضي يفترض أن نحولها جميعاً إلى منح دراسية لعدد من الطلاب ليدرسوا في الجامعات الأهلية على حساب المنحة.

أجزم أن معالي وزير التعليم العالي هو مع مصلحة الجامعات الحكومية ومع مصلحة وحقوق طالبي التعليم ولا ينطبق عليه ما ذكر من تعاطف مع القطاع الخاص إلا ان إيراد ذلك التبرير ربما أُسيء إيصاله بالطريقة الصحيحة وإن كنت أتمنى ان يكون قد أُسيء فهمه لأن مواقف معاليه دائماً مع مصلحة التعليم العالي وتسهيل تحقيقه لأهدافه.

لماذا ندعم الجامعات الأهلية؟!

إذا لم نكن في قمة صراحتنا وشفافيتنا في هذا الوقت فمتى سنكون؟! والصراحة والشفافية تستوجبان الدقة في اختيار المبررات لأي إجراء بحيث تكون مقنعة جداً أو أن لا يتم هذا الإجراء أو على أقل تقدير إذا كان ولابد لنا أن نمرر خطوة غير مقنعة أن لا نستخدم لها مبررات غير مقنعة ولا ذات صلة.
خذ على سبيل المثال لا الحصر، مثال طازج يتعلق بدعم الجامعات والكليات الأهلية بالقروض المالية والأراضي ذات الأسعار الرمزية من أجل التوسع في إنشاء الجامعات والكليات الأهلية!!.

قبل أن أدخل في مدى دقة تبرير وزير التعليم العالي د. خالد العنقري لخطوة التوجه نحو إنشاء كليات وجامعات أهلية ودعمها من الدولة أود أن أتسأءل عن سبب شغفنا الدائم بدعم القطاع الخاص عندما يختار الاستثمار في نشاط مضمون النجاح مثل نشاط الاتجار في التعليم سواء في مراحله الأولية بحكم سوء المدارس الحكومية (المدارس الخاصة أكثر من البقالات) أو في مراحله الجامعية والدراسات العليا بحكم عدم القبول في الجامعات الحكومية (الجامعات ستكون أكثر من المستوصفات الأهلية.. وسترون ذلك)؟!.

تجارنا عندما ينوون الدخول في نشاط استثماري يدرسونه جيداً ولأنهم تجار حقاً وشركاء لضلوع قوية فإنهم ليسوا في حاجة لدعم الدولة مالياً أو عن طريق قروض وتسهيلات وأسعار رمزية لأن الدعم الحقيقي لهم هو في ترك الحرية لهم في فرض رسوم عالية وأسعار خيالية أي عن طريق منحهم كامل الحرية في امتصاص جيب العميل وعدم الإسهام في توظيف السعوديين وعدم تحديد حد أدنى لأجور القلة القليلة من الموظفين الوطنيين وجميع أشكال هذا الدعم حاصلة فماذا يريدون أكثر؟!.

لقد أثبت القطاع الخاص في أكثر من موقف عصيب بدءاً بأزمة الخليج الأولى في بداية التسعينات ومروراً بأزمة بطالة الشاب السعودي وما طرأ من احتياج لرد القطاع الخاص لجميل الوطن وانتهاءً بما لا نعلم نهايته أثبت هذا القطاع أنه لا يقيم وزناً للدعم من الدولة لا عند اتخاذه قرار ممارسة النشاط الاستثماري ولا عند نجاحه ونموه وحاجة البلاد إلى رده للدين!! ومع ذلك فإن ثمة إصرار غريب على تدليل هذا القطاع بمثل ما سيحدث من دعم إنشاء الجامعات والكليات الأهلية رغم تجربتنا الفاشلة في دعم المدارس الأهلية!!.

إن الأوءلى بالدعم هم الطلاب الذين سيرغمون على الالتحاق بجامعات وكليات أهلية بسبب عدم قبولهم في الجامعات الحكومية، فلو أن فارق قيمة الأرض الرمزية أو القروض حولت إلى منح دراسية لطلاب متفوقين لم تقبلهم الكليات الحكومية في تخصصات حيوية فإن هذا النوع من الدعم هو الأجدى وهو الذي سيحظى بالامتنان الدائم، وهو إجراء فيه أيضاً إرضاء للمشاعر الحنونة على القطاع الخاص كونه وسيلة ضمان زبائن مدفوعي التكلفة لتلك الجامعات!!.

