مرح المسير سر استفزاز السفير

دققت في مشهد تعامل سفير المملكة في القاهرة الأستاذ هشام ناظر مع المواطنة التي طالبته بإيجاد (الحلول) للإسراع في إخلاء المواطنين السعوديين من مصر، وهو المشهد الذي أغضب كل مواطن ينشد التزام السفراء بتنفيذ أوامر خادم الحرمين الشريفين (ملك الإنسانية) ملك التأدب مع أبناء شعبه عبد الله بن عبد العزيز الذي شدد على السفراء باحترام المواطن السعودي ليحترمه الآخرون.
بعد التدقيق في المشهد أو (الفيديو كليب) الذي انتشر بشكل واسع، وأرجو أن لا يكون هناك مشهد غيره لم يصور أو لم ينشر، وجدت أن ما استفز المواطنة الخائفة ليس رد السفير بعبارة (يا سلام أنت عندك حلول) حتى وإن جاءت بلهجة استخفاف برأي المواطنة، لأن المواطنة تدرك أن كلمة (يا سلام) نقولها تعبيرا عن الإعجاب وقد تفهم هنا على أنها تعبير من السفير عن إعجابه بأفكار المواطنة واعتراف منه أن لديها من الحلول ما لا يتوفر لديه ــ رغم أنه كان وزيرا للتخطيط ــ وأنه يخشى أن يحسدها على ذكائها وتخطيطها وهمتها وحماسها وهو ما لم يتوفر لدى السفارة في ذلك الظرف رغم تباطؤ الأحداث وإمهالها لكل من لديه همة.
ولعل أوضح دليل لتفسير تصوري الشخصي هذا في أن كلام السفير ليس سر استفزاز المواطنة ولا من تابع المشهد هو أن المقطع لو كان صوتيا فقط (دون صورة) فإنه سيكون عاديا محسوبا للسفير كاعتراف بأن لدى مواطنة عادية ما ليس لديه من الحلول بدليل (يا سلام عندك حلول)، لكن الواضح من المشهد والصورة أن عنصر إثارة الاستفزاز وشعور المواطنة بالإهانة يكمن في التفات السفير عنها وهي تتحدث ومواصلته السير بخيلاء وسط مرافقيه وهو أسلوب عفا عليه الزمن في مصر تحديدا بمقدار زمن أسبوعين، وإحقاقا للحق أننا لم نتعود عليه في المملكة على الإطلاق، بل تعودنا أن يقف ولاة الأمر لسماع شكوى ومقترحات المواطنين بإصغاء بالغ وأدب جم، وأشهد شهادة لله، سوف أحاسب عليها، أنني شاهدت عبد الله بن عبد العزيز يتوقف في أحد ممرات المستشفى، أثناء زيارة غير منقولة إعلاميا ولم يشاهدها الكثيرون، يقف لامرأة اعترضت مسيره ورفعت صوتها بالشكوى وهو يهدئها ولم يغادرها إلا بعد أن أتمت شكواها ووجه حفظه الله بالنظر في أمرها ونقل مسؤوليتها من رقبته إلى رقبة مدير المستشفى بتوجيه واضح.
إذا فإن هشام ناظر عندما صد عن المواطنة وتجاهلها وهي تتحدث وانعطف في مشيته باستعلاء واضح وخيلاء بينة ومشى في الأرض وكأنه سيخرقها أو سيبلغ الجبال طولا أحبط مواطنة خائفة وأحدث لها ألما وإهانة ليس بالنقاش ولكن بالسير مرحا بدليل أنها شكت أمرها لله مرددة (لا إله إلا الله).

