الكاتب: محمد الأحيدب

تجارة موظف الدولة!!

يمنع النظام وبشدة أن يمتلك الموظف الحكومي متجراً أو مؤسسة أو يفتح سجلا تجاريا، أي أن عليه أن يختار بين أن يتفرغ للعمل الحكومي أو أن يتحول للتجارة بالاستقالة أو التقاعد.

نظام رائع وهام وربما يبدو للوهلة الأولى أنه يهدف فقط لتفرغ الموظف الحكومي للمسؤولية المناطة به وضمان عدم انشغاله بأعمال خاصة حتى خارج وقت الدوام على أساس (ماجعل الله لرجل قلبين في جوفه) فمهما ادعى التوفيق بين مسؤوليات العمل الحكومي وأعماله الخاصة فإنه لابد أن يميل لمصلحته ويخرج وقت الدوام ويفضل مصالحه الخاصة على حساب مصالح الناس وعمل يتقاضى عليه أجرا مجزياً.

الأنظمة والأحكام واللوائح في هذا الصدد تهدف إلى أكبر من مجرد التفرغ بل لتلافي سلبيات كثيرة قد تنجم عن الجمع بين عمل حكومي وعمل تجاري خاص ومنها على سبيل المثال لا الحصر استفادة المؤسسة التجارية من تسهيلات ونفوذ المسؤولية الحكومية عن طريق الموظف نفسه أو علاقاته بحكم وظيفته وهو أمر متوقع عندما نؤمن أن النفس البشرية ضعيفة وتأمر بالسوء!

هذا النظام مثله كغيره عرضة للتحايل عليه بطرق خفية يصعب كشفها، مثل تغيير اسم المالك والاختفاء خلف اسم ابن أو أخ أو صديق حميم موثوق، وهذا من أشكال التحايل أو التستر التي يصعب كشفها أو إثباتها إذا اكتشفت ولا يمكن المطالبة بكشفه فمن المستحيل على أية جهة رقابية مهما بلغت أن تسعى لفضح مثل هذا الاختفاء إلا إذا شاء الله له أن يفتضح بخلاف بين الشركاء أو فضيحة مالية أو خلافه.

وحسب علمي فإن نظام المنع هذا لم يطرأ عليه أي تغيير أو تساهل أو مرونة ولذا فإنني أستغرب أن تتحول هذه الممارسة من العمل في الخفاء بخوف وخجل إلى التبجح والإعلان دون خوف ولا حياء.

قد يعلم الناس أو بعضهم أن هذه المؤسسة أو تلك تتبع لفلان أو يساورهم الشك في هذه التبعية من واقع بعض المعطيات، لكن أن يقوم الشخص نفسه وبكل بجاحة وعدم حياء بالتحدث عن مؤسسته وحثِّ زملائه في الدوائر الأخرى على دعمها وتشجيعها والتعامل معها كل هذا وهو على رأس العمل فهذا ينم عن استهتار وجهر بممارسة خاطئة وحث للغير على سلوك نفس المسلك الخاطئ بل ربما وصل الأمر إلى أن يخاطب زملاءه خطيا طالبا إعطاء التسهيلات لمؤسسته وتوزيع بطاقات تعريف بشخصه كمرجعية لهذه المؤسسة!

ولا أعتقد أن أمن العقوبة يلعب دورا هنا لعلمي أن الدولة أعزها الله جادة كل الجد في محاربة مثل هذه المخالفات لكن النفس تنجذب للممارسة الخاطئة بفعل تزيين الشيطان لها سوء العمل حتى يوصلها إلى درجة من الإمعان في الخطأ تشعر بعده أن ما تفعله أمر طبيعي ومألوف ومقبول إلى درجة الجهر بالاثم مما يجعل الشخص لا يستتر إذا ابتلي ويتبنى “مشورة” الشيطان دون شعور أو حس أو خوف حتى يقع وسوف يقع! !

تلفزيون الفرص الضائعة

ثلاثة أحداث حدثت في فترة زمنية واحدة على أرض هذا الوطن، وجميعها لها مؤشرات إيجابية دون أدنى شك ولكن بتفاوت يرجح كل منها على الآخر ويرجح اثنان منهما على الثالث بشكل كبير جداً.

نجاح المهرجان الوطني للتراث والثقافة (جنادرية 17) ونجاح عملية فصل التوأمتين السياميتين السودانيتين “في المملكة” ونجاح منتخب المملكة لكرة القدم في الحصول على كأس الخليج الخامسة عشرة.

دعونا بواقعية وموضوعية نتفحص أهمية كل منها من جانب مردوده الإيجابي على المملكة عالمياً من وجهة نظر إعلامية، وفي هذا الوقت بالذات ودلالات كل واحد منها على تطوير إنسان هذا البلد علمياً وفكرياً وهي المقاييس الحقيقية لتقدم الأمم والتي تستخدم لتصنيف البلد ضمن الدول المتقدمة أو النامية أو تحت النامية أو المتخلفة. ثم نرى كيف تعامل معها إعلامنا الرسمي وخاصة قنواته الفضائية التي يفترض أن تأخذ في الاعتبار الأهمية العالمية للحدث ونقله للعالم ليعكس الصورة الناصعة لما نعيشه من تقدم في هذا البلد وانصاف المملكة بوضعها في موضعها الذي تستحقه ضمن الدول المتقدمة.

المهرجان الوطني للتراث والثقافة في جانبه التراثي يمثل تجسيداً واضحاً وسهلاً وممتعاً لمستوى النقلة العظيمة التي تحققت في هذا الوطن بين ماض قريب يفتقد لأبسط مقومات الحياة من أمن وعلم وصحة إلى حاضر أصبح فيه نفس الوطن مدرسة أمنية ومركز تصدير للمعرفة وتدريب للخبرات وأنموذجاً للرعاية الصحية المتقدمة. وفي جانبه الثقافي المتميز هذا العام يمثل مهرجان الجنادرية ريادة المملكة عربياً وإسلامياً في المجال الثقافي وتبنيها للحوار الواعي الصريح حول قضايا الأمة والعالم أجمع.

