منخل الوزير

حكايتنا مع هذا الوطن لا تخلو من العجب والتناقضات، فهو يمنحنا المنصب، فمنا من يعمل له بوفاء ومنا من يعتبره تتويجا توقف عطاؤه عند الحصول عليه، وهو يمنحنا الإعانة، فمنا من يسخرها للإنتاج ومنا من يسخر الإنتاج لها فيحصل على الإعانة، ولا يحصل الوطن على شيء وهو يمنحنا القرض، فمنا من يرده عملا ويوفي قيمته نقدا ومنا من لا يرده لا عملا ولا نقدا.
ما صورته أعلاه ديدن الحياة فالناس ليست سواء وهكذا قال عنهم الخالق وهكذا أرادهم، فلا عجب في النهاية أن نختلف في تفاعلنا لكن الغريب جدا هو تعاطينا مع عمل الآخرين واتخاذنا المواقف السلبية مما يعمل غيرنا، فبشيء من التدقيق نجد مثلا أننا في مرحلة ما كنا نطالب المسؤول بعد تعيينه في المنصب أن يضع خطة عمل منشورة تحدد للناس ما ينوي عمله، ثم بلغ بنا الطموح أن نطالب ذلك المسؤول عند انتهاء قرب فترته أن يراجع معنا ما تم عمله ومدى مصداقيته فيما وعد، وكانت تلك مطالبة صحافية لكثير من الكتاب لكنها لم تتحقق، فخفضنا مستوى الطموح إلى أن أصبحنا نطالب بأن يحافظ المسؤول الجديد على منجزات سابقة؛ لأنها منجزات من الوطن وللوطن لا فضل لمسؤول سابق ولا لاحق فيها إلا حسن أداء الذي حققها ونجاح الجديد في استمرارها.
هذه الأيام يبدو أننا نواجه ما هو أصعب، فقد بلغ التنكر لأفضال الوطن لدى البعض أن أصبح يريد أن يهدم كل جهد سابق، لكي يبدو وقد بدأ العمل من جديد، ومثل هذا الموظف أو المسؤول أسميته في أحد لقاءاتي التلفزيونية المسؤول الذي يريد أن يمسح السبورة ليبدأ من جديد، ليشعرنا أن كل ما عمل سابقه خاطئ (مثل الطبيب الذي يرمي كل أدويتك في سلة المهملات ليشعرك أنه الأفضل) وهذا المسؤول في واقع الأمر لم يبدأ ولن يبدأ؛ لأن من ينقص أهدافه النبل فجدير بأعماله أن تكون كذلك.
إن إنجازات الوطن التي سعت لها قيادته الكريمة وبذلت من أجلها الفكر والمال والتوجيهات الدائمة والمتابعة المستمرة حتى أصبحت منجزا طموحا عالي البنيان، تتعرض الآن للتجاهل وأحيانا الإلغاء، كل ذلك لأن موظفا، أو مديرا، أو محافظا، أو وزيرا يريد أن يغطي منجزات سابقه، ومن العبث أن تغطى الشمس بمنخل، كما أن التغطية في حد ذاتها أو محاولة تغطية شمس الوطن بمنخل عمل لا يليق بأن يكون مكافأتنا للوطن.
ما يقال عن عدم رد جمائل الوطن في المنصب ينطبق على الإعانة والقرض، إلا أن الفرق أن التنكر للإعانة والقرض مربوط بالجشع وحب المال، أما التنكر لمنجزات الوطن فمقرون بالأنانية وكره الآخرين، وفي كل الأحوال لا بد لنا أن ننصف الوطن ونحفظ له ماله وشمسه من عبث النوايا.