وقفات أسبوع .. قالوا وقلنا

** قالوا إن بناء أحد السدود في شمال محافظة الطائف تم إيقافه بعد أن دمرت الشركة المنفذة الأرض وقطعت الأشجار وخلفت حفريات خطرة لتكتشف بعد سبعة أشهر وإنجاز 20 % من المشروع أنها تعمل في موقع خاطئ يبعد 15 كم عن الموقع الصحيح (عكاظ 29 صفر 1432هـ).
– قلنا أين المكتب الاستشاري؟! أين المراقبون؟! أين المشرفون؟! أين المهندسون؟! أين الملايين؟ وزارة المياه فين؟!.
** قالوا إن الدولة ستعوض ذوي كل متوفى في سيول جدة ما لا يقل عن مليون ريال.
– قلنا الفاسد يسرق ويتسبب في الغرق والدولة تعوض أهل الغريق!! متى يكون التعويض من حساب المتسبب؟!.
** قال تقرير إن شركة أغذية قامت بالتبرع لمنكوبي السيول في جدة بأغذية فاسدة.
– قلنا مساكين أهل جدة ألا يكفيهم أنه ليس لهم تصريف سيول تجعلونهم قنوات تصريف غذاء فاسد.
** قال ديوان المظالم إن عدم تنفيذ وزارة الحج للحكم الصادر عليها لصالح شركة (لبيك) هو تعنت والتفاف على الحكم وتعطيل له بغير حسن نية.
– قلنا يعني بسوء نية (بس خجلانين تقولونها).
** قالوا مؤسسة الموانئ تؤجر متر الأرض للجمارك بستة آلاف ريال وللزراعة بنصف ريال فقط.
– قلنا ونزيدكم من الشعر بيت، الجمارك تسقي المتر بالعرق ودم الأبطال وتمنع دخول الأخطار والزراعة تسقيه بالمجاري ومياه الصرف الصحي وتؤكلنا الثمار.
** قالت وزارة الزراعة إنها تحذر من جمع وأكل الجراد الصحراوي المعامل بالمبيدات الكيميائية لخطورته على الصحة العامة.
– قلنا ويزيد خطورته أنه أكل خس وبقدونس مزروع في مياه صرف صحي يعني ملوث بـ (دويتو) كيماوي وعضوي!!.
** قال سكان سراة عبيدة إن وادي الفرشة مصدر الحياة الوحيد في المنطقة ملوث بالنفايات الطبية ونشرت «عكاظ» صور النفايات الطبية الملقاة في الوادي.
– قلنا غدا ترد وزارة الصحة بأنها وضعت له استراتيجية وخطة عالمية محكمة تتبناها دول الخليج.
** قالت الفنانة الإماراتية شادية: لا أحب كرة القدم لأنني ناعمة!!
– قلنا نفهم من هذا إن بناتنا اللاتي شكلن فريق كرة قدم خشنات و(جلوف)؟!.

منع «الولاعات» في الدول العربية

تسبب محمد بوعزيزي في لفت الأنظار وإشعال ثورة الشارع التونسي عن طريق إشعال النار في جسده بسبب ظلم تعرض له بحرمانه من (عربته) ومصدر رزقه، واعتبر بوعزيزي رمزا لثورة الياسمين التونسية، مع أن ثمة احتمالا كبيرا أن بوعزيزي لم يكن يقصد أن يجعل من جسده شرارة لإشعال الثورة وإحراق حكم دام أكثر من 30 سنة وإنما قرر وضع حد لحياته نتيجة اليأس وفرط القهر والشعور بضعفه أمام النظام وأراد أن يلفت الأنظار لهذه النهاية فوجد أنه ليس أفضل من النار للفت الأنظار، لكنه لم يكن يتوقع أن يؤدي ذلك إلى قلب النظام الذي ظلمه وإلا فإن من الطبيعي أن يفعل أي شيء آخر يمكنه من البقاء لرؤية قلب النظام والانتقام من رجل الأمن الذي صادر عربته والمرأة التي صفعته، مستفيدا من الفوضى الكبيرة التي تصاحب سقوط الأنظمة، وحب البقاء وحب الانتقام هي الغرائز السائدة لدى الإنسان وليس حب الفناء والتواري عن أنظار الظالم دون ثمن مرئي يسعد برؤيته قبل أن يموت، وهذا السيناريو هو الأقرب لطبيعة الإنسان وغرائزه، ومع ذلك دعونا نقول إن محمد بوعزيزي قصد إشعال الشارع وتوقع هذه النهاية ليس للموظف الذي صادر عربته ولا الموظفة التي صفعته ولكن للنظام الذي أتاح لهما إيذاءه وقطع رزقه فجعل من قلب عربته أنموذجا لسهولة قلب كل شيء بما في ذلك نظام ضرب أطنابه 30 سنة.
أسلوب بوعزيزي رغم اختلافنا على كونه مقصودا أو غير مقصود، واتفاقنا على أنه محرم شرعا لأنه قتل للنفس التي حرم الله قتلها بغير الحق، إلا أنه نبه عدد من المظلومين في دول عربية أخرى إلى أن حرق النفس أمام الناس أسلوب مؤثر للتعبير عن الرغبة في التغيير، وبمجرد أن نجحت ثورة تونس في التخلص من الرئيس بسرعة تكررت أنباء حرق رجل نفسه في أكثر من دولة عربية، وبالمناسبة (وهذه جملة اعتراضية) لم تعمد أي امرأة إلى حرق نفسها واقتصر ذلك على الرجال!! ربما لأن المرأة أكثر حبا في البقاء أو أعظم رغبة في الانتقام ورؤية خصمها يعاني أو أكثر إيمانا وأطول صبرا، لا ندري، لكن المؤكد أن وراء كل ظلم عظيم امرأة، فمن ظلم يوسف هي امرأة العزيز وامرأة هي من صفع بوعزيز!!.
حسنا تكررت حالات حرق النفس في عدد من الدول العربية فما الذي حدث؟ هل سارعت تلك الدول إلى حزمة من الإصلاحات وتحقيق العدالة ومنعت الظلم؟ لا بل قررت وبسرعة منع الولاعات!!.