في المقال القادم سوف أتطرق إلى تصريح معالي وزير التعليم العالي حول تبرير هذا الدعم.

المسعفون ينقذون الرقابة الدوائية

يوماً بعد يوم يثبت لنا قطعياً وعن طريق برهان عملي أن الوقت ما زال مبكراً جداً على منح الثقة للقطاع الخاص كي يصدر شهادات أو وثائق من أي نوع كان.
ولهذا السبب كنت وما زلت قلقاً وبشدة بسبب النية في إيكال تحليل الأدوية لمختبرات تتبع للقطاع الخاص لأن تلك المختبرات الخاصة سوف تمنح شهادة الجودة بمقابل مادي وهذا معناه أن مستقبل الرقابة على جودة الدواء وفاعليته والأمن من خطورته سيكون سلعة تجارية تخضع للمرونة في التعاون والعرض والطلب وتحقيق الربح مع عدم توفر الآلية الحكومية لضبط هذا التسيب المتوقع.

لنا أن نستشهد بما حدث من تجارة واسعة للتقارير الطبية وتقارير الإجازات المرضية وتقارير سلامة العمالة المنزلية من المرض، كل ذلك حدث لأن الثقة منحت للمستشفيات والمستوصفات الخاصة لمنح مثل هذه الشهادات الأساسية دون توفر إمكانات رقابية ولو بالحد الأدني. وكانت النتيجة تسيباً وظيفياً بإجازات مرضية وهمية، وخادمات يحملن الإيدز ويحملن شهادة خلو من الأمراض، بل ممرضات مصابات بأمراض معدية ويعملن في مستوصفات خاصة وحلاقون يمارسون مهنة الطب بشهادات مزيفة ويمارسون أعقد العمليات الجراحية.

ما تعرض له خريجو دورات تدريب المسعفين من عدم قدرتهم على اجتياز امتحان وزارة الصحة ناهيك عن استحالة توظيفهم رغم تخرجهم من معهد تجاري مثال صارخ جديد لكنه غير مفاجئ بل كان متوقعاً جداً بناء على الطريقة الخاطئة التي تم بموجبها فتح باب الالتحاق بتلك الدورات أو بأسلوب أكثر دقة فتح باب التجارة برغبات شباب عصامي يبحث عن المستقبل والأمن الوظيفي حتى لو استدان ودفع مبلغاً كبيراً قوامه 25ألف ريال لشراء الأمل.

الجديد في موضوع مخرجات دورات المسعفين أن فتح الباب جاء من جهة واحدة لا تملك هذا الحق بمفردها وهي إدارة التدريب والتطوير بجمعية الهلال الأحمر عندما بدأت اتفاقات فردية مع معاهد تدريب دون إقرار مثل هذه الاتفاقات من جميع الجهات ذات الاختصاص وروجت لهذا الاتفاق وجعلت منه باب أمل كبير عن طريق تفعيل آلية بين طرفين فقط لقبول الخريجين مباشرة ثم دخل أطراف آخرون يبحثون كغيرهم عن الربح الوفير المتمثل في ( 25ألف عن كل رأس) مع أقل جهد ممكن في التعليم.

لقد أحدث هذا التوجه عديم التنسيق في بداياته ونهايته إرباكاً كبيراً لدي هيئة التخصصات الطبية ووزارة الصحة والخريجين أنفسهم وتضرر جميع هؤلاء واستفاد قطاع خاص وأشخاص.

هيئة التخصصات وجدت نفسها أمام معهد يشهد إقبالاً بسبب اتفاقياته مع الجمعية ومعاهد أخرى تريد العدل وتساوي الفرص ويبدو أنها وضعت في موقف حرج لا يقبل إلا اعتماد أي معهد يعادل ذلك المدعوم. ولأن المقياس أو المرجعية ضعيف جداً أصبح الجميع في نفس المستوى!! وزارة الصحة هي الأخرى وجدت خريجين لم يؤهلوا لكي يستجيبوا لمتطلبات أو يجيبون اسئلتها إلى درجة أن نسبة من اجتاز الامتحان هي واحد من كل مائة طالب وهو أمر لا ذنب للطلاب فيه فهم دفعوا لكي يتعلموا ويخدموا بلدهم.