حتى الفساد مل منا

حتى الفساد يبدو أنه مل منا، وأصبح يعلن عن نفسه بطريقته الخاصة ويقول: شوفوني، اسمعوني (شموني)، ولا أحد يلتفت إليه.
ويفترض فينا جميعا، امتثالا لتعاليم ديننا وتوجه قائدنا خادم الحرمين الشريفين ملك الإصلاح والسيف المسلط على الفساد، أن نفتح أعيننا ونشنف آذاننا ونصفي أنوفنا لنرى ونسمع ونشم الفساد ونعين قيادتنا في حربها عليه، فالفساد له عدة صور وله عدة طرق في الإعلان عن نفسه ولبعضنا عدة طرق في تجاهله، فالفساد الذي يرى بالعين المجردة واضحا عيانا بيانا يمكن تجاهله بإغماض العين، وهل أسهل من إغماض العين (عين الرضا عن كل عيب كليلة)، والفساد الذي يسمع يعلن عن نفسه بكثرة اللغط ويتم تجاهله بوضع عجينة في أذن وطينة في أخرى، والأذن حساسة إذا أرادت أن تسمع وضيقة جدا فيسهل سدها (والأذن تعشق قبل العين أحيانا)، أما الفساد الذي يشم بالأنف فإن وسيلته للإعلان عن نفسه أن تفوح رائحته النتنة (لتسعط) الأنوف وتصرع النفوس ويسهل تجاهلها بوضع كمام، ولن أستغرب لو أنتجت كمامات لتجاهل الفساد بحيث تحتوي على مواد كيميائية تتفاعل مع ذرات الرائحة النتنة فتحولها إلى مركبات عطرية فواحة. تقولون يبالغ، تقولون يمزح، تقولون جلد ذات.. بيننا وبينكم الدليل، ودعونا نبدأ من الآخر. هل أشد رائحة فساد من رائحة اللحم الفاسد؟! وهذه أطنان من اللحم تتعفن في مطار الملك عبد العزيز بجدة لمدة خمسة أيام، ولا تلتفت إليها شركة الشحن الجوي التابعة للخطوط السعودية إلا بعد شكوى الجمارك وبعد خمسة أيام (يستغرق ذوبان اللحم المجمد ست ساعات)، ويتعفن خلال 24 ساعة و(يخيس)، وتبلغ رائحته ذروتها خلال 36 ساعة، أي أقل من يومين، هذا للكيلو فما بالك بتراكم 11 طنا لو أثر كل طن في أنف واحد فإن 11 رجلا وامرأة سيكتشفونه، أي ما مجموعه (22 منخرا)، والمنخر فتحة الأنف الواحدة ويوجد منها زوج (منخران)، ولكن لا يوجد كمام مفرد، فمن حسن الحظ أن الكمامات تغطي الأنف كاملا عندما ينوي تجاهل رائحة الفساد، أو أن يجد لعفن اللحم عذرا فيقول ربما هو لعمل (قفر) وإرساله للرياض (مقفرا) بدلا من إرسال المتسبب (مخفرا)، والقفر هو اللحم المجفف في نجد، ويسميه الحضارم (لخم) بوضع نقطة الفساد على كلمة (لحم)، ويسميه أهل مصر (فسيخ) ربما على أساس أن اللحم البشري إذا (تفسخ) أمام الناس فهو فاسد.
الفساد المرئي لا أرى ما يعبر عنه أبلغ من صورة نشرتها «عكاظ» لفندق يعترض الطريق السريع، أما الفساد المسموع فلم يعبر عنه أجمل من الزميل خالد السليمان في مقاله يوم أول أمس السبت، والفساد أشكال وليس ماليا فقط.. كما نتصور، فحتى العناد فساد يضر بالوطن.

