التصنيف: بصوت القلم

إلغاء «س» من العربية

تلقيت دعوة كريمة من معالي مدير الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة لحضور فعاليات المؤتمر الدولي الأول بعنوان (اللغة العربية ومواكبة العصر) الذي يفتتح مساء الاثنين القادم 17 جمادى الأولى 1433هـ وتبدأ فعالياته الثلاثاء، ولست هنا لأثني على هذه الجامعة الفاعلة النشطة التي تستحق ما تجده من ثناء لا تنتظره، ولا أن أستغل المساحة لشكر معالي مديرها على الدعوة، فهذه المساحة لكم أنتم ولهمومكم وهموم الوطن، لكن أول ما تبادر لذهني كصحفي يعيش ألم الوطن والمواطن وأنا أقرأ العنوان، ومن وجهة نظر صحفية نقدية بحتة لا علاقة لها بالمؤتمر واختيار عنوانه الجميل جدا، أول ما تبادر لذهني هو: ماذا لو اقترحنا على المؤتمر ومن منطلق مواكبة اللغة العربية للعصر ووعوده العرقوبية أن نلغي حرف السين (س) من اللغة العربية الجميلة المحببة لقلوبنا ولو مؤقتا.
هذا الحرف (س) يستخدم دون ذنب في جعلنا نعيش حالة انتظار طويلة لوعود لا تتحقق فلو حسبت وعود بعض المسؤولين في القطاعات الخدمية المنشورة في الصحف والمذكورة في تصريحات إذاعية وتلفازية لوجدت أن 99.99 % منها هي: سنعمل ، سننجز، سنحل، سنفي، سنحقق، سنوجد.. إلى آخر عبارات الوعود التي تبدأ بحرف (السين) ولا تنتهي إلى (شين)، وال (شين) باللهجة الجميلة لأحبابنا في حائل تعني (شيء)، يقول الشمالي النقي (فلان ما سوى شين) أي لم يعمل شيئا.
في ظني أن من مواكبة العصر أن نقترح تعليق العمل بهذا الحرف إلى أن نجد من يعمل بحرفية ويعد بما يتحقق، وللأسف فإنني لن أتمكن من إيصال هذا الاقتراح، لسبب ليس بسيطا، وهو أنني لم أجد حجزا على خطوطنا الحبيبة من الرياض إلى المدينة المنورة حتى الساعة لأن مدير عام الخطوط السعودية سبق أن صرح أن مشكلة النقل الداخلي وقلة الرحلات الداخلية (س) تحل!!.

حتى مشتل الخرج (بربسوه)!!