وفي كلا الجانبين التراثي والثقافي ترد الجنادرية على ما يحاول الإعلام الغربي والأمريكي بصفة خاصة ترويجه هذه الأيام عن المملكة.

تلفزيوننا العزيز بذل جهداً يسيراً في متابعة الجانب التراثي وغاب عن الجانب الثقافي ولم يعطه ما يستحق من أهمية.

عملية فصل توأمتين ملتصقتين سودانيتين “في المملكة” وهي عملية معقدة بكل المقاييس ونادرة ونجاحها أندر ويعتمد على قدرات وإمكانات العنصر البشري متعدد التخصصات أكثر من اعتماده على الأجهزة المستوردة وعندما يتخصص فريق طبي سعودي في إجرائها بكفاءة ونجاح، وعندما تجرى في مستشفى حكومي سعودي ويصبح مرجعاً علمياً في هذا المجال للعالم أجمع فإن لهذا الإنجاز دلالات كثيرة ومتعددة منها أن نعمة الرخاء والتطور التي تعيشها المملكة ليست حكراً على مواطنيها بل شملت أبناء الأمة العربية والإسلامية ويجسدها سرعة تجاوب ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز مع برقية والد التوأمتين (نصف ساعة فقط كما ذكر الأب في تصريحاته).

ومنها أن المواطن السعودي تفوق على غيره في عدة مجالات تحتاج إلى علم وفكر ووعي وممارسة وخبرة وهذا لا يمكن أن يحققه إلاّ مواطن يعيش في بلد متقدم ويجد البيئة المناسبة للنبوغ والبروز.

تلفزيوننا العزيز اكتفى بخبر مقتضب في نشرة الأخبار عن عملية فصل التوائم السيامية رغم أنه طلب منه عرض مقاطع منها على الهواء مباشرة، ورغم أن مصور التلفزيون أخذ للقطات متعددة لمراحلها وسجل حديثاً مع الفريق الطبي الذي أجراها وبذل المصور إضافة إلى فريق التصوير بالعلاقات العامة للحرس الوطني جهداً كبيراً في التصوير من داخل غرفة العمليات إلاّ أن هذا كله لم يرَ النور باسثتناء الخبر القصير آنف الذكر في نشرة الأخبار.

وحقق منتخب المملكة كأس الخليج في كرة القدم وتحقيق أي دولة لكأس في كرة القدم أمر مفرح على مستوى وطني وكرة القدم تحظى بشعبية كبيرة عالمياً، هذا لا خلاف عليه، لكن البروز في مجالها والفوز ببطولاتها لا يعني بالضرورة تطور البلد الفائز وتقدمها بل أن الواقع يشير إلى العكس فأقل الدول إمكانات وتطوراً وأكثرها فقرًا تصنف ضمن الدول القوية في مجال كرة القدم وتصدر أعلى اللاعبين سعراً في العالم.

الأورغواي، الكاميرون، نجيريا، إلى جانب البرازيل والأرجنتين وكولومبيا جميعها دول لها إنجازات كروية كبيرة بينما لم تعرف اليابان والولايات المتحدة الأمريكية كرة القدم إلاّ حديثاً ولم تحقق إنجازاً كالذي حققته الأورغواي مثلاً.

وباستثناء شهرة بعض الدول عالمياً فإن الفوز في كرة القدم لا يحقق تصنيفاً عالمياً يضع الدولة ضمن مصاف الدول المتقدمة.

تلفزيوننا العزيز شهد أطول فترة بث مباشر ليلة الفوز بكأس الخليج بدأ منذ السابعة مساء وحتى قرب فجر اليوم التالي، ولم يكتف بنقل المباراة والتحليل الفني بل بث تغطية مباشرة من الفندق بعد المباراة.

أنا لست ضد كرة القدم والاهتمام الإعلامي بها والتركيز عليها وإن كنت أرى أن الصحافة المحلية كفيلة بتغطية ومتابعة الفرح الشعبي بالفوز في حين يجب أن يسخر التلفزيون بقناتيه إمكانياته ووقته لنقل الإنجازات الفريدة التي تعكس تطوراً علمياً وتقنياً وفكرياً وطبياً يدحض جميع الإعلام المضاد ويعرف شعوب العالم بأن المملكة ليست كما يصورها الإعلام الغربي فالإعلام الرسمي هو المخول بذلك والأقدر عليه من حيث سعة الانتشار والشريحة التي يصل إليها عالمياً عبر الفضاء لكن ذلك لم يحدث مع إنجازات كبيرة كالجنادرية وفصل التوائم وحدث بمبالغة مع نصر كروي وهنا أترك الحكم للقارئ مكرراً أنني لست ضد الاهتمام بالرياضة ولكن ليس على حساب الأهم وطنياً لأن التلفزيون بهذه الطريقة يضيع عدداً من الفرص السهلة لتسجيل أجمل الأهداف.

زائر الفجر الأمريكي

في وقت الرخاء نجح الإعلام الأمريكي في إيهام العامة داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية بأن النظام القضائي الأمريكي يمثل قمة العدالة وأن ما يسبق الإحالة إلى المحاكمة من إجراءات ونظم وجمع أدلة واعتقال والإخراج بكفالة مالية جميعها تضمن تعامل السلطات مع المتهم على أنه بريء إلى أن تثبت إدانته وتكفل جميع حقوقه في الحصول على محاكمة عادلة مهما بلغت بشاعة جريمته وإزعاجها للرأي العام.

لم تقتصر وسائل ترسيخ هذا المفهوم على أفلام هوليود والقصص والروايات والأخبار الصحفية بل تعدت ذلك إلى تغطية إعلامية حية ومتصلة لسلسلة من التحقيقات والمحاكمات لعدد من الرؤساء أو المشاهير بطريقة جعلت كل من يتابعها من داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية ينبهر من دقة وحذر وعدالة التحقيقات وجمع الأدلة واستبعاد أدلة الإدانة التي جمعت قبل الحصول على إذن أو لم تجمع بالطرق القانونية ولعل أكثر سكان الكرة الأرضية انبهاراً بهذا النهج الأمريكي هم شعوب العالم الثالث الذين يرون في القوانين الأمريكية وخاصة الحقوقية منها نعمة يحسد عليها الشعب الأمريكي وهذا ما تريده أمريكا.