البراك يطمئن: لسنا من شرار الناس

وردني عبر ( الإيميل) هذا الإيضاح من الرئيس التنفيذي لشركة الكهرباء المهندس علي البراك حول ما كتبت بعنوان «التمييز المخجل في الكهرباء» أنشره بعد أن أذن بذلك كما ورد باستثناء عبارات الثناء متمنيا أن يكون مطمئنا للقراء:
اطلعت على مقالتك يوم 5/2/2011 م تعليقا على ما نشر في صحيفة الرياض حول تركيب العدادات الإلكترونية لدى كبار المشتركين وفي الحي الدبلوماسي وليس لبقية المشتركين، ومما يؤسف له أن ينشر حديث مسؤول عن خدمة تهم الناس مبتورا أو مختصرا اختصارا مخلا كما حدث في نقل الإجابة التي أشرت إليها وبناء على ما نشر كتبت مقالتك. وهنا أود أن أوضح لك بعض الحقائق التي قد لا تكون متوفرة لديك:
أولا: العدادات المستخدمة حاليا عدادات كهروميكانيكية مطبقة في المملكة وفي معظم دول العالم إلى اليوم وتؤخذ القراءة بنفس أسلوب الشركة الحالي بجهاز حاسوب مع القارئ وهي تعمل بدقة ولكنها لا تتيح القراءة عن بعد وهو ما تخطط له الشركة مما جعل الشركة تبحث ومنذ أكثر من خمسة عشر عاما مع جميع الشركات المصنعة للعدادات في إمكانية تركيب عدادات رقمية أو إلكترونية لجميع المشتركين لكي تتمكن من بناء نظام للقراءة الآلية عن بعد ولكن جميع الشركات العالمية وبعد عدة تجارب ميدانية لم تتمكن من تقديم عدادات يمكن أن تعمل داخل صندوق موجود على السور الخارجي تصل درجة الحرارة داخله إلى أكثر من 75درجة مئوية نهار الصيف ولذا عملت الشركة مع إحدى الشركات الوطنية المتخصصة على تطوير عدادات إلكترونية تتحمل درجات الحرارة العالية وبدأ تركيبها في الحي الدبلوماسي بالرياض وفي أحد أحياء جدة وفي الدمام كمشروع تجريبي (دليلي) لاختبار نجاح ذلك قبل تعميمه عندما يتوفر التمويل أما كبار المشتركين فالمقصود بهم المصانع والمجمعات التجارية الكبيرة وعددها محدود ولأن عداداتهم داخل الغرف لا تتأثر بالحرارة ولأن لهم تعريفة متغيرة مع الوقت ولا يمكن أن يتم تطبيقها بالعداد العادي علما بأن الشركة بدأت بتركيب العدادات الجديدة الرقمية وطلبت من الجهات المختصة أن يبدأ تركيب العدادات داخل المنازل ولم يتحقق ذلك حتى الآن.
ثانيا: العداد الإلكتروني يكلف أربعة أضعاف العداد الكهروميكانيكي وهو ليس أدق منه في القراءة ولكنه فقط يتيح القراءة عن بعد ولكي تستبدل 6 ملايين عداد على مدى 5 سنوات يتطلب استثمارات لا تقل عن مليار ريال سنويا وشبكات اتصالات قد لا يتوفر التمويل أصلا لدى الشركة في ظل التعرفة الحالية.
ثالثا: إنه لم تكن لدى الشركة فضيحة كما أشرت فيما يختص بعدد اثنين من موظفي الشركة المواطنين في مدينة الطائف عندما تقاعسا في أداء عملهما وقامت الشركة بمعاقبتهما وفصلهما من العمل وتصحيح خطأهما وكانت على درجة عالية من الشفافية مع المشتركين وسوف تستمر في هذا النهج عندما يقع أي خطأ بشري أو آلي بحق المشترك أو الشركة وتتخذ الإجراء الرادع وتعلن عنه في حينه وهذا يجب أن يطمئن المشترك.
رابعا: الشركة لا تميز بين مشتركيها بأي شكل من الأشكال في خدمة الكهرباء وترصد استهلاكهم بنفس الأسلوب والدقة والنظام وهذا من حق كل مواطن ونعتبرها أمانة في عنق كل مسؤول في هذه الشركة ولا يوجد لديها أقسام لعملاء مهمين أو غير مهمين مثل بعض الشركات بل إنها تؤمن الكهرباء للمواطن العادي بأقل من نصف تكلفتها على كبار المستهلكين كما أنها تتحمل أضعاف التكلفة لإيصال الخدمة لمن يقيمون بالقرى والمناطق دون النظر إلى اقتصادياتها.
ختاما قد يحدث تقصير من قارئ أو عدد منهم من بين ألف وخمسمائة قارئ سعودي بالمملكة ولكن هناك أنظمة وتدقيق تكشف ذلك وتعيد الحق لصاحبه فلا أحد يرضى أن يكون من شرار الناس فيظلم الناس للناس.