لا شك أن إدارة التدريب والتطوير بجمعية الهلال الأحمر لابد أن يتم مساءلتها كيف ورطتنا في فتح هذا الباب دون تنسيق مع الجهات المعنية ومع إعطاء الاهتمام بالماديات دون الأكاديميات.

لكن السؤال الهام الآخر هو هل سنستمر في منح الثقة للقطاع الخاص في أمور تأهيلية ذات حساسية وخطورة مثل فحص الأدوية رغم ما شهدناه من مواقف سلبية ودروس مؤلمة ورغم أننا نفتقر لأهم عناصر منح الثقة وهو القدرة على الرقابة وكشف التلاعب. أعتقد أن علينا أن نتوقف فالوضع لا يحتمل المجازفة.

هفوة الهلال الأحمر

الخبر الذي نشرته جريدة الرياض يوم أول أمس السبت حول الفاجعة المصيرية لأكثر من مئة طالب عصامي حصلوا على دبلوم إسعاف وطواريء بعد أن دفع كل واحد منهم مبلغ (25) ألف ريال للمعهد ثم عجزوا عن اجتياز اختبار وزارة الصحة وتجاهلت طلبهم جمعية الهلال الأحمر السعودي لأنهم ليسوا من خريجي المعهد الداعم للجمعية بنصيب وافر من رسوم التسجيل.
هذا الخبر تألمت له كثيراً رغم أنني توقعت حدوث فصوله المحزنة في مقال كتبته في هذه الزاوية يوم الأربعاء 2محرم 1424هـ حول اتفاقية غامضة غير معلنة البنود وقعتها جمعية الهلال الأحمر السعودي مع أحد المعاهد لتدريب مسعفين وتساءلت عن البنود التي بموجبها عقدت الصفقة وهل تبعث على الاطمئنان على أن مخرجات المسعفين مؤهلة ومعتمدة وأن التدريب يتم تحت مظلة أكاديمية حكومية دقيقة وأن جهة التدريب ليست مجرد مكاتب منح شهادات مقابل جباية (25) ألف ريال وتساءلت عن نسبة الجمعية من هذا المبلغ، والأهم من هذا وذاك مصير الخريج عملياً وعلمياً ووظيفياً.

لم تجب جمعية الهلال الأحمر على تلك التساؤلات ولم تجنّد للرد عليها عدداً من المسعفين المكلفين بواجبات منزلية للبصم على ردود مسبقة الإعداد من رئيسهم المباشر والوحيد متعدد الوظائف.

جاء الرد في شكل مأساة أكثر من مئة خريج لمعهد لم يوقع اتفاقية الدعم والنسبة بعد لكن الطلاب استدانوا لدفع 25ألف ريال على أمل أن يرحب بهم مثلما يحدث مع المعهد سباعي الحروف الذي يحظى بالقبول المباشر من جمعية الهلال الأحمر دون قيد أو شرط لأنه يفرض إلى جانب الرسوم المشتركة، شراء كتاب ألّفه مدير عام التدريب والتطوير والإسعاف والمشرف على الخدمات الإسعافية بالجمعية!!.

تلك السّنة التي سنّتها جمعية الهلال الأحمر وتحديداً إدارة التدريب والتطوير والمتمثلة في الاتفاقيات مع معاهد معينة وقرن التوظيف بالدعم والمشاركة في الرسوم من قبل الجمعية مع عدم وضوح وإعلان البنود أدى إلى توجه القطاع الخاص إلى افتتاح المزيد من المعاهد والحصول على اعتماد هيئة التخصصات الطبية وبطبيعة الحال فإن الطالب المتقدم لايعلم ما إذا كان المعهد ينعم بتيسير توظيف الخريجين أم لا فهو لم يقرأ إتفاقيات واضحة وبنوداً شفافة، وهذا الأمر لمسته واضحاً باتصالي ببعض خريجي المعهد غير الداعم المعني بخبر جريدة الرياض أول أمس وأفادوا بكل براءة واستغراب “أن زملاءنا من خريجي المعهد الآخر وظفتهم جمعية الهلال الأحمر فوراً رغم أنهم حصلوا على الدبلوم بعدنا بكثير ودرسوا نفس مادرسناه باستثناء الكتاب طيب الذكر حيث يفرض معهدهم شراءه وتدريسه!!”.