التغطية المكثفة لتفاصيل قضية لاعب كرة القدم الأمريكية الممثل المليونير الشهير أوجيه سيمسون ونقل جميع فصول محاكمته حية على الهواء منذ مطاردته هارباً في شوارع لوس أنجلس إلى جلسة تبرئته بحجة عنصرية ضابط الشرطة واحتمال زرع الأدلة الدامغة ضده. هذه القضية وما آلت إليه من حكم البراءة غير المتوقع بعث رسالة أمريكية تقول بأنه حتى الأمريكي الأسود المتهم بقتل زوجته البيضاء يمكن تبرئته رغم قوة الأدلة إذا حظي بفريق دفاع قوي الحجة.

ثم جاءت قضية التحرش الجنسي التي تهم بها الرئيس الأمريكي السابق كلينتون وما صاحبها من أحداث طلبِ استجوابه من قبل المدعي العام والإدلاء بشهادته وما تعرض له من أصناف الإحراج كانت رسالة أخرى أكثر قوة.

كان هذا في وقت الرخاء، والاستعراض لا يتم إلا في ظروف الرخاء!!.

أما عند أول امتحان حقيقي في ظروف الشدة فقد أثبت الأمريكيون أنهم لا يتميزون مطلقاً عن الأنظمة الدكتاتورية التي يسخرون منها فقد تفنن الأمريكيون بعد أحداث 11سبتمبر في اعتقال السعوديين والعرب والأمريكيين المسلمين وإيداعهم السجون أشهراً عديدة دون إثباتات ولمجرد تشابه أسماء ودون محاكمة. وتحول الإعلام الأمريكي مع أول اختبار من الادعاء بالمطالبة باحترام حقوق الإنسان وصيانة حريته إلى محرض على التمييز العنصري والإقليمي والعقائدي ومؤيد للممارسات غير الإنسانية حتى أضحى “زائر الفجر” سمة أمريكية بعد أن كان مثار سخرية من قبل الإعلام الأمريكي عندما يتناول أنظمة دول العالم الثالث.

لقد اكتشف المنخدعون بالحرية الأمريكية أنها مجرد انعكاس لحالة الاستقرار وأن تقييد الحريات وهضم حقوق الإنسان وامتهان كرامته كانت صفحات كامنة جاهزة للخروج عند الحاجة ولا يغطيها سوى غطاء رقيق، هش ولمّاع انخدع به الكثيرون وسرعان ما انكشف مع أول هزة.

الولايات المتحدة بتلك السلوكيات المنافية للحرية والإنسانية ستخسر الكثير على صعيد الثقة والمصداقية بما لا يقل عن خسائرها البشرية والاقتصادية في يوم 11سبتمبر.

فضائيات العصر الجاهلي العربية

رجل يغني، وجارية ترقص، وصفوف من المصفقين يهتزون طرباً، وكأس تُدار، وسيد قوم يرأس الجلسة تعلو رأسه ريشة تحركها اهتزازات الإعجاب بانحناءات جسد الجارية ونبرات صوت المغني.

هذه هي الصورة التي دونتها الكتب عن العرب في العصر الجاهلي، وبعض العصور التي شهدت تراخياً أو فساداً ومجون.

وهذه هي الصورة التي يحاول الإعلام الغربي المعادي ترسيخها لدى شعوب الغرب عن العرب، باستغلال أية سقطة أو حادثة لثري عربي وتعميمها على العرب لترسيخ مفهوم علاقة العرب بالجنس والمجون.

القنوات الفضائية العربية التي يفترض فيها أن تسعى جاهدة لاستغلال نعمة النفوذ الفضائي المباشر إلى عمق أي بقعة في هذا العالم لتصحيح هذه المفاهيم وإبراز الجوانب الإيجابية المتعددة في شخصية الإنسان العربي، هذه القنوات وبكل أسف أصبحت العامل الرئيسي لترسيخ المفهوم الخاطئ عن ارتباط العرب بالرقص والجنس والشهوات، الذي ظلم به كل العرب بسبب قلة منهم.

غالبية القنوات الفضائية العربية لا تحتاج إلى وضع شارة أو علامة لتعرف أنها عربية، فحتى دون رفع مؤشر الصوت فإن الصور المعروضة بما فيها من غناء ورقص واستعراض أجساد يدل على أنها عربية فتلك هي البرامج السائدة في أحلك الظروف وأحلاها.

ثمة سر غريب في حرص القنوات العربية على الاحتفاظ بهذه السمة المخجلة حتى لو تعارضت مع التوجه العام للشعوب العربية، فالعرب اشتهر عنهم البحث عن الأخبار من المصادر غير الخاضعة للرقابة، فكانت إذاعة “لندن” محطتهم الإذاعية المفضلةد رغم أنها لا تعير الغناء اهتماما يذكر مقارنة بالبرامج الإخبارية والثقافية.

كما أن زمن الفضائيات سبقه ولله الحمد صحوة ملحوظة للشباب المسلم وانتشار الصلاح والابتعاد أكثر وأكثر عن الغناء والرقص والاتجاه إلى البحث عن الخبر الصادق والحوار الجاد الهادف والبرامج الثقافية ومع ذلك تحرص القنوات الفضائية العربية على إعادة صور عرب ما قبل الإسلام، عرب الجاهلية الأولى في محاولة لترسيخ مفهوم أن العرب شعوب غير جادة غير عاملة، شعوب تبحث عن المتعة واللهو.

وللأسف فإن ممولي بعض هذه القنوات والقائمين عليها يتظاهرون بخدمة الإسلام والمسلمين مما يؤكد أنهم يخطبون ود الأغلبية كلاماً ويخالفونهم في الأفعال.