نحن مجتمع جاذب للانتحار

بالرغم من أننا من أوائل دول الشرق الأوسط التي وعت مبكرا وأدركت آثار التدخين على صحة المجتمع، ومع أننا من أكثر هذه الدول التي تضررت منه بموجب إحصاءات أمراض السرطان وأمراض القلب والشرايين التي سببها التدخين في مجتمعنا بدليل الإحصاءات التي استخدمت لمقاضاة شركات التبغ ووكلائها في المملكة، وبالرغم من أننا من أكثر الدول في العالم صرفا على علاج آثار التدخين على الصحة العامة، إلا أننا وللأسف من أكثر بلدان العالم تساهلا مع تشجيع التدخين وإليكم الأدلة الواضحة التي تستدعي إعادة النظر في أولوياتنا في مكافحة هذه الآفة التي قضت على أعداد كبيرة من أبناء الوطن وتنذر بالقضاء على جيل كامل قادم سواء في صحته أو قيمه الاجتماعية أو اقتصاده.
نحن أقل الدول قاطبة رفعا لأسعار السجائر وفرض الرسوم الجمركية عليها، ونحن الدولة الوحيدة في العالم المتقدم التي لا تضع صور أضرار التدخين على علب السجائر و البلد الوحيد الذي لم يفعل منعا صارما لبيع السجائر على صغار السن والمراهقين، ونحن آخر الركب في فرض غرامة على التدخين في المطارات (لم تصدر إلا منذ عدة أيام)، ونحن البلد المتقدم الوحيد الذي لم يمنع بعد التدخين في الأسواق، ونحن البلد الوحيد الذي لا يزال فيه منع التدخين في أجزاء من المطاعم والأماكن العامة جهدا ذاتيا تطوعيا غير إلزامي، ونحن البلد الوحيد الذي تقدم وتطورت آليات التوظيف والتأمين الصحي فيه وهو لا يتطرق للتدخين مطلقا في التفضيل في التوظيف أو شروط التأمين الصحي.
أتدرون ما الطامة الكبرى في هذا الصدد؟! نحن البلد المتقدم الوحيد الذي يتبنى ملاك القنوات الفضائية الصادرة منه وله إجازة أفلام ومسلسلات تعرض لقطات التدخين ضمن الفلم والمسلسل بصورة تشجع عليه رغم أن الدول التي أنتجت هذه الأفلام وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية يمنع فيها عرض ذات الفلم واللقطة التي تذكر (تذكر فقط) بالتدخين.
ألسنا بذلك نسمح بالحث على نشر القاتل الأول الذي نقاضي شركات إنتاجه؟! أليس الأجدر بنا أن نمنع قنوات الأفلام التي تشجع عليه بجعله السمة المميزة لأبطال أفلامها ومسلسلاتها سواء منها الأمريكي الذي يجذب الشباب أو التركي الذي يعشقنه البنات؟!، ألا يجدر بملاك القنوات الفضائية المقصودة وهم منا أن يفرضوا مسح لقطات التدخين من الأفلام والمسلسلات كنوع من إدراك المسؤولية الاجتماعية والتقليل من الإسهام في تدمير أبنائنا؟!.