إن من الاعوجاج شديد الخطورة أن يتم الربط بين قبول الخريج واتفاقيات الدعم أو المشاركة فمسألة اعتماد الشهادة وبالتالي قبول المتخرج أمر أكاديمي بحت لايصح أن يربط باتفاقيات مادية وسبق أن أشرت بكل صراحة ونية صادقة إلى أنه من غير المنطقي ولا الإجراء الصحي أن يتولى مسئولية التدريب والتطوير نفس الموظف المسئول عن الإسعاف وأحدهما محك للآخر!! ويكون الأمر أكثر خطورة وغرابة عندما يكون الموظف نفسه مديرا للخدمات الإسعافية وكأن البلد ليس بها إلا هذا الولد!!.

عندما يكون مصير المتدرب والمتخرج والمتعين ومستقبل التطور الوظيفي وتقييم المسعف في يد شخص واحد فما الذي نتوقعه من الموظف غير الرضوخ لواقع مر بل والدفاع عنه دون قناعة.

ما الذي يجعل دبلوم سنة يكلف ( 25ألف) ريال أي مايعادل تكاليف ثلاث سنوات في مدرسة خاصة في المرحلة الثانوية؟! إنه ضمان التعيين وهذا ماسنّته اتفاقيات جمعية الهلال الأحمر مع معهد ثم آخر لكن الباب انفتح بنفس التسعيرة ولكن دون ضمان لإنعدام المصلحة والمشكلة ليست في عدم إجتياز الخريج لامتحان وزارة الصحة انها وبكل صراحة خليط من عدم قناعة كل من هيئة التخصصات الطبية ووزارة الصحة والمعاهد غير المستعدة لاتباع أسلوب تبادل المصالح مع الجمعية بما حدث ويحدث وكالعادة فإن الطالب هو الضحية لأنه يسير في ظلام دامس ويدخل مجازفة ثمنها 25ألف ريال لو أنفقها في دورات حاسب آلي لأصبح من علمائه.

هذه الجمعية لابد أن تعود تحت سيطرة وزارة الصحة حتى نتلافى مزيداً من الأخطاء.

الحوارات المفتوحة

لقد آن الأوان وأصبحت الحاجة أكثر إلحاحاً لإعادة عقد الحوارات المفتوحة بين جميع من يرغب والوزير المسؤول، تلك الحوارات التي بدأتها جامعة الرياض آنذاك “جامعة الملك سعود حالياً” في مقرها المتواضع في الملز وكانت هادفة وبناءة ومفيدة وتستضيف كبار المسؤولين وتلقى فيها الأسئلة والمداخلات مباشرة عبر مكبر صوت لاسلكي.
اليوم أصبح الحوار على مستويات فكرية أكثر انتقاء وحول مواضيع أكثر عمقاً وهذا رائع لكنه لا يمنع مطلقاً ولا يغني عن فتح باب الحوار العام بين المسؤول “وزيراً أو نائباً أو وكيل وزارة” وبين المواطن المستهدف بالخدمة أو المصلحة من الوزارة.

إن المواطن سواء كان موظفاً في الوزارة أو من المحتاجين لخدماتها أو المتضررين من بعض نظمها وإجراءاتها في أمس الحاجة للتحدث للوزير وجهاً لوجه وإبداء ملاحظاته وتوجيه استفساراته وتساؤلاته والمكاشفة حولها بمنتهي الشفافية وفي حضور الملأ لأن مقابلة الوزير في ممر الوزارة أو في المصلى أو حتى في مكتبه على عجل ووجل وهمس سريع لا تحقق الفائدة.

ما تحفل به الصحافة من شكوى وما تشهده هواتف قنوات الفضاء من ازدحام وما يحدث أمام أبواب كبار المسؤولين من تدافع كلها أعراض تدل على أن لدى الناس ما يقولونه ولو فتح لهم باب حوار مباشر مع الوزير المختص بنفس حرية قنوات الفضاء لتحقق حوار أكثر انضباطاً وأعم فائدة وأجمل ستراً وحقق فكاً للازدحام على الصحافة وهواتف الفضائيات والأبواب المفتوحة.