لماذا تصر معظم القنوات الفضائية العربية باستثناء قناة الشارقة وقنوات المملكة الفضائية وقلة أخرى على التركيز على جوانب الغناء والرقص واللهو بشكل يوهم أنه السمة العامة لكل ماهو عربي؟!

إن محاولة ترسيخ استمرار صورة الجاهلية الأولى وجعلها تنطبق على عرب الحاضر والمستقبل يخدم بشكل مباشر أعداء الإسلام وأعداء الأمة ممن يسعدهم إيهام العالم أن الدول العربية والإسلامية لا تزال تعيش تطبيقات عملية بعيدة كل البعد عن الدين الذي تدعو إليه أو تدّعي الانتماء له.

الإصرار على ربط العرب باللهو والغناء لا أعتقد أنه محض صدفة بدليل أن المطاعم والمقاهي العربية المنتشرة في عواصم العالم الكبرى تركز بشدة على أن يغلب طابع الرقص والغناء على كل شيء في المطعم رغم فشل هذا النوع من الإغراء في اجتذاب العرب مؤخرا مما أدى إلى عدم الإقبال على هذا النوع من المطاعم مقارنة بالمطاعم الأخرى التي لا تنتهج هذا النهج وتحظى بالإقبال الكبير من العرب.

إن ترسيخ هذه الصورة هدف يسعى له الأعداء بتخطيط ويستجيب معهم الأغبياء بتخبط!

المستشفيات وبرواز التصريح الوزاري

كنت محقاً عندما وضعت رأسي بين كفَّي يوم 1422/6/15هـ وأنا أقرأ خبراً نسب إلى وزارة الصحة يحمل صورة الوزير توضح من خلاله الوزارة أنها لن تتحمل نفقات علاج أي مريض في المستشفيات الخاصة ما عدا الحالات الاسعافية الفعلية التي تكون فيها التجهيزات الطبية المتوفرة في المستشفى الحكومي ويحتاجها المريض لإنقاذ حياته في تلك “اللحظة” مشغولة وقت وصول المريض وأن يكون ذلك ضمن الحاجة “القصوى” للاسعاف وفي “أضيق الحدود” الممكنة على ألا تتحمل الوزارة تكاليف علاجه في المستشفى الخاص بعد انتهاء الاجراءات الاسعافية اللازمة لإنقاذ حياته أكثر من (24) ساعة يتحتم خلالها إيجاد البدائل لنقل المريض إلى مستشفى حكومي أو يتحمل ذووه نفقات العلاج في المستشفى الخاص وعلى أن يؤخذ إقرار خطي بذلك حتى لا يطالب أي مستشفى خاص الوزارة بأموال نتيجة “تقاعس” البعض عن متابعة نقل المريض من المستشفى الخاص إلى أحد المستشفيات الحكومية.

لقد توقعت أن يستغل “تجار” المستشفيات الخاصة هذا التصريح أسوأ استغلال فهو أهل لأن يساء استغلاله، وقد صدق توقعي فوجدته مبروزاً ومعلقاً في أكثر من غرفة طوارئ في مستشفيات خاصة كبرى!! وقد استخدم لإرغام أقارب مصابين في حوادث على الدفع أو كتابة الاقرار أو عدم مباشرة الحالة كما هو متوقع لأن عبارات “تلك اللحظة” و”القصوى” و”أضيق الحدود” التي وردت في التصريح هي عبارات عائمة غير واضحة والتصريح برمته يعتبر تضييقاً على المواطن وتفريجاً للمستشفى الخاص الذي أصبح يحظى في السنوات القريبة الماضية لتدليل غريب يصعب تفسيره!!

كيف يمكن لمواطن يحمل مصاباً يحتاج إلى اسعاف أن يعلم أن تجهيزات المستشفى الحكومي المنقذة للحياة في تلك “اللحظة” مشغولة أم لا؟! “حتى خيال الأفلام الأمريكية لم يصل إلى مرحلة أن تعرف من كمبيوتر في سيارتك عدد الأسرة الشاغرة في العناية المركزة للمستشفيات الحكومية!!”.

ما هو تعريف الحاجة “القصوى” للاسعاف وما هو نطاق “الحدود الضيقة”؟! وهل تسمح حالة المريض وذويه في تلك “اللحظة” بمناقشة موظف استقبال في الاسعاف يسند ظهره بذلك التصريح الوزاري المبروز؟!.

منذ متى أصبحنا قادرين على التحكم في مرحلة الخطر لنحددها بـ 24ساعة (بعض المصابين يبقى في وضع حرج لا يقبل مجرد النقل لأكثر من شهر)!! فهل من أجل سواد عيون التاجر تغيرت مفاهيم الصحة؟!

كيف لمواطن من منسوبي قطاع حكومي لا يوفر خدمة صحية كوزارة الزراعة أو المعارف أو رئاسة تعليم البنات أو البلديات أو العدل أن يوفر البدائل لنقل المريض إلى مستشفى حكومي كما جاء في التصريح؟! وماذا إذا كان غير قادر على الدفع؟! وأين “التقاعس” في حالة إنعدام القدرة؟!

إن هذا التصريح المعلق في غرف الطوارئ لا يخدم المصاب ولا أقاربه ويساء استخدامه بطريقة جد غير إنسانية ويجب أن يصحح مفهومه كما أن جدران غرف الطوارئ ليست لتعليق التصاريح الصحفية فالعلاقة الإنسانية بين المريض والمستشفى أكبر من أن تحتكم لتصريح صحفي ارتجل ارتجالاً!!، وإذا كان لابد من الاحتكام إلى ورق فليكن الاحتكام لقواعد وأحكام واضحة تأخذ في الحسبان جميع الاحتياطات لسوء التفسير وتضع في الاعتبار مصلحة المصاب الإنسان أما رجل الأعمال فقد أخذ من جَمَّاتها نصيباً كبيراً من الاعفاءات والإعانات والدعم الحكومي

عمل الأطباء.. القواعد والفرج

عدم التجاوب مع ما يطرح في الصحف من نقد وملاحظات، له عيوب متعددة، لكن أخطر هذه العيوب في نظري هو اطمئنان الفئة المنتقدة وبالتالي تماديها وانتشار الظاهرة لأن ما أثير حولها لم يحرك ساكناً في الجهات المعنية ولأن أحدا من المسؤولين لم يتحرك لوقف المخالفة.