مجتمعنا ينتحر

وضعت الإحصاءات المملكة في المرتبة الثالثة عالميا في أمرين غاية في الخطورة، الأول تدخين الأطفال، والثاني التحرش الجنسي في أماكن العمل.
وصل عدد المدخنين في المملكة إلى ستة ملايين مدخن من إجمالي عدد السكان وارتفعت نسبة المدخنين الذكور إلى 35 % من جملة السكان الذكور ونسبة المدخنات البالغات 5.7 % من جملة السكان الإناث والأدهى والأمر أننا في مرتبة متقدمة جدا في أعداد المدخنين المراهقين (الثالثة عالميا) وهذا معناه أننا في انتظار جيل كامل من المدخنين والمتضررين من أخطار التبغ وعلى رأسها السرطان وأمراض القلب والشرايين.
من جهة أخرى يصادف أن نحتل أيضا المرتبة الثالثة من بين 24 دولة في قضايا التحرش الجنسي في مواقع العمل، وأن نسبة التحرش الجنسي في مكان العمل لدينا أعلى بكثير من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والسويد وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وأستراليا وأسبانيا.
هذه الأرقام والإحصاءات والمرتبة الثالثة عالميا يجب أن نأخذها بجدية بالغة لا بالسخرية والتهكم بمصادفة المرتبة الثالثة، أو أن يستخدم النسبة كل طرف في إثبات صحة مرئياته وأفكاره وخطأ الآخر.
نحن أمام خلل واضح جدا في جدية مكافحة التدخين وغياب الأنظمة والقوانين والعقوبات الرادعة فيما يخص إساءة استغلال المنصب وسوء استغلال بيئة العمل والافتقار للعقوبات الصارمة في حق من يتحرش بالمرأة في أي مكان وعند أي فرصة وخاصة في بيئة العمل (أي عمل).
كنا نعتقد أن المرأة في مجتمعنا تكتم أمر التحرش حماية لسمعتها مما يجعل التحرش الجنسي ينهش جسد أجواء العمل ويختبئ خلف الكواليس ويجري جريان الماء تحت التبن، ولكن هذه الأرقام وتصريح العاملات لمن أجرى الدراسة تنفي ذلك، فالواضح أن ثمة مشكلة وثمة شكوى ولكن مع غياب للجدية في الردع، وللأسف فإننا بذلك نسيء تقدير خطورة نتائج هذا التقاعس نحو المشكلة على مستقبل المجتمع ونفسيات أفراده والعاملين والعاملات فيه وانعكاس ذلك على النتائج بدءا بالإحباط في العمل وانتهاء بارتفاع نسب اللقطاء ومجهولي الوالدين.
لا زلنا نعتقد أن جمعيات مكافحة التدخين تعمل لكننا نجهل أنها تعمل دون سند فيما يخص الأنظمة والإجراءات والمحاكمات فسعر السجائر لا يزال الأرخص والذي لم يرتفع مقارنة بالسلع المفيدة ولازال كثير منا يتهكم بخطوة الدكتور حمد المانع في مقاضاة شركات التبغ، متجاهلين أن احتلالنا للمركز الثالث عالميا في تدخين المراهقين معناه احتلال للمركز الثالث في الصرف مستقبلا على علاج نتائجه في شكل سرطان وأمراض قلب وشرايين وتداعيات صحية قد لا تكون لدينا الإمكانات للتعامل معها فنكون في المركز الأول لعدد الوفيات.
تركنا هذه السلبيات دون تكاتف نظامي وإجرائي وقضائي للقضاء عليها أو خفض نسبها معناه أن مجتمعنا ينتحر ونحن نراقب كيف يفعل ذلك.