انشغلت زمنا طويلا أقرأ تارة وأكتب أخرى عن انكماش شواطئ جدة واختفاء الكورنيش، لا أقصد كورنيش الصخور والجرذان، إنما شاطئا رمليا يستمتع به عامة الناس، أقصده أنا وأولادي عندما أزور جدة التي أحبها نلهو ونلعب ونلمس ماء البحر الأحمر و(نبربس) فيه قليلا أو نغسل فيه هموما بعد (بربسة) بعض الوزارات الخدمية في مصالحنا وشؤون حياتنا، ولمن لا يعرف (البربسة) فهي احداث دوامة أو (حوسة) أو عبث، يقال (بربس) الشيء أي خلطه وعكر صفوه، فوجدت أن التجار قد (بربسوا) شواطئ عروس البحر الأحمر وحولوها إلى مطلات خاصة، وحسب وعود أمين جدة فإن إطلالة سكان جدة على البحر ستعود خلال سنة ونصف بمتنفس رائع لم يحدد إن كان بالنظر أو اللمس و(البربسة) في الماء.
وانشغلت وقتا أطول أكتب وأتحدث وأقرأ عن انكماش بر الرياض وكثرة (العقوم) والشبوك والمخيمات المستأجرة التي حرمت عامة الناس من الاستمتاع بالبر والعشب ونبت الخزامى والأقحوان والحوذان، عندما تهطل أمطار الوسمي النادرة وتهتز الأرض وتربو وتنبت مما طاب ريحه وحسن منظره وارتاحت النفس برؤيته وعز الوصول إليه بسبب التعديات.
لم أنس قط أياما جميلة قضيناها في متنفس أهل الرياض الوحيد منذ حوالي ثلاثين سنة أو تزيد، مشتل الخرج ذلك المتنفس الرائع الذي كنا نقصده كل جمعة أو عطلة ونرى فيه جنة دنيا تجمع بين شجر وارف الظل وخرير جداول الماء واجتماع أقارب وعائلات وأصدقاء وملتقى للقلوب النقية، عزاب وعائلات شيوخ وأطفال، عرف كل منهم مشربه، في جانب منه يعلو صوت جد يروي حكاية وفي الجانب الآخر يغني سلامة العبدالله لجلاسه مرددا (أنا تل قلبي تل يوم جيت للمشتل أبو مبسم يقتل وعيون قتالة).
بالأمس زرت الخرج بعد غياب دام 30 سنة، بحثت عن المشتل ووجدته وليتني لم أجده!!، سألت شيخا كان يحرسه قلت (هذا المشتل إلي حنا خابرين ما غيره) قال نعم بلحمه وشحمه، قلت ولم هو مغلق؟! قال خذوه التجار وصار مشروعا تجاريا دخوله للنساء فقط، به ألعاب وبضائع ومأكولات وعليه رسم دخول 3 ريالات، قلت لم يعد مشتلا فأين لحمه وشحمه؟!، فرد: قلت لك خذوه التجار لحم وأجروه عظم!!، قلت يعني (بربسوه)!!.

أكبر دليل

أكبر دليل على أن القرار في بعض الإدارات لدينا يتعرض كثيرا لتجاذب الأهواء هو صعوبة اتخاذ قرار في شأن طبقته دول سبقتنا ونجح فيها وعالج مشاكلها وأسعدها ونحن نصر على الأخذ والرد فيه وتمحيصه، وعرضه على لجنة تلو لجنة وكأننا نعيد اختراع العجلة التي طورها غيرنا وحفظوا نسختها الأصلية في متاحف الآثار القديمة!!.
قد نقبل عدم اتفاق الآراء على فكرة جديدة أو شأن مستحدث لم يجرب ويخشى عليه من فشل ذريع أو نتائج غير محسوبة وهنا يجب أن نتريث وندرس ونتشاور ونستشير، أما أن يدور أمر مجرب ومدروس ومطبق في دول متقدمة بين لجاننا المتعددة وتبدى حوله الملاحظات التي لا تتعلق لا بخصوصية مجتمع أو إباحة دين أو تناسب إمكانات، فإن السبب الوحيد هو تدخل الأهواء وتعارض المصالح ووجود من لا يسعده ولا يخدم مصلحته الخاصة تطبيق نظام أو إجراء مجرب.
مؤسساتنا الحكومية تعاني كثيرا في اتخاذ قرارات التطوير، على العكس من المؤسسات الخاصة التي تشهد قفزات نوعية في مجال أعمالها وأساليب أدائها لتحقيق المزيد من الأرباح والتوسع في الأعمال والاستثمار، وهذا دليل آخر كبير على أنه لا ينقصنا الاطلاع على تجارب الآخرين ولا الجرأة في التطبيق ولا إمكانات مسايرة التطور، ما ينقصنا هو تغليب مصلحة الوطن على المصالح الشخصية وتغليب الصالح العام على الخاص، وتحقق كسب الطرفين الوطن والفرد، إلا أن البعض يريد كسب المزيد على حساب الوطن!!.
الشواهد كثيرة، إلا أننا للأسف نركز الحديث عن صورة وهي الصورة التقليدية المتمثلة في اختلاس مال أو أرض أو استغلال سلطة، وحتى هذه الصورة مازلنا نتحدث عنها فقط ونهددها ونتوعدها أما الصور الأخرى المتمثلة في تعارض المصالح وإعاقة الصالح وتغليب مصلحة الذات على الوطن فإنها بدون شك تؤدي إلى المراوحة في مكان غادره غيرنا ونجح ومحاولة إعادة اختراع العجلة وعدم العجلة!!.