هذه الخطوة يجب أن لا تترك في انتظار مبادرة الوزراء لأنها قد لا تأتي من بعضهم!! ويجب أن لا تترك لاجتهاد منظم شديد التحفظ لا يواكب ما نشهده من مرونة وشفافية فقد يفرض أسئلة مكتوبة تقتل الحوار وهو أسلوب يتنافى مع مبدأ التحاور ولكن لدينا وللأسف من لا زال غير قادر على تغيير طبيعته وأسلوب تفكيره وحرصه المبني على انغلاق أو تظاهر ومثل هذه الحوارات الهادفة البناءة الجريئة لا يصلح لإداراتها أو تنظيمها إلا مدرك جيد لأهدافها.

الحل الاجتماعي المنفرد

لأن طرق الحل للمشاكل الاجتماعية الجماعية مسدودة حتى اشعار آخر او أجل غير مسمى تستشعر عنده وزارة العمل والشؤون الاجتماعية دورها في ضرورة سرعة تبني مشاكل غير القادرين على مجابهة ظروف الحياة. ولأن الصحافة أصبحت القناة الوحيدة للحل السريع فإن من يعانون من أي نوع من أنواع العجز الاجتماعي يتوجهون بعد الله الى احدى الصحف لنشر معاناتهم بالاسم والصورة وكشف المستور وسفك ماء الوجه وجميعها أمور مؤلمة تصعب على النفس البشرية لكن الحاجة مع اليأس أكثر ايلاماً.
تنشر الحالة بكل تفاصيلها وتوسلاتها وصورها ليأتي في اليوم التالي او الذي يليه من يتبنى هذه الحالة الفردية ويعلن تكفله بحلها أيضاً بالاسم والصورة وكأنه لا يهمه أن تعلم جميع الأيدي الشمال لكل الناس ما أنفقت يمينه!!.

ترى هل هكذا سنتعامل مع حالات العوز الاجتماعي والحاجة الى علاج طبي والحاجة الى تفريج كرب اجتماعية لا تقتصر على واحد او مئة او ألف.

من المؤكد أن الصحف لن تستوعب أعداد المحتاجين ولن يفوز بنشر حالته فيها إلا نذر يسير جداً بل لن يقبل بنشر معاناته وكشف ستره والتوسل الى انسان مثله أي واحد ممن لا يسألون الناس الحافاً!!.

ثم ان هذا النوع من المسلك المهين ليس الحل الذي يليق بمجتمعنا وديننا وأخلاقنا وليس من اللائق ولا المقبول ان يقف منه الوزير المسؤول عن الشؤون الاجتماعية وعلاج الفقر موقف المتفرج الراضي عما يحدث لأن السكوت علامة رضى.

لا نقول امنعوا نشر هذه المطالبات في الصحف لأننا لا نقصد قفل القناة الوحيدة حالياً لتفريج الكرب ولا نجرؤ على المطالبة بحرمان محتاج مضطر من الحل الوحيد ولكن نرفع الصوت مطالبين بسرعة فتح القنوات المناسبة المستحقة التي توفر عامل الستر وتفريج الكربة دون منة على أساس من الحفاظ على الكرامة والحقوق.

نريد أن لا تعطل فرص وقنوات حل المشاكل الاجتماعية والمعاناة الاسرية بحجة انتظار الحلول الجذرية التي سيتولاها صندوق معالجة الفقر لأن من طبيعة بعضنا شئنا أم أبينا انه اذا انشغل ببرنامج مستقبلي طويل الأمد اجل كل المطالبات لحين انتهاء ذلك البرنامج ومثل هذه الحاجات الانسانية لا تقبل التأجيل وتحتاج الى من يجيد التعامل مع قناتين قناة عاجلة تعالج الوضع القائم مباشرة واخرى تتعامل مع الحلول الجذرية المستقبلية.

قنوات الشـكوى

وسائل تخفيف الضغوط النفسية على المواطنين كثيرة ومتعددة بمثل تعدد الضغوط نفسها ومسبباتها. وبالتالي فان إحدى هذه الوسائل لايمكن ان تغني عن الآخرى لان علاج عضو من الجسد من شكوى معينة لايغني عن معالجة اعضاء اخرى من آلام مختلفة لكي يصح الجسد ويستقيم.
البطالة مثلاً عامل ضغط نفسي وتخفيفه يكون بتوفير الوظائف في القطاعين العام والخاص اي التوظيف، في المقابل فإن عدم توفر فرص الالتحاق بالتعليم الجامعي او العسكري او المهني عامل ضغط نفسي آخر وعلاجه بتوسيع امكانية ودائرة الاستيعاب في مجال التعليم وهكذا فان مسببات التذمر تتعدد وتحتاج الى معالجة كل منها على حدة وبنفس الحدة!!.