جمهور حجر الزاوية فاق طاش

بطبيعتي لا أرى أن الزاوية الصحفية مكانا لامتداح الأشخاص وإن كنت أرى أن امتداح الأفعال أهون من امتداح الفاعل وزاد شعوري هذا منذ عدة سنوات بعد أن استمعت إلى الشيخ محمد بن عثيمين ــ تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته ــ في مقطع مؤثر يمنع شاعرا من الاسترسال في قصيدة ثناء على الشيخ ويصر ناصحا الجميع بعدم ربط الحق بالأشخاص فقال لا تقيدوا الحق بالأشخاص لأن كل حي سيموت، حتى أن ابن مسعود قال من كان مستنا فليستن بمن مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، ولازال الحديث للشيخ ابن عثيمين فيقول «لا تجعلوا الحق مقيدا بالرجال لأن ابن آدم بشر وقد يغتر ويظن أنه معصوم وإن كل مايفعل هو الحق» (انتهى). وفي ذات الوقت أرى أن برنامج (حجر الزاوية) الذي تقدمه كل من قنوات ( إم بي سي) و(دليل) وإذاعة ( إم بي سي إف أم) فعلا يستحق الإشادة كونه أداة من أدوات التغيير الإيجابي الذي اتضح أثره في مجالات عدة ليس على الجمهور الهائل من المشاهدين والمستمعين وحسب ولكن على الأساليب والوسائل والتوقيت ونوعية الاختيار. ولا أدري حقا كيف يمكن لي أن أشيد بهذا الحجر دون أن أمتدح من نحته ــ الشيخ الدكتور سلمان العودة ــ فهو البرنامج والتغيير والأسلوب والوسيلة والتوقيت والنوعية ونحن الجمهور، لكن دعني أجد مخرجا في القول بأن الشيخ سلمان عرف بالحق ولم يعرف الحق بسلمان العودة، ونحن هنا نشيد بالحق.
برامج الوعظ والنصح كثيرة ولله الحمد والمنة ويأتي في مقدمتها وذروة سنامها ما تقدمه إذاعة القرآن الكريم من المملكة العربية السعودية والتي سبق لي أن قلت وأقول إنه لو كان لي من الأمر شيء لوضعت لها سماعة في كل بيت، لأنها تبث من البرامج ماهو كفيل ببناء أسرة سليمة صالحة حتى لو افتقدت الأسرة للأب المرشد والأم المدرسة، فبرامجها تلامس هدف حل كل معضلة أسرية ويتخللها استماع لكتاب الله يتلى بصوت مؤثر يساعد على التدبر وتفسير يعين على الفهم.
ما يميز برنامج (حجر الزاوية) أنه يبث من قناة (mbc) التي تتابعها شريحة أخرى من المشاهدين بحثا عن مسلسل تركي، أو برنامج تلفزيوني يجتذب عشاق الفن والغناء وخلافه قبل رمضان أو مسلسل محلي رمضاني ساخر خلال رمضان وهذا ما قصدت به التوقيت ونوعية الاختيار، ذلك الاختيار الذي قوبل بانتقاد حاد ثم مالبث أن اقتدى به أو بأشد منه أشد منتقديه لأنهم وجدوه الاختيار الموفق، فمثل هذا البرنامج أشبه بمركب إنقاذ يرسو في بحر متلاطم، من الناس من يأتيه سابحا قاصدا ومنهم من يتوقف عنده حبا في الاستطلاع ومنهم من يتعلق فيه لأنه منهك ينشد الراحة فيرتاح له ومنه، ومنهم من يقذفه الموج على ظهر المركب صدفة، ومنهم من يمر به ويتجاهله ليعبره إلى غيره ولابد يوما أن يعبر غيره إليه فيتوقف.
وأسلوب البرنامج بشيخه ومقدمه والصحفي محامي المشاهدين كفيل بجذب كل من يمر به، فالحضور الذهني وسرعة استحضار الدليل والسند من الكتاب والسنة وإيصال الوعظ بتواضع، عناصر كفيلة ليس بالجذب وحسب بل بالإقناع ولعل نوعية وتنوع جمهور البرنامج كما ذكرنا أوضح دليل، فهو خليط من جمهور (طاش) وجمهور (ماطاش) وبذلك فقد تفوق بالتأكيد على جمهور (طاش ماطاش) عددا وعمقا فحق له القول (الميدان يا القصبي والسدحان).