الكرسي يتغير ولا يُغَير

الطموح العالي والحماس الوطني والرغبة في عمل جهد وطني في المؤسسات الحكومية يصطدم بالمنصب الإداري مرتين، المرة الأولى قبل تولي المنصب حيث يكون المتحمس الحريص الطموح موظفا عاديا لديه الحماس والرغبة والفكر والتأهيل، لكن القرار ليس بيده، وإحداث التغيير والإصلاح ليس من صلاحياته، وكل أمر يخص تلك المؤسسة أو الوزارة بيد المدير أو المحافظ أو الوزير، المهم أن الموظف الطموح المتحمس المفكر المؤهل لا يملك تفعيل أفكاره وتطبيق خطوات الإصلاح إلا بموافقة من المنصب وحامل لواء المسؤولية وهذا الأخير إما أن يتبنى بعض الأفكار وينسبها لنفسه (يسرق أفكار موظفيه) وفي ذلك غصة على الموظف واستغراب وإحباط واحتقار لمن يفترض أن يكون قدوة، لكن بعض الأفكار طبقت و استفاد الوطن منها. وفي ذلك عزاء لصاحب الجهد، إلا أن جل ما يتمناه المخلص لا يتحقق لأن تحقيقه ليس بيده.
وعندما يتقلد ذات الموظف الطموح المتحمس المفكر زمام المسؤولية وتصبح الصلاحيات كلها بيده، ويصبح بإمكانه تطبيق ما كان يحلم بتطبيقه من أفكار وإحداث ما كان يتمنى حدوثه من إصلاحات فإن كل الحماس يتحول إلى تهدئة وركود وكأن طاقة الحماس المتقدة قبل المنصب تحولت إلى طاقة محافظة على ذلك (المكتسب)، بل كأن الحفاظ على المنصب يكون بالركود وفي هذا تجن على الوطن وصدمة هي الكبرى للطموح!!.
ماهي تلك الخاصية في الكرسي التي تجعله يحول الحماس إلى برود، ويمتص شحنة الإخلاص المتقدة ويحولها إلى غلاف حماية من أجل البقاء، بل من قال إن لدى كرسي المنصب هذه الخاصية المشؤومة ؟!، إننا نظلم ذلك الكرسي الجماد، فالكرسي بمن يجلس عليه مثلما أن السيف بمن يحمله، بدليل أن جميع الكراسي التي جلس عليها غازي القصيبي غيرها ولم تغيره، رحم الله «غازي» وكل مخلص.