لا للتمييز فقد تمادينا

لي موقف قديم ضد أسلوب التمييز في الخدمات أو ما يسمى (خدمات كبار الشخصيات) خاصة إذا جاء على حساب خدمة عامة الناس، ولا مانع عندي من أن تخصص الشركات والبنوك خدمات لكبار العملاء بغرض التنافس على العميل المميز طالما لم ينقص ذلك من احترام العملاء الأكثر تميزا وهم السواد الأعظم فهؤلاء بدونهم لا قيمة للشركة ولا للبنك، ولي موقف آخر ضد حب التميز الشكلي برقم والصرف الباهظ عليه كونه (في نظري) تعويضا لشعور بالنقص.
موقفي القديم ضد أسلوب التمييز في تقديم الخدمات لم يكن ضد مبدأ تسهيل الحصول على الخدمة لكبار الموظفين الذين لديهم مشاغل كثيرة تستدعي الإسراع في خدمتهم أو أن شهرة وظائفهم تستوجب تلافي احتكاكهم بالناس، لكنني كنت ولا زلت ضد أن يكون أي تمييز هو على حساب وقت وسهولة وجودة الخدمة المقدمة لعامة الناس، وجاءت المواجهة الأولى في بدايات عملي كصيدلي في أحد المستشفيات وأثناء تقديم خدمة مراجعة ثم صرف وصفات عدد كبير من المرضى اكتظت بهم الصيدلية فوجئت بأحد موظفي قسم كبار الشخصيات في المستشفى يمد لي عددا كبيرا من الوصفات لعدد من المرضى وعندما وضعت الوصفات في صفها في الدور ومنحته الرقم التالي للمريض الذي قبله استغرب وطالب بإعطاء الوصفات الأولوية كونها لمرضى من قسم كبار الشخصيات فرفضت وأشرت إلى أعداد المرضى المنتظرين وقلت له هؤلاء جميعا في نظري من كبار الشخصيات، ومن أحضرت وصفاتهم مثلهم لكنهم منحوا ميزة أن تنوب أنت عنهم في إحضار الوصفة والانتظار في الصف وليس المقصود أن تتخطى كل هؤلاء المرضى الذين حضروا بأنفسهم، وقد سعدت اليوم وأنا أرى أن بعض القطاعات طبقت هذا المفهوم وخصصت صيدلية لكبار الشخصيات وتركت العامة في حالهم، وسأكون أكثر سعادة لو طبقت كل المستشفيات ذلك لكنه يستحيل بالعقلية الحالية للوزارة.
أما الموقف من التمييز بالأرقام فهو تحذير قديم كتبت عنه عدة مرات فيما يخص لوحات السيارات المميزة التي يبيعها المرور فأنا رأيت ولا زلت أرى أن تمييز سيارة برقم يباع بالملايين قد يؤثر على بعض رجال المرور في التعامل المميز مع صاحب الرقم، ويكفينا من أرقام السيارات دخولها عالم القبائل والانتماء بحرف ورقم وهو أبعد مما كنا نحذره، وأكثر خطرا.
ليس أخطر من إباحة التمييز إلا التمادي فيه ثم النتائج المترتبة عليه، والدليل ما ذكره الرئيس التنفيذي لشركة الكهرباء عن اقتصار قراءة العدادات إلكترونيا لكبار المشتركين وسكان الحي الدبلوماسي، وترك صغار المشتركين عرضة لمزاج وأمانة قارئ العداد مما عرضهم لظلم التزوير وهو ما فندت بطلانه في مقال الأمس وأكرر المطالبة بوقف كافة أشكال التمييز مستشهدا به في مقال اليوم، لكن المطالبة قديمة بقدم العدل.