وقفات أسبوع الاستثناءات

** حتى في مجال التكريم كسر الدكتور غازي القصيبي القاعدة وتمرد ــ رحمه الله وأسكنه فسيح جناته ــ على الروتين، فيكاد يكون الوحيد الذي حظي بذات التكريم قبل وفاته وبعدها، فنحن تعودنا بكل أسف أن نبدع ونجيد في إعطاء المجتهد حقه من التكريم والإطراء بعد أن نتأكد من دفنه في التراب، وبعد أن نجزم أنه لا يسمع إلا قرع نعالنا حتى لو كان قد قدم من التضحيات والتميز ما يشفع له بسماع عبارات الامتنان وهو حي، وغازي القصيبي كما هو دائما وكما عرفناه كان استثناء في كل شيء، فهو الوحيد الذي حاز الثناء والامتنان حيا وميتا.
** من جهة أخرى، من حصل على ثناء وتمجيد لا يستحقه في حياته، عن طريق تقمص المجد أو الصعود على أكتاف الآخرين أو إجادة التمثيل على البعض دون الآخر، كيف سنتعامل معه بعد رحيله وانكشاف أوراقه المخبأة، هل سيكون استثناء هو الآخر، فيكون أول من تذكر سلبياته بعد رحيله؟! لا أظن ذلك، فديننا الحنيف يأمرنا بذكر محاسن موتانا، وربما هذا هو سبب عدم ذكرنا لمحاسن الحي المستحق، مع أنني أجزم أنه فهم خاطئ، فالسنة (ذكر محاسن الميت) لا تمنع ولا تتعارض مع الامتنان للحي.
** لو ــ لا سمح الله، نقول لا سمح الله ومعاذ الله ــ أصبح لدينا استمرار التيار الكهربائي هو الاستثناء وانقطاعه هو الأصل، وإقلاع الطائرة في وقتها هو الاستثناء وتأخرها هو الأصل، وقبول الطالب في الجامعة هو الاستثناء ورفضه هو الأصل، وتقدير الدين في مسلسلاتنا المحلية هو الاسثتناء والسخرية منه هي الأصل، والحصول على سرير في المستشفى هو الاستثناء والرفض هو الأصل، وحماية المستهلك هي الاستثناء وتركه فريسة للتاجر هو الأصل، وأداء الأمانة الوطنية هو الاستثناء وهجرها هو الأصل، فهل سنصنف كمجتمع استثنائي وإلى متى؟!.
** المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية تصرف مشكورة المعاشات التأمينية الشهرية المستحقة للمستفيدين لشهر شوال مقدما في يوم 25 رمضان، وهذا يحدث من المؤسسة كل عام، ماذا عن المؤسسة العامة للتقاعد.. لماذا لا تحذو حذو المؤسسة وتصرف المعاش التقاعدي لشهر شوال مقدما في 25 رمضان؟! هل التأمينات استثناء، أم أن شوال التقاعد غير.

أين تدريب الموظف الكبير ؟

سؤال يتبادر إلى الذهن دائما، وهو: هل الوظائف الكبيرة في المجالات المتخصصة والوظائف القيادية والمناصب الإدارية العليا لا تحتاج إلى تدريب من يتولاها، وإعطائه جرعات تدريبية في مجال عمله الجديد وفي أسس القيادة والمتطلبات الأساسية للإدارة وكيفية التعامل مع فئات الموظفين واتخاذ القرار الإداري والإلمام ببواطن أمور إدارة كم هائل من الناس؟!.
نحن ندرك أهمية التدريب للموظف المستجد، بل يكاد التدريب يكون الشرط الرئيس الحائل دون تحقيق تطلعات الدولة في مجال السعودة، والمعضلة الكبرى للشباب والشابات في الحصول على حلم الوظيفة، إلى جانب الشرط الإعجازي الأكبر وهو الخبرة.. وعجبا، كيف أريد أن أزف مئات الألوف من الموظفين الجدد لميدان العمل والإسهام في التنمية وأن أشترط في الموظف الجديد توفر الخبرة، فأمر اشتراط الخبرة مقبول في التنقلات الوظيفية لعدد محدود من راغبي تحسين المواقع والدخول، لكنه لا يمكن أن يقبل كشرط لتوظيف مئات الآلاف من الخريجين الجدد، ومع ذلك فإننا نردد شرط الخبرة في غير محله (خريج جديد)، فأين ذات الشرط للموظف الكبير الذي سيتولى قيادة مجموعة كبيرة، وتوجيه دفة سفينة ضخمة تمثل شركة أو مؤسسة عامة أو منشأة كبرى تحيط بها ظروف صعبة، وتتحكم في مصالح جمة، وتحوم حولها ذئاب الطامعين من المقاولين والمنتفعين والمتعهدين وكبار الموظفين المسلحين بالتجارب والخبرات، سواء منها الإيجابي أو السلبي، فمنهم من يعرف الأنظمة لسد ثغراتها، ومنهم من يحفظها عن ظهر قلب لاستغلال ثغراتها.
هؤلاء الموظفون الكبار الذين يشترطون الخبرة في الصغار، أين خبرتهم هم في مناصبهم الجديدة؟! وعندما يشترطون توفر شهادات التدريب في موظف صغير يمكن تدريبه على عمله البسيط وهو على رأس العمل، هل تساءلوا: أين تدريبهم وهم الموظفون الكبار ذوو المسؤوليات الضخمة ومن سيواجهون مطبات قيادية ومواقف بالغة التعقيد وخصوما محنكين سلبا وإيجابا.
أتساءل دائما: أين تدريب رئيس الشركة ومدير عام المؤسسة والمحافظ والوزير على مهامه الصعبة، وأين شرط خبرته الإدارية.