قالوا وقلنا

•• قالت وزارة العمل: تأخير صرف أجور العاملين في القطاع الخاص مخالف للنظام، ونحن نرصد الوضع وسنعد قائمة بالمخالفين ونطبق عليهم عقوبات نظام حماية الأجور.
• قـلنا: لتكن البداية بخدم المساجد، فوضعهم مع الشركة التي أخرت حقوقهم مرصود وجاهز وجائر!!.
**
• قال عدد من معبري الرؤى: رؤى الناس تؤكد أن بشار الأسد سيقتل ولن يتم التعرف على جثته إلا بتحليل الحمض النووي!!.
• قـلنا: «بشار ما عنده حمض نووي، هذا حمضه دموي بس لا تخافوا بنعرفه برقبته!!».
**
•• قالت صفحة مسرح الحوادث بـ «عكاظ»: 160 جلدة و 7 أشهر سجنا لخياط هندي أمسك بيد وافدة عربية في مشغل!!.
• قـلنا: «عقوبة تخليه لو يشوف كفيف بيقطع الشارع ما مسك يده!!».
**
•• قالت صفحة اقتصاد وطاقة بـ «عكاظ»: شركة مشروبات غازية شهيرة ترفع أسعارها 60 % وتتحجج بدخول الصيف وتجس نبض المستهلك وردة فعل الوزارة.
• قـلنا: ووجدت نبض المستهلك سلبيا، وردة فعل الوزارة مثل فورة المشروب الغازي.
**
•• قالت وكالة «د ب أ»: نيبالية تضع مولودا أثناء اختبار الثانوية وتكمل الاختبار بعد ساعة ومسئولو الاختبار يمددون لها الوقت!!.
• قـلنا: «لو أنها عندنا سحبوا الورقة قبل الجنين وطلبوا فحص المولود من البراشيم وتقرير طبي إنها ولدت ثم منع أداء الامتحان للحوامل!!».
**
•• قالوا: أعضاء مجلس الشورى يصوتون «ضد» وضع حد أدنى لرواتب السعوديين في القطاع الخاص.
• قـلنا: أي أنهم يصوتون «مع» القطاع الخاص!!.
**
•• قالت «عكاظ»: التحقيق في «اختفاء» مليون وستمائة ألف ريال بهيئة المهندسين!!.
• قـلنا: «اختفاء إيه يا هندسة هو المليون بيلعب استغمايه؟!!، المليون ما يختفيش إلا إذا أحد أخفاه!!».
**
•• قالوا: شاب ثلاثيني بمركز التأهيل الشامل بالطائف معوق ذهنيا أصم وأبكم وضعيف نظر يتعرض للتعنيف وكسر عضده من عامل «شحن وتفريغ» بالمركز!!.
• قلنا: برود الشؤون الاجتماعية «عامل شحن بلا تفريغ»!!.
**
•• قالوا: وزارة الكهرباء تتعهد بصيف خال من الانقطاعات!!.
• قلنا: خال من انقطاع الأعذار والتصريحات.
**
•• قالوا: التربويون يحذرون من خطورة الألعاب الإلكترونية والمسلسلات المكسيكية على ألفاظ الأطفال!!.
• قلنا: وأخطـر منـها الشتـائم في حــوارات البرامـج الرياضيـة!!.

مسؤول يتجاهل التأريخ

أهم عنصر يراه المسؤول ولا يقبل التوقيع على خطاب بدونه هو التأريخ، وذات العنصر (التأريخ) هو أكثر العناصر تجاهلا في التصريحات والأحاديث، لو حرر موظف للمسؤول خطابا نسي تأريخه لربما تعرض للعقاب التاريخي، ولو قدم مراجع من أقاصي البلاد بخطاب يخص معاملة أو إجراء روتيني واكتشف المسؤول عدم وجود تأريخ للخطاب، لرد المراجع إلى أقاصي البلاد ليتم كتابة التأريخ، كل هذا من حق المسؤول وزيرا ومحافظاً ووكيل وزارة، ولكن طالما أن التأريخ هام جدا، وطالما أنهم يشعرون بأهميته إلى هذه الدرجة فيما يخصهم، لماذا يتجاهلونه في تصريحاتهم وأحاديثهم عن ما يخصنا؟!.
يتحدث بعض المسؤولين عن مشاريع أشبه بالأحلام لكنهم لا يذكرون لنا تاريخ انتهائها، فنستمر نحلم ونحلم حتى يمل منا الحلم فنستيقظ وقد أصبح التصريح في حكم التاريخ ولم يتحقق الحلم!!، أحيانا يحلم المسؤول ولا يحدد لنا متى حلم (والتأريخ مهم جدا لدى مفسر الأحلام)، ناهيك عن أن يحدد لنا متى تتحقق رؤاه وأحلامه!!.
أنا لا أعترض على أهمية التأريخ في المخاطبات، ومقتنع بأهميته في تحديد المسؤوليات والمرجعيات، لكنني أطالب بإعطاء ذات الأهمية للتأريخ في التصريح عن مشاريع بدأت وأخرى تحت التنفيذ وثالثة ستنتهي قريبا، لماذا لا نتعامل بتحديد تأريخ البداية وتأريخ مراحل التنفيذ وتحديد ذلك التأريخ الذي ستنتهي فيه قريبا، ليكون لنا ذات الحق في تحديد المسؤوليات والمرجعيات والفضل في البدايات والنهايات، أو الفضل في البدايات والوزر على عدم النهايات؟!.
تجاهل التأريخ يخدم كثيرا في التضليل والتسويف والإيهام والظهور بمظهر من يعمل وهو لا يعمل ومن ينجز إنشاء لا إنشاءات، لكن ثمة أمرا أهم وأخطر وهو أن عدم ذكر التأريخ يتيح للبعض أن يجتر إنجازات سابقة على أنها حالية ويكرر أرقاما حققت في عصور مضت على أنها جديدة فإذا غاب التأريخ العب يا فصيح.