عار التمييز المخجل في الكهرباء

عندما تضعف الوزارة المشرفة على الشركات المقدمة للخدمة وعندما تضرب الهيئات المسؤولة عنها عرض الحائط بحقوق المشتركين فإن الرؤساء التنفيذيين للشركات مقدمة الخدمة يتمادون دون حدود في ظلم المشترك و(احتقاره) وهضم حقوقه، وهذا ما حدث ويحدث في خدمات كثيرة أساسية كخدمات الاتصالات وخدمة الكهرباء وخدمات النقل (ورأس سنام الإخفاق فيها الخطوط السعودية)، والبنوك، بسبب ضعف شديد في هيئة الاتصالات ووزارة المياه والكهرباء وهيئة تنظيم الكهرباء وهيئة الطيران المدني، ومؤسسة النقد على التوالي.
المثال هو ما ورد على لسان المهندس علي بن صالح البراك الرئيس التنفيذي للشركة السعودية للكهرباء في حواره مع صحيفة الرياض المنشور يوم الخميس الماضي عندما دافع عن فضيحة أخطاء قراء العدادات الذين زوروا القراءات على المشتركين وهي الفضيحة التي كشفتها «عكاظ» وكتب عنها عدد من كتاب الرأي فيها معترضين على عرض الشركة لتسوية مع المتضررين والتي سبق أن طالبت في هذه الزاوية بأن تنظرها المحاكم الشرعية لكيلا تكون الشركة الخصم حكما، فماذا قال الرئيس التنفيذي؟! قال «إن قراءة العدادات الإلكترونية تم تطبيقها مع كبار المشتركين وفي الحي الدبلوماسي ولا يمكن تطبيقها في أي دولة بالعالم مع جميع المشتركين كونها تحتاج لمبالغ طائلة» انتهى.
يا له من تمييز مقيت بغيض جاهل، لأنه يتعلق بما يخص رصد الاستهلاك وتكلفته التي ضمنتها الدولة حفظها الله للجميع دون تمييز، فكيف تميز شركة الكهرباء بين مشترك وآخر في الحق برصد سليم للاستهلاك؟!، وكيف يسكت عن ذلك وزير المياه والكهرباء ووزارته وهيئة تنظيم الكهرباء؟!، إنه الضعف الذي أشرت إليه.
إن من حق أي شركة خدمات أن تميز العميل المميز بمنحه هدية سنوية أو تخصيص مكتب خدمة لعملاء التميز، هذا شأن الشركة التي لها منافس أو تبحث عن عملاء كبار، أما رصد الاستهلاك السليم فهو حق للجميع دون تمييز مقيت، وليس صحيحا ما يقوله البراك مستشهدا بدول العالم!!، ثم هل يعقل أن يقول لي رئيس شركة الكهرباء: لأنك من (صغار) المشتركين فإنني أتركك ضحية لعدم أمانة قارئ العداد أما لو كنت من كبار المشتركين أو سكان حي دبلوماسي فإنني أضمن لك قراءة عداد عادلة صحيحة وفاتورة منصفة؟! أي منطق غبي غريب هذا؟!، وهل يدفع لكم كبار المشتركين أو ساكن الحي الدبلوماسي أكثر مما يستهلك؟! وهل يدفع صغارهم أقل مما تطلبون.
إن الحرص الشديد للدولة حفظها الله على العدالة والمساواة يتم تشويهه من قبل رؤساء الشركات الخدمية في ظل ضعف الجهات المسؤولة عنهم ويجب الضرب بيد من حديد لوقف هذه الطبقية المقيتة.

وقفات أسبوع قالوا وقلنا

** قال رئيس اللجنة الصحية في المجلس البلدي في جدة الدكتور حسين البار (إننا لسنا ناعمين مع أمانة جدة، وطلبنا من أمين جدة الدكتور هاني أبو راس أن يتقبل أي نقد، ونحن نصارحه بكل حرية وهو يسمع)، قلنا (الله يبشرك بالخير أجل هو يسمع؟!، طيب أنتم مجلس بلدي ولا جهاز اختبار سمع؟!).
** قال وزير العمل المهندس عادل فقيه (توظيف الشباب ليس مهمتنا فقط، وإنما هي أيضا من مسؤوليات وزارة التجارة والاقتصاد والبترول وهيئة الاستثمار)، قلنا (رحم الله الدكتور غازي كان يخوض حرب مواجهة مع رجال الأعمال وملاك القطاع الخاص، وهؤلاء لم يعد أحد يجرؤ على تعدادهم ضمن المقصرين في التوظيف!!).
** قال وكيل وزارة الزراعة المساعد للثروة الحيوانية خلال الندوة الإرشادية لمساندة مربي الماشية في حائل إن (لدى الوزارة حزمة طويلة من العمل الجاد الذي سيسهم في وضع حلول متسارعة لتدارك المشكلات المتناثرة أمام القطاع الحيواني وسد النقص الواضح في الخدمات البيطرية وعجز الأدوية واللقاحات)، قلنا (تقصد أنه خلال عام واحد سيكون هناك سرير لكل بعير؟!).
** قالت الصحف مستغربة (الخطوط السعودية تخصص موظفا واحدا فقط لخدمة مئات المسافرين السعوديين لإخلائهم عبر مطار القاهرة)، قلنا (المدير العام قالها لكم بكل صراحة: النقد لا يخيفني، وواضح أن الكثرة عنده لا تغلب الشجاعة).
** مواطن يرد على تطمينات أمين جدة قائلا «لو كنت صادقا اسكن معنا في أحد هذه الأحياء»، قلنا (لو سكن الأمين في حارتكم، وسكنتم في حارة الأمين غرقت حارة الأمين، لا تجنوا على حارة جديدة).