موضوع العمل الجزئي للأطباء الحكوميين في مستشفيات القطاع الخاص والذي من المفترض أنه عمل مسائي، خارج وقت الدوام الرسمي للمستشفى الحكومي وخارج وقت المناوبات والمسؤوليات التي يلتزم بها الطبيب للمستشفى الأصل “مرجع عمله الأساسي”.

هذا الموضوع شهد تجاوزات خطيرة تمثلت للأسف في خروج عدد من الأطباء اثناء وقت الدوام الرسمي لتلبية طلب المستشفى الخاص واصبح المرضى في المستشفى الحكومي لا يرون الأطباء المشرفين على حالاتهم الا نادرا وترك امرهم للأطباء المقيمين، وهؤلاء بدورهم يحتاجون للطبيب الاستشاري “قائد الفريق” فلا يجدونه لأنه مشغول في مهمته الجديدة التي من المفترض والمتفق عليها أن تكون بعد وقت الدوام الرسمي.

حتى مرضى المستشفى الخاص لهم معاناتهم لأن الطبيب الذي يجري له الجراحة أو الكشف صباحا طبيب مخالف غير مطمئن وغير متفرغ قد يتركه في اي لحظة ولو اهتز “بيجره” فقد تهتز اعصابه ويخطئ.

التجاوزات التي شهدها العمل الجزئي لأطباء المستشفيات الحكومية في القطاع الخاص كتبت عنها كثيرا وكتب عنها غيري اكثر واثيرت في شكاوى المواطنين وتعقيباتهم وتناولتها “ندوة الثلاثاء” في هذه الجريدة بمشاركة أطباء مخلصين وعلى قدر كبير من المسؤولية، انتقدوا ما يحدث واعتبروه خروجا على أخلاقيات المهنة.

وقبل أن يحدث التحرك الرسمي والحل الجذري فإن الصمت وعدم التفاعل شجع عددا أكبر من الأطباء على ممارسة نفس التجاوزات على اعتبار أن السكوت علامة الرضى وأصبح تواجد الطبيب خاصة الاستشاري في مقر عمله الأساسي نادرا وغيابه هو الغالب والقاعدة بينما تواجده استثناء يشكر عليه(!!)

عندما كتبت عن هذا الموضوع اول وثاني وثالث مرة ركزت على منبع الظاهرة وهي المستشفيات الجامعية وتركيزي على المستشفيات الجامعية سببه أن عمل اطباء المستشفيات الجامعية في القطاع الخاص “مساء”، جاء تحت غطاء قانوني يسمح لأعضاء هيئة التدريس بالعمل في القطاع الخاص بعد وقت الدوام بشروط واضحة وبناء على اعتبارات محددة، لكن هذا الغطاء استغل لممارسة التجاوزات الخطيرة التي أشرنا اليها والتي كانت تجري تحت هذا الغطاء.

وقد عتب البعض شفهيا بسبب انني لم أتطرق لمن يمارسون نفس المخالفة في المستشفيات غير الجامعية وهو عتب في غير محله فأنا كنت اتحدث عن ممارسات تتم تحت غطاء السماح أما في المستشفيات الأخرى فانه ليس ثمة ما يسمح للطبيب بهذه الممارسة، وتأخر الطبيب صباحا أو خروجه اثناء الدوام لا يختلف عن تأخر أو خروج اي موظف اداري او فني آخر ويجب أن تتعامل معه الادارة المختصةعلى هذا الأساس وهذا ما يحدث فعلا فمديرو عدد من المستشفيات كثفوا مراقبة الأطباء بالنداء الآلي والاتصال الهاتفي وأقسام المتابعة، بل إن بعضهم اوجد حلولا جذرية كبدائل للعمل المسائي في القطاع الخاص.

أما نحن فكان يهمنا الباب الذي جاءت منه الريح ولم يسد لنستريح وهو باب الغطاء القانوني في الجامعات، ولهذا كان التركيز على مستشفياتها.

الأهم من هذا وذاك أن الظاهرة استشرت بشكل كبير واصبح المرضى يعانون منها وكذلك الأطباء المقيمون واطباء الامتياز والطلاب ولم يستفد منها الا مستشفيات القطاع الخاص والطبيب الذي يرى أن مصلحته تفوق اي اعتبار وأخلاقيات مهنية، مما اضطر مجلس الوزراء لتشكيل لجنة لاعداد قواعد تنظم عمل الأطباء بعد وقت الدوام الرسمي واثناء العطل وبعد دراسة مستفيضة اعدت القواعد واقرها المجلس ولعل من اهم سماتها هو ان الاطباء يعملون في نفس المؤسسات الطبية التي يتبعون لها وتحت اشرافها الامر الذي تحقق معه عدة مكاسب تحسب للجنة التي اعدتها وهي بقاء الطبيب مرتبطا في عمله الاضافي بنفس المؤسسة وعدم حاجته لمخاطبة ود جهات تجارية الى جانب استفادته ماديا واستفادة المؤسسة التي يتبع لها واستقرار المريض وحصوله على طبيبه عند الحاجة في نفس المؤسسة.

بقي أن يكون التطبيق دقيقا ومنصفا ومبنيا على عامل الكفاءة والشهرة وحاجة المريض ونجزم أن أحدا من المرضى لن يتضرر اثناء الدوام الرسمي لأن الجهة المشرفة والمنفذة هي ذات المؤسسة التي تهدف الى رعاية صحية مخلصة بالدرجة الأولى،ولكن حذار من حدوث التجاوزات لهذا الغطاء النظامي الجديد فالطب مهنة انسانية ذات اخلاقيات ومواثيق لا تحتمل الخدش.