في رأيي الشخصي ان عدم توفر قنوات فعالة وكافية لاستقبال الشكاوى خاصة على تقصير الجهات الحكومية وتعسف بعض الموظفين والمسؤولين وضياع بعض الحقوق في هذا الصدد في زحمة الروتين ووسط اجواء تمييع القضايا والتظلمات احد مسببات الضغط النفسي وحالة اليأس التي يشعر بها صاحب الحق الضائع وهي جديرة بالاهتمام والمعالجة بنفس الاهتمام والجدية التي نوجهها للمنغصات الاخرى المذكورة آنفاً.

صحيح ان ديوان المظالم يستقبل تظلمات المواطنين والمقيمين بما في ذلك شكواهم على الدوائر الحكومية لكن الشعور العام انه يعنى بالقضايا الكبيرة التي تحتاج الى نفس طويل وصبر قد يطول كثيراً فهو يغص بهذا النوع من القضايا المعقدة طويلة الامد.

في جانب الشكوى على القطاع الخاص تلعب حماية المستهلك دوراً لا بأس به وان كانت تعتمد اعتماداً تاماً على مستندات وشروط معدة من قبل التاجر ومهمتها البحث عن خلل او إخلال تحمي به المستهلك.

خلاف ذلك فان المواطن في حياته اليومية وطلباته ومراجعاته ومشاحناته مع الدوائر الحكومية والخاصة اذا تعرض لظلم او (غبن) اوسلب حق او إهانة او تقديم غيره عليه او تعريضه للخطراواتخاذ موقف شخصي ضده أو غيره من صور التضييق فانه لا يجد امامه سوى قناة الصحافة للشكوى وكانت الدوائر الحكومية تتفاعل مع الشكوى الصحفية بالدفاع والنفي اما الآن فانها لم تعد تعير اهتماماً حتى لما ينشر.

السؤال العريض الآن هو لمن يشتكي المراجع او المواطن مثل هذه الممارسات اليومية التي لاترقى الى كونها قضية قضائية تحتاج الى صبر وتوكيل محام وخلافه وفي الوقت ذاته هي من أهم مسببات التذمر والقلق والضغط النفسي؟

المسؤول عن الدائرة الحكومية الموجهة ضدها الشكوى يتخذ في الغالب موقفاً دفاعياً عن الموظف او الادارة وغالباً ما يخرج من مكتبه المشتكي وهو اكثر تذمراً وتظلماً!!.

هذا ينطبق على المدير او وكيل الوزارة او حتى الوزير اذا كان ممن يفتح بابه فالموقف سلبي متعب لايرد حقاً ولايمنع باطلاً فالخصم هو الحكم ولعل اكثر الادلة وضوحاً على هذا التواجه هو ان جميع الوزارات دون استثناء ليس بها ادارة استقبال شكوى بينما جميعها بها ادارة كبرى للعلاقات العامة يقوم عليها رجل من اهم شروطه ان يكون إعلامياً له علاقات تضمن الدعاية لصاحب المعالي والدفاع عن وزارته بكل السبل.

ما أراه حلاً ضرورياً هو ان يكون لديوان المظالم او لهيئة الرقابة والتحقيق مكتب مستقل في كل وزارة يستقبل شكوى المراجعين ويسعى لإنصافهم دون ان يتأثر بسلطة مسؤولي الوزارة مشابه لوضع ممثل مالي لوزارة المالية في كل قطاع.

ليس أنسب لخفض ضغط دم مواطن أثاره الاستفزاز من مكتب مستقل يرد حقه او يسعى لذلك وليس اخطر من تركه يعود لمنزله وقد استفرد به اليأس وهو يعلم جيداً انه ظُلم.