حقيقة ما أصدره الملك

خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز معروف بدقته في اختيار مفرداته وكلماته وعباراته، ليس فيما يصدر عنه حفظه الله من خطابات مكتوبة فحسب، بل حتى فيما يقوله من كلمات مرتجلة، ونذكر جميعا أنه عندما تحدث عن ضحايا سوق الأسهم من صغار المساهمين قال (لا أحب أن أقول الفقراء ولكن ذوي الدخل المحدود أو قليلي الدخل).
إذا أنت أمام رجل يقصد ما يقول فما بالك بما يكتب، لذا فإنه حينما أورد مقدمة طويلة استشهد خلالها بسبع آيات من القرآن الكريم وشرح مفصل للحيثيات والأسباب قال بعدها (نرغب على سماحتكم قصر الفتوى على أعضاء هيئة كبار العلماء).
كانت تلك رسالة حكيمة من الملك المفدى ودرسا حكيما في احترام العلم الشرعي، وكان لزاما علينا أن نتوقف عندها كثيرا، وقد توقفت عندها في هذه الزاوية يوم السبت تحت عنوان (خادم الحرمين وحامي هيبة الدين) وفي مداخلتي مع قناة دليل مساء الأحد، وأجد أن من واجبي إعادة التأكيد على هذه اللفتة الملكية الكريمة بعد أن لاحظت أن كثيرا من وسائل الإعلام تتحدث عن (أمر ملكي) بينما حقيقة الحكمة الملكية الدقيقة تقول إنها (رغبة ملكية كريمة) فخطاب الملك ذلك فيه من الحكمة والتميز والدروس ما دعا عددا من علماء الدول العربية للمطالبة بالاقتداء بما جاء فيه من حصر الفتوى على هيئة كبار العلماء، وهذا أيضا يستوجب التدقيق والاستفادة من دقة الاختيار اللفظي، سيما أن الموضوع في أساسه يتناول هيبة الفتوى وسؤال أهل الذكر وعدم الجرأة على العلم الشرعي بأدب ملكي جم تعمد صيغة الرغبة لا الأمر.
جرت العادة في الشؤون العامة أن يأتي الأمر الملكي الكريم مقتضبا وفي صيغة الأمر، أما في هذا الشأن الشرعي فقد قصد خادم الحرمين الشريفين، وهو إذا قال شيئا فهو يقصده ويؤكد عليه، فركز على عبارة (نرغب) بعد تفصيل في حيثيات الرغبة وأسبابها، وهذا قمة الاحترام للعلم الشرعي الذي أراد الملك، حفظه الله، أن يؤكد عليه، وكان على الإعلام أن يسلط الضوء على هذه الخاصية والركيزة الهامة ويصفها بما أراد لها خادم الحرمين الشريفين ــ بحكمته البالغة ودقته اللفظية ــ أن توصف، فهو القائد الذي يعني ما يقول، وهذه دعوة عبر الصحيفة الرائدة دائما (عكاظ) إلى التركيز في التعاطي الإعلامي مع هذا الموضوع على كون الخطاب رغبة ملكية كريمة لا أمرا كالمعتاد، فالدول التي سوف تقتدي بهذه المبادرة الملكية الكريمة من حقها لفت النظر إلى كل ما اشتملت عليه من درر وحكم.