مصائب قوم عند مسببيها لا شيء

أدعي أنني دققت فوجدت أن ثمة أمرا مؤكدا لم أجد له تفسيرا أكيدا، المؤكد عندي أن المصيبة إذا حلت بجماعة من الناس بسبب خطأ شخص أو عدة أشخاص آخرين، فإن أول ما يفكر فيه هؤلاء الآخرون هو أنفسهم، ولذلك فإن المتسببين في مصيبة قوم هم أقل الناس تأثرا وأكثرهم عدم اكتراث أو تجاهلا.
الغرابة العظمى تكمن في تبلد مشاعر المتسبب في مصيبة قوم، وعدم تأثره بما تسبب فيه، وانشغاله بالدفاع عن نفسه أو الخوف من المحاسبة عن التأثر بما حدث للآخرين وتأنيب الضمير عليه، وهذا ــ وربي ــ من أعلى درجات الأنانية، وقد عايشت منها أمثلة كثيرة استشهدت ببعضها في مناسبات سابقة وأوضحها موقف المسؤول عن الأخطاء الطبية، ويدعوني الاستغراب الدائم إلى الاستشهاد بالمزيد، ففي برنامج تلفزيوني على قناة المجد كنا نتحدث عن وفيات المعلمات على الطرق النائية، وكان أحد مسؤولي تعليم البنات يبتسم ونحن نترحم على الفقيدات ويكرر عبارة (نحن نعزيهم)، وفي برنامج 99 على القناة الرياضية السعودية شاركت في حلقة كلها حسرة على المعلمات الفقيدات، وكان مسؤول آخر ينفي الواسطة في التعيين ويقلل من شأن حوادث الوفيات بالجملة، وقريبا كانت نائبة وزير التعليم نورة الفايز تقول للمعلمات اللاتي يشتكين من التعيين في المناطق النائية والحوادث المميتة (من لا ترغب تجلس في بيتها)، وكأن الموت بات خيارا أو شرطا من شروط التوظيف.
وعندما وقعت كارثة الأسهم وما صاحبها من موت مفاجئ وخلل عقلي وخسائر مادية فادحة وفقدان كل (تحويشة) العمر، كان المسؤولون عن الكارثة هم الأكثر ابتساما على شاشات التلفاز، وفي ندوة عن الأخطاء الطبية كادت وزارة الصحة تقول (المرحوم غلطان)، بل قالت ــ صراحة ــ إن الإعلام الذي يدافع عن ضحايا الأخطاء الطبية يحتاج إلى ندوة أخطاء إعلامية، في (نكتة) أقل ما يقال عنها إنها غير إنسانية وساذجة، وفي كارثة جدة الأولى كان المسؤولون عن الكارثة الأطول لسانا و(الأوسع وجها) في تهربهم من المسؤولية، وفي الكارثة الثانية لم يحتمل أمين جدة المهندس هاني أبو راس عتب أهالي الضحايا وسكان الأحياء الغارقة، فقطع جولته على اليابسة وركب سيارته وغادر دون أن يعتذر عن جملته الشهيرة (أتمنى أن تهطل على جدة أمطارا غزيرة لتكسر حاجز الخوف)، وعندما تذكر الجولة التفقدية على الدمار لا تغيب عن عيني صورة كبار مسؤولي رئاسة تعليم البنات ــ آنذاك ــ عندما تفقدوا مدرسة البنات المتوسطة 31 بمكة بعد الحريق الشهير (2002م)، وهم يلبسون (البشوت) ويتمخطرون بين بقايا الزهرات المحترقات في (عباءات) الستر، وكتبت هذه العبارة في حينه مستغربا قسوة المسؤولية.
أعتقد ــ كصيدلي ــ أن ثمة هرمونا أو مادة يفرزها الجسم شبيهة بالأدرينالين أقترح تسميتها (أنانيين) تفرز في دم كل متسبب في مصيبة قوم، فتجعلها بالنسبة له بردا وسلاما، بل تجعلها لا شيء لا شيء على الإطلاق!!.