سمحنا للعزاب فهل ألغينا الأسباب؟!

أن تمنع فإنه الحل الأسهل لكنه بالتأكيد ليس الأفضل، بل هو ليس حلا، هو مشكلة، ونحن بكل أسف نعمد للمنع لأنه أسهل الحلول ولا نسعى لإيجاد الحلول الأمثل، ليتنا نمنع مؤقتا ريثما نوجد أرضية مناسبة للحلول الناجعة الصحيحة مع أنها الصعبة المكلفة، لكننا للأسف نمنع على الدوام كحل سهل، مع أننا أصحاب مقولة شطر بيت الشعر «يا مدور الهين ترى الكايد أحلى»، إلا أننا لا زلنا نتبنى الأسهل ونراه حلا، مع أنه مشكلة أخرى.
منعنا دخول الشباب العزاب للأسواق وأماكن الترفيه التي أسميناها عائلية ردحا من الزمن، وكان حلا سهلا لمشاكل إيذاء الفتيات بالمعاكسات والتحرش والتعدي على الحرية الشخصية المتمثلة في السير في السوق ومكان الترفيه دون إيذاء يجرح الكرامة ويخيف الفتاة العاقلة ويحرم الأسر المحافظة من الذهاب للأسواق وأماكن الترفيه.
المنع كان الحل الأسهل لكن الحل الأمثل كان بإعداد قانون صارم يفصل كل أنواع وأشكال وطرق الإيذاء والتحرش والاعتداء على الخصوصية، سواء من شاب عازب أو حتى فتاة أو «أشيمط» متزوج، ويعرفها تعريفا لا يقبل الاختلاف ثم يحدد لكل منها عقوبة لا تقبل التنازل ولا العفو، ولا تنفذ في السوق فتخلق الفوضى، إنما يكون مسرحها المحاكم المتخصصة ومواقع تنفيذها السجون والإصلاحيات، والصعوبة في هذا الحل «الكايد» الأحلى أنه يحتاج إلى جهاز رقابي سري، يراقب السلوكيات في الأماكن العامة ويتفاعل معها دون شكوى، ولا يقبل فيها عفو ولا واسطة ولا شفاعة، كونها حقا عاما يتعلق بسلوك عام.
نحن الآن ألغينا الحل السهل والمنع الخاطئ، فهل معنى ذلك أننا أوجدنا الحل الصعب، هل أنهينا تجهيز أرضية مناسبة للتعاطي مع مشاكل الأسواق المعروفة في كل العالم؟!، مشاكل الأماكن العامة ليست حكرا علينا، بل هي مشكلة عالمية، لكننا نحن فقط من لم يحلها جذريا كما يجب وكما يتم في المجتمعات الأخرى، فهل السماح جاء بعد إيجاد الحل أم أننا سنواجه ذات الفوضى بعد أن يشعر الشاب الفوضوي بالأمان ثم نعود فنحرم الجميع الصالح بسبب الطالح.

خدعوك فقالوا «في أمريكا»