إعلام العبد المأمور

مشكلة بعض التحقيقات الصحفية العربية خاصة المرئية منها أنها عندما تفتح ملفاً أو تناقش قضية فإنها تفتقر للشمولية أحياناً وللعمق أحياناً أخرى وقد تكون منحازة بقصد أو بغير قصد الى رغبة أو وجهة نظر من يجري التحقيق مما يجعلها تنحصر في زاوية ضيقة جداً تمثل اهتمام من يسير التحقيق رغم كثرة الضيوف عدداً وليس توجهاً.

كوثر البشراوي محاورة رائعة، جريئة، واسعة الاطلاع متعددة الاهتمامات لا أخفي إعجابي بطريقتها في الحوار وأسئلتها المباشرة المهذبة، لكنها عندما أجرت تحقيقاً صحفياً مرئياً حول الإعلام العربي بثته قناة الجزيرة قصرت فئة الضيوف على الإعلاميين العاملين في القنوات الفضائية التجارية “إن صح التعبير” رغم تعدد الضيوف في تلك الحلقة حيث فاق الرقم السبعة.

جميع الضيوف رثوا لحال الصحفي الذي يعمل في الإعلام الرسمي وأسماه عدد منهم بالعبد المأمور الذي لا حول له ولا قوة، وأسماه آخرون بكاتب المعاريض الذي يكتب ما يملى عليه، أو يقول ما يقال له.

الجميع، بما فيهم كوثر، فات عليهم عبارة أشمل بكثير من “الإعلام الرسمي” وهي “الإعلام الموجه” بصرف النظر عن انتماء هذا الإعلام وتمويله هل هو من جهة رسمية أو شركة أو فرد.

لا يمكن لصحفي أن يبث له عمل يخرج عن توجهات وأهداف القناة الفضائية التي يعمل بها بصرف النظر عن كونها رسمية أو غير رسمية والأمر نفسه ينطبق على الصحف والمجلات، فلماذا يقتصر الاستعباد على الصحفي العامل في المجال الرسمي كما جاء في التحقيق.

لكل قناة إعلامية توجهاتها وسياساتها التي يحددها ممولوها، وتختلف المحدودية والمرونة حسب كل قناة إلا أن الحقيقة التي لا جدل حولها أن العامل فيها لا يمتلك حرية مطلقة في نشر ما يريد حتى لو كان ما يريد نشره لا يتعارض مع الدين والقيم وأخلاقيات العمل الصحفي لكنه يتعارض مع مصالح أو توجهات الممول فأين الصحفي الحر غير المأمور هنا؟!.

في المفهوم العام لا يوجد فرق في صفة حرية الصحفي بين الإعلام الرسمي وغير الرسمي ويكمن الفرق النسبي في هامش الحرية المتاح بشرط الالتزام بالتوجه المحدد!!

لعل تنقل العاملين في القنوات الفضائية من قناة إلى أخرى أحد الأدلة على ما ذكرت فليست جميع الأسباب مادية. وقد تكون لخلاف حول بث موضوع من عدمه وما تقبله قناة قد لا تقبله الأخرى والعكس صحيح وهنا أعان الله الصحفي فقد يكثر الحل والترحال.

لو أن كوثر وسعت أطراف الحوار من حيث نوعية الضيوف وليس الكم واستضافت مسؤولين في إعلام رسمي وعدد من النقاد المحايدين فربما خرجت بنتائج أكثر صحة ودقة وإيجابية. كما يؤخذ عليها أن أكثر من 80% من الضيوف كانوا من مقدمي البرامج بقناة الجزيرة مما يؤكد أن هذا الموضوع الهام سلق سلقاً وارتجل باستعجال مما جعل نتائجه متحيزة ولا يعتد بكثير منها.

جمعية المكافحة تدعو للتدخين

لا أدري ما هو المردود الإيجابي من وجهة نظر مكافحة التدخين عندما يصرح مسؤول مكافحة للصحف بأن نسبة كبيرة من الأطباء يدخنون.

المردود السلبي لمثل هذا التصريح معروف ولا أخاله يغيب عن ذهن حاضر، حتى ولو كان الحضور الذهني أقل من المتوسط، فمجرد إشعار المدخن أو العابث المبتدئ في مداعبة السيجارة أن من الأطباء نسبة كبيرة تدخن يعني إعطاءه مبرراً نفسياً قوياً للاستمرار في التدخين أو الشروع فيه، فأول ما سيتبادر لذهن مدخن يتوق إلى عذر للاستمرار هو أنه مادام الطبيب الذي من المفترض أن يرى نتائج التدخين عملياً في مرضاه في شكل وفيات أو رئة مهترئة أو ورم خبيث لم يمتنع فمن باب أولى أن لا أمتنع أنا الذي أسمع عن هذه الأخطار ولم أرها، فإما أنها لا تحدث فعلاً أو أن الإدمان من القوة بحيث لا يمكن لطبيب بأن يمتنع فكيف بي أنا؟! “هنا زرع للانهزامية بدل شحذ الهمم”.

وحسب درجة الوعي الاجتماعي فإن خطورة مثل هذا التصريح تزداد أكثر فأكثر ففي شريحة اجتماعية أخرى ممن تحدق في مآكل الطبيب ومشربه فتقلده فإن الفرد من هذه الشريحة ما أن يفرغ من قراءة الخبر سيتجه لشراء علبة السجائر مردداً “لو ما فيه نفع ما دخّن الدكتور”!!.

حتى في الدول المتقدمة التي تتفوق فيها نسبة الشريحة الواعية لا يمكن التصريح بهذه النسب للعامة خشية التغرير بالمزيد من المراهقين وإن كان رقم الأطباء المدخنين قد يستخدم لدحر ادعاء شركات التبغ التي تدعي بأن التدخين عادة وليس إدماناً، على اعتبار إدمانه من القوة بحيث لا يستطيع طبيب يرى ضحاياه أن يتركه، ولكن هذه النسب والأرقام لا تنشر على مستوى الإعلام المقروء للعامة.