كارثة جديدة في جدة خلال أسبوع

كذب المنجمون ولو صدقوا، ونحن نعوذ بالله من أن نصدقهم، لكن الكارثة الأخطر ستحل بجدة خلال أسبوع واحد شئنا أم أبينا وعلينا أن نستعد لها، مع أننا غير مستعدين، ولم نكن قط مستعدين لمثل هذه الكوارث بل لم ترق رؤيتنا واستراتيجياتنا الوهمية الورقية التلميعية التي يدعيها البعض لأن نكون مستعدين ولا حتى مستشعرين لدورنا في التصدي لمثل هذه الكارثة، بل ربما لا تعي الجهة المعنية بها أنها مسؤوليتها وهل أهلكنا في هذا المجتمع شيء أكثر من عدم الوعي بالمسؤولية والاعتراف بها وتحملها حقيقة وليس على ورق الصحف وشاشات التلفاز وإلقاء كلمات الاستراتيجيات الوهمية والخطط الورقية التي (تلف) أوراقها وربما (تتلف) بمجرد التصوير معها.
أنا لا ادعي التنبؤ بهذه الكارثة التي ستقع لا محالة من عند نفسي، (عكاظ) هي من ذكرتني وهي وحدها بكل تجرد وإحقاق للحق من تميز بالتنبه لها في عدد أول أمس الأحد، لكنها نبهت ولا تملك أكثر من ذلك، بل إن حتى من استضافتهم لم يجرؤ واحد منهم على التحدث عن الحل أو الاحتياط لأنه يعرف بعدم وجود أساس للحلول وأحدهم أهاب بالأهالي للتنبه لهذه الكارثة وعدم إهمالها (مساكين هؤلاء الأهالي هم من يجب أن يتنبه وهم من يجب أن يحذر وهم من يجب أن يغرق!!).
الكارثة أحد أعراضها سمي بـ (الفلاش باك) لكن اسمها العريض هو الآثار النفسية التي سيعاني منها كل سكان جدة سواء منهم من غرق وأنقذ ومن غرق قريبه ولم ينقذ ومن خسر أحد أصدقائه أو منزله أو سيارته، بل وحتى من شاهد صور من غرقوا أو كادوا أن يغرقوا.
النتائج النفسية أمر مؤكد ليس من تنبؤات المنجمين بل عايشناها بعد انهيار سوق الأسهم وقبل ذلك خلال حرب تحرير الكويت وضرب الرياض بصواريخ سكود رغم صدها جميعا لكن رعب الأصوات والكيماوي لعب دوره، وعايشتها جدة في غرقها الأول وسوف تتضاعف الأرقام بعد الغرق الثاني، لكن لا أحد يهتم لهذا الجانب التراكمي الذي يفرخ سنويا أعدادا من مرضى الاكتئاب والرهاب والفصام والعدائية والخوف والفلاش باك، فوزارة الصحة لم تهتم بالأمراض العضوية والأضرار الجسدية الاهتمام المطلوب حتى تلتفت للأمراض النفسية التي ليس لها أضرار ظاهرة جسديا إلا بعد الانتحار أو الاعتداء على الغير، ووزارة الشؤون الاجتماعية لم تتحرك قط في أي مناسبة نحو مساندة المنكوبين نفسيا عن طريق أخصائيات اجتماعيات، بل إن هذا الدور الهام ليس موجودا في أجندتها حتى في غرف الطوارئ في المستشفيات نحو أقارب الضحايا فلا الصحة تعترف بحق المريض النفسي في الرعاية ولا الشؤون الاجتماعية تعترف في حق المكلوم في المساندة الاجتماعية والنفسية، وبعد ألا يحق لنا القول إن الكارثة النفسية قادمة لا محالة بعد أسبوع من هدوء العاصفة والتفرغ لهواجس النفس وربما أقل من أسبوع؟!.