أكثر ما أراه مراوغة هو دفاع البعض عن قصوره وأخطائه بالقول إنها تحدث حتى في الولايات المتحدة الأمريكية كناية عن شمول الأنظمة والعناية بأدق الأمور في أمريكا وهذا صحيح، لكن مقارنة شأن عندنا بمثيله في أي دولة متقدمة سواء أمريكا أو دول أوربا أو ماليزيا واليابان نوع من الاستغفال لأن المقارنة يجب أن تكون شاملة ومتكاملة ومستوفية لتشابه جميع الظروف المتاحة في البلد المتقدم الذي نحتج به.
الشؤون الاجتماعية مثلا تقول إن الهائمين (الهوملس) موجودون حتى في أمريكا لكنها لا تذكر أن الهائم في أمريكا تدرس أحواله من قبل عشرات الأخصائيين الاجتماعيين و عشرات الأخصائيين النفسيين وعدد من المؤسسات الاجتماعية والإنسانية وتتاح أمامه فرص الإيواء في دور اجتماعية أو مصحات وأن من يهيمون في الشوارع والأنفاق رفضوا كل تلك الفرص واختاروا الشارع لأن معظمهم من مدمني الكحول (الكحوليزم) ومع ذلك تصرف لهم إعانات للإعاشة.
المثال الآخر الأشد مراوغة عندما يكون الحديث عن الأخطاء الطبية لدينا وارتفاع معدلاتها غير المقبول ثم يأتي أحدهم فيقول إن الأخطاء الطبية في أمريكا تصل إلى نفس الرقم الموجود لدينا (حوالي 300 ألف خطأ طبي سنويا) ويتناسى قاصدا أن أمريكا لا تقارن بنا مطلقاً في هذا الصدد فأمريكا تسجل فيها أبسط الحالات الناجمة عن خطأ طبي فهم يسجلون حتى حالة حدوث الرعاف في الأنف إذا حدث بسبب خطأ بينما نحن لا نسجل إلا ما صاحبه شكوى أي أننا لا نسجل إلا مانجم عنه وفاة أو شلل أو فقد منفعة فأين وجه المقارنة؟!، ثم إن ثمة فارقا شاسعا في عدد السكان وبالتالي عدد التدخلات الطبية المنسوب لها ذلك الرقم، وفي أمريكا لا يثنى المتضرر عن الشكوى بل يشجع فيخرج المريض وخلفه ستة محامين نصفهم يتطوع برفع القضية عنه بينما يخرج من عندنا وخلفه ستة أطباء أحدهم يتوسل بعدم الشكوى والثاني يتوسط بقريب والثالث يهدد والبقية يحبطونه بعدم جدوى الشكوى، وفي أمريكا ثمة تعويضات مليونية رادعة للإهمال بينما عندنا يترك الطبيب مرضاه ويذهب لممارسة غير مشروعة في مستشفى تجاري وما يتقاضاه منه يغطي كل إهمال.

الحمد لله أخفق المنتخب

نحن مجتمع نؤمن بأن رب ضارة نافعة، وعندما خرج منتخب بلادنا من التصفيات المؤهلة لكأس العالم حزنا لذلك الخروج لأننا نريد لهذا الوطن أن يبرز في كل محفل عالمي، لكننا وبعد ما نتج عن الخروج المر من خروج مجتمعنا الرياضي على حقيقته الأكثر مرارة وما تلا خروجنا من تصفيات كأس العالم من فوضى في الإعلام الرياضي كشفت ما كان كل مخلص يشير إليه ويحاول المنتفعون إخفاءه وأظهرت واقع مجتمعنا الرياضي على حقيقته التي تستدعي المعالجة السريعة، عدنا للحقيقة الراسخة التي نؤمن بها وهي أن رب ضارة نافعة، فالاعتراف بصحة ما حذر منه المخلصون من نفس الإعلام الذي كان ينفيه، أهم من تأهل لكأس العالم نحقق فيه أرقاما غير مسبوقة في لعب الكرة من نقطة الدائرة (السنترة) لأننا باعتراف الوسط الرياضي غير المسبوق هذا سنضع الكرة في نقطة دائرة الضوء ونبحث عن الأسباب الحقيقية لإخفاقنا ونناقشها مع المخلصين والمخلصين فقط الذين كانوا يتحدثون بوجل.
لقد كشفت مرحلة ما بعد الخروج وعن طريق شاهد هام يجمع بين المسؤولية كعضو فاعل وبين الإعلام ككاتب أن الإعلاميين كتابا وصحافيين ومقدمي برامج يتعرضون لإغراءات مادية لكتابة وقول ما ليس بحق وأن (بعضهم) يستجيب للإغراءات، وهذا لا يعري الإعلاميين فقط، كما ذهب البعض، بل يكشف من يحاول إغراء الجميع وينجح مع البعض وهو بالتأكيد ليس جمهور المدرجات الذي كنا نتعامل معه كحنجرة وظاهرة صوتية فقط!!، ودعك ممن يدافع عن صاحب التصريح ومن يهاجمه فكل منهم يريد نفي التهمة عن نفسه!!، والأخطر من هذا كشفه عمن يتمنى هزيمة المنتخب ليعود لا عبوه من مشاركة منتخب الوطن.
وكشفت مرحلة ما بعد الخروج أن بعض من يستضافون في برامج رياضية محلية ويتعامل معهم الجمهور كموجهين وقدوة ما هم إلا أوعية لألفاظ بذيئة وشتائم وتبادل تهم يندى لها الجبين، وليس أخطر منهم إلا أولئك الذين يستجدون مجلس قناة غير سعودية بشتم بعضهم البعض وامتداح أهل القناة في صورة مذلة لا تليق بنا.
وكشف الخروج صحة ما قيل عن لجان الاتحاد وتعرضها للاختطاف والكيل بمكيالين وأن الميول للأندية وحده يدير بوصلة الرياضة ولهذا أخفقنا ويجب أن نستفيد من تجربة الإخفاق.