من وجهة نظر صحية فإن الطبيب هو رب البيت، فإذا قلت أنه يدخن فماذا تتوقع أن تكون شيمة أهل هذا البيت غير الرقص مع السيجارة؟!.

أقول قولي هذا بعد أن نفذ صبري وأنا أطالع بين الفينة والأخرى تصريح للدكتور عبدالله البداح رئيس جمعية مكافحة التدخين، مرة يقول فيه إن نسبة من الأطباء يدخنون “لا أود هنا ذكر النسبة أولاً لعدم دقة الدراسة وثانياً لتلافي الوقوع في نفس المنزلق” وفي تصريح آخر ذكر أن نسبة من الطبيبات مدخنات وفي ثالث قال إن نسبة من المثقفين والمثقفات يدخنون وكأني بالدكتور البداح بهذه التصاريح ينتقي من قوائم القدوة كل يوم فئة ويصرح أن منهم مدخنون!!

وأتمنى أن أجد هدفاً إيجابياً واحداً لهذا الأسلوب يعادل دوره في الدعوة القوية للشروع في التدخين أو الاستمرار فيه آخذين في الاعتبار أنه ينشر في مجتمع شرق أوسطي.

لا أشك في حماس وإخلاص الدكتور عبدالله البداح لكن الحماس والإخلاص عاملان لا يكفيان وحدهما لحمل سيف الإعلام ذي الحدين خاصة في الرسائل الإعلامية التي توجه لفئة تعاني من مشاكل مرضية أو نفسية أو إدمان لذا فإن على رئيس جمعية مكافحة التدخين أن يستشير أهل الخبرة ويتريث قبل أن يستجيب لنداء الحماس.

النظم والإجراءات ورضاح العبس!!

* لا أحد ينكر أننا بلد استطاع ان يقفز قفزات نوعية متتالية بفعل استغلال زمن الطفرة استغلالاً جيداً بمراحل وخطوات واسعة في مجال البناء واعداد الاجيال والاستفادة من مدارس العالم المختلفة في اعداد كفاءات وطنية مؤهلة.

خدمتنا المادة كثيراً في البناء والتطور والرفع من مستوى التطلعات، لكن المبنى يحتاج الى صيانة في شكل تحديث للنظم والاجراءات القديمة التي انتهى عمرها الافتراضي ولم تعد تواكب التطور السريع والمتغيرات العديدة التي طرأت علينا وعلى العالم من حولنا.

وقف معنا الريال وقفة الرجل الشهم ومكننا من استيراد التقنية وتطوير المبنى بطوب معلب مسبق الصنع، ومجموعة عجلات وتروس متعددة استوردناها متحركة لكن السيد (ريال) ليس في مقدوره المحافظة على تسارع تلك العجلات والتروس طالما ان العوامل البيئية الخاصة بنا لا تتناغم مع النظام المصنعي لوسائل التطور التي استوردناها، وطالما اننا مازلنا محجمون عن تحديث النظم والاجراءات التي هي بمثابة الزيت الذي يضمن سهولة الحركة وانتظامها.

لقد شيدنا بنية تحتية اسمنتية جيدة وزودناها بتقينة حديثة ومتطورة وعلمنا الانسان في الداخل ثم في الخارج ليكون مؤهلاً للعمل على تلك الاجهزة الحديثة لكننا اهملنا الوصف الوظيفي للعمل والعامل معاً.

نفتقد للنظم والاجراءات التي تضمن سير العمل بطريقة سلسة وتحدد المسئوليات والواجبات ووسائل التقويم والتقييم.

نفتقد للوصف الوظيفي للوظيفة وتحديد مواصفات الموظف المؤهل للعمل في تلك الوظيفة.

ولذلك فإننا وبمجرد ان نواجه ازمة ما، يصعب علينا السيطرة عليها بل يصعب تحديد المسئولية حولها لان غياب الوصف الوظيفي يجعل الجميع مسئولاً عن التقصير وغياب نظم واجراءات العمل مدعاة لحدوث الخلل في اي وقت حتى لو وجد الحماس ومحاولة المعالجة والارتجالية.

والامثلة كثيرة ومتعددة ودعوني اوردها بشكل غير مرتب مع سياق الطرح وستجد ان كل مثال يوضح بنفسه خللاً ما.

ضياع المسئولية في ازمة حمى الوادي المتصدع وتحولها الى دم بين قبائل، ومسئولية ضاعت بين ثلاث وزارات، هذا أمر يرجع الى غياب التحديد المسبق للمسئوليات وغياب تحديث النظم والاجراءات فبعض تلك النظم ربما كانت اقدم من تاريخ استحداث احدى الوزارات او الوكالات المسئولة.

لا يوجد موظف حكومي واحد في اي دائرة حكومية او وزارة له وصف وظيفي محدد ليس له ان يحيد عنه او يطالب بأكثر منه، الجميع يعملون بناء على ما يطلب منهم الرئيس المباشر عند التعيين وتملى عليه مهامه شفهياً في يوم “الدخلة” وبعدها تتوالى التعليمات حسب ما يستجد بالبركة.

الترقيات على الوظائف تتم بالمسابقة بين عدد من الموظفين على وظيفة واحدة قد تكون خارج المدينة التي يعملون بها وجميعهم لا يعرف وصف الوظيفة” يعرفون المسمى فقط” ولا يعرف ان كانت مواصفات الوظيفة تناسب مؤهلاته وخبراته ام لا، بدليل ان الفائز بالوظيفة اذا رفض مباشرتها فإنها تذهب للذي يليه!!.

الخلط الكبير الحادث حالياً بين المسئولية عن ما هي مواد طبية وما هي مواد تجميل وما هو طب اعشاب وما هو علاج عشبي او شعوذة، مسئوليات ضائعة بين وزارة التجارة ووزارة الصحة.

تفاوت المزايا الوظيفية بين العاملين في القطاعات الصحية المختلفة من فنيين وصيادلة واطباء واساتذة جامعة، هذا الموضوع المستعصي منذ مدة، لا يحتاج الا الى سن نظام موحد سهل الاعداد ويحتاج الى من يعلق الجرس!!.