الحديد وخبر «واس» يا ناس

لكي نشجع على مزيد من الردع والعقوبات لجميع المخالفات، وتحديدا مخالفات التجار في تجفيف السوق من بعض السلع وتخزينها بغرض رفع أسعارها واستغلال المستهلك، فإن علينا أن لا نقف عند مجرد إبراز الشكوى وترديدها والتعاطي بسلبية إعلامية مع العقوبة وردة الفعل؛ لأن إبراز العقوبة إعلاميا أهم من إبراز الشكوى إعلامياً، ذلك أن العقوبة المعلن عنها رسميا تمنح الشكوى الأصلية مصداقية أكبر، بل تؤكد حقيقة المخالفة وترسخ إدانة المخطئ.
وبالأمس، نقلت وكالة الأنباء السعودية (واس) خبرا مهما فيما يخص اعتماد معاقبة تجار الحديد الذين خالفوا التنظيم التمويني، حيث اعتمد صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز آل سعود النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية سبعة قرارات عقابية بحق مخالفين لأحكام قرار إخضاع سلعة حديد التسليح بكافة مقاساتها لأحكام التنظيم التمويني في الأحوال غير العادية. وأوضح بيان وزارة التجارة والصناعة أنه تم ضبط هذه المخالفات لأحكام القرار، والتي تتمثل بالامتناع عن بيع حديد التسليح وتخزينه أو القيام برفع الأسعار بشكل مباشر أو غير مباشر عن الأسعار المحددة. وأكد البيان أن القرارات السبعة التي اعتمدها صاحب السمو المكي الأمير نايف بن عبدالعزيز سيتم نشر كل منها على حدة في الصحف المحلية، وهذا أمر رائع ورادع؛ لأن النشر في الصحف على حساب المخالف والتشهير به من أهم عناصر العقوبة إضافة إلى الغرامات المالية.
تلك المخالفات كان لصحيفة «عكاظ» قصب السبق في فضحها، عندما نشرت على صدر صفحتها الأولى يوم الأحد 5/4/1431هـ خبرا بعنوان (أخفوه في مزارع للموزعين خارج نطاق العمران لتعطيش السوق)، ثم توالت المتابعة الإعلامية لأزمة الحديد وارتفاع أسعاره، وأصبح الموضوع قضية الساعة، ولم يقصر الإعلام في تسليط الضوء على القضية.
لكن خبر اعتماد العقوبات الذي بثته واس أمس نشر في بعض الصحف على استحياء ودون إبراز ولم تنشره الأخرى، وفي ظني أن هذا من الأخطاء الإعلامية؛ لأن إبراز العقوبة ــ في نظري ــ أهم بكثير في شأن الردع، فما يهمنا ونريده هو الردع، ونحن ننتظر نشر كل قرار على حدة في الصحف على حساب المخالف، فالتشهير هو الأهم. وحسب وعد وكيل وزارة التجارة لقناة العربية، فإن التشهير بالشركات والمؤسسات المخالفة سيتم في الأيام القليلة القادمة، ونحن ننتظر.