طالبات في ديوان المظالم

القرار الغريب الذي اتخذته وزارة التربية والتعليم (باكورة إنتاج الوزارة بعد المسمى الجديد) في حق الصغيرات البريئات اللاتي تم قبولهن طوعاً في مدارس الوزارة أو القطاع الخاص قبل أن يكملن ما يسمى بالسن القانونية، هذا القرار بدت آثاره السلبية المتوقعة تبرز للعيان في شكل إحباط نفسي خطير لمئات الصغيرات (أمهات ومعلمات وطبيبات ومربيات المستقبل) لا تحمد عقباه على المدى القريب والبعيد ولا يفترض وطنياً أن يترك لتعسف قرار مرتجل غير مدروس ولا مبرر، بل إن كل مبرراته ترد عليه فمن محاسن الصدف أن جل من ظلمهن القرار ناجحات بامتياز!!
الآثار لم تقتصر على نفسية الصغيرات بل طالت إدارات التعليم ومكتب الوزير والدوائر القضائية وديوان المظالم ناهيك عن مقرات الصحف وصفحاتها والبريد العادي والإلكتروني للصحافيين، والوزارة تستمتع بما يحدث، ربما لأن فيه ترديداً لاسمها الجديد الذي لم تثبت بعد أن لها منه نصيباً.

كم هائل من شكاوي التظلم لتلك الجهات لم تحرك ساكناً في وزارة التربية والتعليم التي يبدو أنها تعيش مرحلة قفل لباب الحوار وتيبس للرؤوس ربما يكون أحد أعراض غرور من نوع خاص كغرور التجديد مثلاً.

كنا جميعاً سنصفق لهذه الوزارة لو طبقت المثاليات في أمور أكثر أهمية بناء على جدول مقنع للأولويات!!، كنا سنقف احتراماً لو راجعت وعدلت بأثر رجعي قرارات التعيين التي تمت بتوسط أو استثناءات النقل للمعلمات والمعلمين التي لعبت العلاقات الخاصة والأوراق الصغيرة دوراً في إنجازها دون ميزة أخرى مستحقة، كنا سنرفع (الطواقي) إجلالا لو أن التصحيح بأثر رجعي طال ترسية مشاريع أو محاسبة مقاول أو معاقبة متعهد ربما حظي أحدهم بتجاوز كونه ابناً أو صديقاً.

أما أن يكون التطبيق بأثر رجعي في حق صغيرات لا يدركن ما حدث ويحدث بل وحتى أولياء أمورهن، عوقبوا في فلذات أكبادهم بناءً على ادعاء مخالفتهن للتعميم رقم 13/2777في 1424/3/19هـ وهو في الأصل تعميم سري لم يبلغ به ذوو المصلحة ولا تقوم به الحجة كونه غير معلوم لأولياء أمور الطالبات ولم يمنحوا فرصة التجاوب معه بعد أن شاع وطبق بأثر رجعي يسبق حتى تاريخه وهو سري!!

سيل من الشكاوى والمخاوف من التعرض لأمراض نفسية لم تعرها وزارة “التربية” أدنى اهتمام مما حدا بأصحابها إلى التحول إلى ديوان المظالم والقلوب الرحيمة لكبار المسؤولين وبذلك فإن وزارة التربية والتعليم شكلت ثقلاً على الدوائر الأخرى والأبواب المفتوحة، ليس لقلة وعي المواطن كما كانت الحجة قديماً ولكن لأن وعي الأب والأم بالتصرف الصحيح وبحقوقهما وبالمنطق وبما يترتب على القرار من تداعيات نفسية خطيرة أصبح يفوق قدرات بعض متخذي القرارات.

إن قراراً مثل هذا كان من المفترض أن يجاز من جهة تدرك أبعاد القرار كمجلس الشورى وأرى أن يعاد النظر فيه دون الرجوع لوزارة التربية والتعليم لأنها بموجب ما رفع من تظلمات كثيرة هي الخصم ولا يجوز أن تترك كحكم.