ضياع المسئولية في ضبط وتحديد التلوث بالمواد الملونة والمواد المشعة في الاغذية هل هي مسئولية مختبرات التجارة ام الصحة؟!.

موضوع المسئولية عن التخلص من النفايات الطبية الخطرة لمستشفيات الجهات الصحية المتعددة هل هي مسئوليات القطاعات الصحية ام صحة البيئة؟!.

هذه امثلة متفرقة والزبدة فيها، بل بيت القصيد..، هو عدم توفر نظم واجراءات ووصف وظيفي وتحديد المسئولية وهذه وربي امور سهلة قياساً بالشوط الكبير الذي قطعناه في مجال البناء واعداد البنى التحتية للخدمات فيما يقي هو اقل الجوانب تكلفة مالية واسهلها تنفيذاً ومكمن الصعوبة فيه هو انه لا يستورد (!!) ويحتاج الى مبادرة ذاتية لانه يتعلق بنا وبطبيعتنا ولا يمكن ان يعده غيرنا.

ارجو ان لا نكون مثل “رضاح العبس” عندما استعصت عليه واحدة تركه كله!!

بلديات القرى والمقاول المشاغب

* لعل أهم المشاكل التي تعاني منها النظم والإجراءات واللوائح هي تفسير النظام وعدم مرونته واستغلال هواة المخالفات لثغراته بما لا يخدم الصالح العام.

أحد الأمثلة ترسية المشاريع الذي يذهب غالبا للعطاء الأرخص، هذا النظام مقبول من حيث المبدأ نظراً لدور المناقصات في خفض التكلفة ومنع الاستغلال، لكنه يحتاج إلى مزيد من التدعيم باجراءات صارمة بعد الترسية وأثناء التنفيذ تتركز على تقييم أداء المقاول وأمانته والتزامه بالمواصفات. وان يترك هذا الأمر للجهة المستفيدة التي تتابع التنفيذ، وهو أمر بديهي قد يكون مطبقاً نظرياً أو مذكوراً في ثنايا النظام لكن ما نحن بصدده هو الأخذ بتقييم الجهة المستفيدة وملاحظاتها وشكواها من المقاول وادخال هذا التقييم ضمن سجل المقاول الذي يحدد دخوله في مناقصة أخرى من عدمه.

بعض المقاولين أدمن تقديم أرخص العروض والفوز بالعطاء ومن ثم الغش والتلاعب في بعض المواد أو طريقة التنفيذ بوسائل يحتاج اكتشافها إلى جهد رقابي كبير وعيون ثاقبة متخصصة قد لا تتوفر في كل بلديات القرى مثلا.

وإذ ما تم ضبط هذه التلاعبات أو جزء منها بفضل حماس وحرص مهندس وطني أو رئيس بلدية متفان في أداء عمله، فإن في وسع المقاول إرهاق جهاز البلدية ومراقبيه بأشكال أخرى من الغش والمماطلة. لأنه يعرف جيداً ان شهادة التقييم ستصدر بعد إنهائه للمشروع وتقتصر على وفائه بالبنود الأساسية، اما محاولاته ومماطلته وتسويفه وارهاقه للجهاز الرقابي فلا يمكن ان تكون ذات تأثير طالما ان شكوى المستفيد وملاحظاته على المقاول لا تلعب دورا في أمر دخوله في مناقصة أخرى!!.

يشتكي عدد من رؤساء البلديات من أنهم يعانون الأمرين من تلاعب بعض المقاولين وممارستهم لكافة اشكال الحيل التي تحتاج إلى جهود مضنية لكشفها ومنع تكرارها خاصة في اعمال دفن الحفريات وتمديدات المياه والكهرباء والهاتف وطبقات السفلتة وخلافها.

وانهم يضعون أيديهم على قلوبهم عند اعلان الترسية لمشروع جديد خوفا من ترسيته على مقاول معروف بمشاغباته ومشاكله.

هذا القلق من رؤساء البلديات ومراقبيها يؤكد ان النظام اغفل عنصرا هاما هو سمعة المقاول عند استقبال العروض، صحيح ان النظام يتحدث عن عقوبات الغش والتأخير ويتحدث عن تصنيف المقاولين للمشاريع التي تفوق تكلفتها عشرة ملايين، لكن الواضح ان تقييم الجهة المستفيدة خاصة في المشاريع البلدية الصغيرة لا يعتد به ولا يلعب دورا في حرمان المقاول المتلاعب من دخول مناقصات لمشاريع في نفس البلدية أو المدينة أو القرية.

يقول أحد رؤساء البلديات ننتظر إعلان الترسية بنفس قلق طلاب المرحلة الثانوية عند انتظار نتائج الامتحانات، نخشى ان يفوز بالعطاء مقاول لنا معه تجارب مريرة في ممارسة شتى انواع الحيل والغش فإذا فاز واحد من هذا النوع نعلن حالة الاستنفار ونلغي اجازات المهندسين والمراقبين ونعيش في حالة من الشد النفسي إلى ان ينتهي المشروع.

من هذا يتضح ان رؤساء البلديات لا حول لهم ولا قوة حتى امام مقاول مشاغب فالنظام يعطيه الحق في دخول المناقصة والفوز بها إذ كان عرضه الأفضل دون النظر إلى سجله في تنفيذ مشروع أو عدة مشاريع سابقة، وهذه احدى الثغرات التي يجب سدها كما اقترح على الجهات الحكومية ان تستفيد من تجربة القطاع الخاص في أمور الترسية فالقيمة المالية لا يمثلها انخفاض التكلفة الاجمالية. ان الوقت نقود، والجودة نقود، وتقليل اشغال الجهات الرقابية ينعكس في شكل وفر مالي ورغم كل هذه الفوارق المالية الكبيرة بين التعامل مع مقاول حسن السمعة وآخر مزعج فإن الأخير ربما فاز بالعطاء لأن عرضه ينقص بمقدار حفنة من الريالات.