غياب الهيبة في زيارة الهيئة

مع كل خبر صحافي عن زيارة هيئة مكافحة الفساد لوزارة أو مؤسسة أزداد حيرة في فهم طريقة أداء الهيئة لمهمتها الجليلة، والطريقة التي تتحرك بناء عليها، تلك الزيارات الحبية والتي توزع خلالها الهيئة نسخا من إصداراتها و كتيباتها التعريفية والتعريف بأهداف الهيئة واختصاصاتها تجعلك لا تفرق بين زيارة الهيئة وزيارة أي مقدم خدمة أو شركة ترغب التعريف بخدماتها، وهذا النهج غير معهود لا من قبل جهات رقابية قديمة مثل ديوان المراقبة العامة و لا جهات رقابية حديثة مثل هيئة الغذاء والدواء.
فالهيئة في حد ذاتها بشرى وطنية عظيمة استبشرنا بها لكن المشكلة قد تكمن في الطريقة والمنهجية التي بدأت بها الهيئة لاسيما وأنها تركز على استقطاب متقاعدين و كبار سن ربما لم يستوعبوا بعد توجه المرحلة الحالية التي لا ترى حصانة ولا هيبة يمكن أن تقف في وجه مكافحة الفساد.
قديما ورغم أن ديوان المراقبة العامة لم يقم بجل مسؤولياته الرقابية إلا أن الجهة الحكومية عندما يفاجئها مندوب الديوان بزيارة فإنها تستنفر وترتعد مفاصل الفساد فيها ويستنجد القائم عليها بمساعده المالي والإداري ويستدعي المتغيب ولو بإذن، ويستحث همة المتأخر و تتكرر عبارة (طب علينا الديوان ) مع أنه كان يدخل من الباب ولكن دون بروتوكولات زيارة ولا خطابة ولا توزيع إصدارات!!.
حديثا هيئة الغذاء والدواء تحظى بهيبة عظيمة ومكانة رفيعة نتيجة اعتمادها على معايير ومقاييس عالمية في الغذاء والدواء من لا يلتزم بها يجد تشهيرا تلقائيا ومنعا للمنتج تحترمه جميع الجهات المخولة بتنفيذه دون أن تطلعها الهيئة على (استراتيجيتها) أو نهج أدائها للمهمة التي أنيطت لها.
أيضا إشغال هيئة مكافحة الفساد وقتها واستنزاف زياراتها بالمطالبة بإدراج مفردات الأمانة والنزاهة ضمن مناهج الجامعات إبان زيارتها لجامعة الملك سعود مع أننا نعلم أن ديننا الحنيف الذي يدرس في جميع مراحل التعليم يحث على النزاهة والأمانة؛ فالمشكلة ليست في مفردات ولكن أفراد!!. كنت أتمنى بدلا منه لو سألت الهيئة الجامعة عن سر غياب أطباء مستشفى الجامعة عن عياداتهم.