أمامي الآن دعوى مرفوعة لديوان المظالم في هذا الصدد فيها من الحجج والحيثيات ما يؤكد أنها لن تخسر في بلد العدل، هي واحدة من مئات الشكاوى المماثلة، الطريف المبكي فيها أنها لصغيرتين توأم حصلت كل واحدة منهما على أعلى درجة في سلم التقويم بما في ذلك الرياضيات والعلوم واللغة الإنجليزية والفرنسية وشهادة تقدير واتقان لجميع المعارف والمهارات (أليس التقويم هو الفيصل؟! وأيهما أخطر الصعوبات التي تتوقع الوزارة أنها ستواجه الطالبات أم العقد النفسية المؤكدة كنتيجة للقرار؟!) ولنتمعن في عبارتين مؤثرتين كتبتهما رائدة الفصل للتوأم قبل أن تعلم ما ينتظرهما من مصير مظلم، إحدى العبارات تقول: (بارك الله بك طالبتي المثالية أنت فخر لنا أتمنى لك مستقبلاًمشرقاً لأننا بك نزهو وعلى أمثالك نعقد آمالاً كباراً بعون الله تعالى) وتقول الأخرى: (جهودك المبذولة ومواظبتك الدائمة جعلتك في مقدمة الممتازات بارك الله بك طالبتي المجدة وأتمنى لك مستقبلاً مشرقاً بعون الله تعالى).

مثل تلك العبارات تحفظها الطالبة عن ظهر قلب!! ترى ماذا سيحدث عندما ترى نفس المعلمة في نفس الصف تعيد تدريسها نفس المواد التي ادعت أنها تفوقت فيها؟! هل ستصدق المعلمة مستقبلاً؟! هل ستحبها؟! هل ستصدق أي شيء في هذا الوطن؟! بل هل ستحبه؟!

الهامش الأمثل للترشيد!!

سابقاً اقترحت أن تشهد المراتب الدنيا أو مراتب الوسط “من العاشرة ودون” زيادة في الرواتب لا تشمل المراتب العليا المكلفة وتكون الزيادة أكبر في الوظائف الأصغر أي أن تتناسب الزيادة عكسياً مع الراتب الأساسي ليتمكن ذوو الدخل المحدود والوظائف الدنيا من مواجهة احتياجات الحياة الأساسية التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً “خاصة فيما يخص فواتير الخدمات” دون أن تشهد الرواتب أي زيادة منذ أكثر من عشرين سنة.
ومنذ عدة أيام تمنيت تطبيق الهرم المقلوب في رصد المكافآت للعاملين في المناسبات الخاصة بحيث تكون المكافأة الأكبر للموظف الأقل مرتباً وهكذا.

منطلق مثل هذه المقترحات في رأيي المتواضع أن أي نوع من أنواع التوفير أو التقشف يجب أن يبدأ بالميسور قبل المعسر وبالموظف الكبير قبل الصغير وبالغني قبل الفقير وبذلك سيكون إجراء التوفير أجدى وأقل تأثيرا على متوسطي الحال والفقراء ولن يكون بالغ الأثر على من يمسهم لأنهم وبحكم مستوى الدخل سنين عديدة قادرون على تحمل بعض سنين عجاف.

وفي الوقت ذاته فإنه من غير المقبول منطقياً ونفسياً أن نتحدث عن توفير في الصرف وزيادات في بعض الرسوم والأسعار بينما تستمر بعض البدلات والمكافآت والعطاءات في ازدياد مع أنها الأكثر والأقل استحقاقاً وظيفياً.

اتخاذ قرارات زيادة في الأساسيات وتبريرها بعدم المساس بشريحة محدودي الدخل مثلما حدث في شرائح الكهرباء سابقاً ونوعية البنزين المرفوع سعره حالياً وما يجري التلويح به من زيادة على تعرفة الماء. كل هذه الزيادات رغم أنها تراعي بشكل أو بآخر شريحة محدودي الدخل نظرياً إلا أنها ليست الإجراء ذا الأولوية ضمن سلسلة إجراءات تقشف أو توفير يفترض أن تمس المصروفات غير الأساسية التي تشهد مبالغة كبيرة لا تتناسب والوضع الاقتصادي الحالي وأن تمس بدلات ومكافآت وإعفاءات المناصب العليا وامتيازاتها الوظيفية التي لو قلصت فإن التوفير سيكون أكبر بكثير دون أدنى تأثير على الموظف في المراتب العليا مع كبير الأثر على العامل النفسي للموظف الصغير وجدية توجه الترشيد.

مجمل القول أن ثمة هامش صرف كبير في مجال الامتيازات للمراتب العليا يمكن استخدامه لبداية جادة للترشيد قبل رفع سعر البنزين أو تعرفة الماء أو أي رسوم أخرى تمس عملياً ذوي الدخل المحدود أو المتوسط حتى وإن بدت غير ذلك نظرياً.