خطوطنا الجوية «التاكسي» المشوه

لم تحظ مؤسسة عامة لها الطابع التجاري (تبيع خدماتها) بمثل ما حظيت به الخطوط الجوية العربية السعودية من الدعم الحكومي الهائل والتسهيلات العظيمة والمرونة الفائقة والمواقف المساندة والثقة التي تمنح للقائمين عليها.
دعم في شراء الطائرات، دعم في منح المميزات، دعم في منح الصلاحيات، ودعم في منح التميز وضمان الانفراد بخاصية الناقل الوحيد وقصر الإركابات الحكومية وشراء التذاكر لجميع موظفي القطاع العام وجزء كبير من القطاع الخاص المتعاون على هذا الناقل المستفرد بالمميزات.
أسباب النجاح هذه لو توافرت لسائق (أتوبيس خط البلدة) لتحول في بضع سنين إلى كيان عظيم وناقل لا يشق له غبار، فكيف بأسطول جوي يشق السحاب ويحظى بميزة الانفراد في بلد شبه قارة مترامي الأطراف وافر المناسبات تكفيه السياحة لأداء الشعائر (الحج والعمرة) لتجعل من ناقله المدلل أكبر أسطول جوي.
في المقابل، ما الذي حدث؟! وماذا كان شكل رد هذا الناقل عطف وحنان الوطن عليه؟! وهل حقق الدلال نجاحا أم فشلا؟! وهل ولد الحنان بِراً أم عقوقاً.
لا أظن أن مؤسسة لا عامة ولا خاصة تسببت في تعكير المزاج العام للناس ــ مواطنين ومقيمين وزوارا ــ مثل ما فعلت الخطوط السعودية هذا العام.
ولا أعتقد أن مؤسسة أخرجت أكثر الناس هدوءًا عن طوره وأحرجته مثل ما فعلت الخطوط السعودية. ولا أضرت بالسياحة الداخلية مثلما أضرت هذه الخطوط.
سابقا، كنا نقول إن سائق (التاكسي) هو من يعطي الانطباع الأول عن البلد ويحدد الشعور المبدئي الذي لا يلبث أن يرسخ في كون هذا البلد متطورا أم هو للتخلف أقرب، أما اليوم فإن (التاكسي الجوي) وهذا مسماه لدى بعض الدول المتقدمة هو صاحب ختم ودمغة الانطباع الأول عن البلد الذي ينتمي إليه، وللأسف فإن الخطوط الجوية العربية السعودية تظلم الوطن بعقوق منقطع النظير وضعنا خطأً في قائمة لا نستحقها مقارنة بدول لا يمكن أن تقارعنا التقدم والرقي الذي حققناه اقتصاديا وصناعيا وتجاريا وعلميا ومكانة دولية وسياسية وتعدادا وعدة، لكنها وبفعل عقلية صانع الانطباع الأول وهو الناقل والمطار أصبحت تختال علينا خطأً وظلما وبهتانا لا لشيء إلا لأن العرج أصابنا فتطور لدينا كل شيء إلا الناقل والمطار؟!.
إن ما يحدث هذه الأيام في الخطوط السعودية من فوضى وغياب للنظم والإجراءات الثابتة والتعامل مع الأحداث بروح الحل الوقتي أو عدم الحل والاعتماد على القرار الإداري العشوائي تسبب حتى في نزوح الكفاءات الفنية من الطيارين السعوديين والكفاءات الإدارية والكفاءات الهندسية بحثا عن جو عمل تكون السيادة فيه لنظام صارم واضح والتقدير فيه لمن يعمل من أجل النجاح، وإذا كان ظاهر الخطوط السعودية في تعاملها مع الركاب هو الفوضى والارتجالية، فهل يمكن أن ينم هذا عن غير داخل إداري أكثر فوضى.
نريد لخطوطنا السعودية أن ترد دين هذا الوطن وتبرّه، لا أن تكون وجها قبيحا مصطنعا لا ذنب لنا فيه.

خادم الحرمين وحامي هيبة الدين

أريد أولا من كل إنسان أن يدقق في هذه العبارة (نرغب إلى سماحتكم) هكذا هو الملك الإنسان المسلم الحكيم عبدالله بن عبدالعزيز وكيف يتعامل بمنتهى الحكمة والاحترام والأدب الملكي الكريم مع علماء العلم الشرعي، الملك ولي أمر هذه البلاد وقائدها لم يقل (أمرنا) كما هي صيغة الأوامر الملكية المعتادة، هذه المرة ولأن الأمر يتعلق بشأن شرعي، بل بحماية لحوزة الدين، أورد أولا حيثيات طويلة ومفصلة ومدعومة بعدد من الآيات التي توضح الإرادة الإلهية وأمر المشرع سبحانه لما يجب أن يكون عليه التعامل مع الإفتاء، جاءت الإرادة الملكية في صيغة الرغبة لا الأمر (نرغب إلى سماحتكم قصر الفتوى على أعضاء هيئة كبار العلماء والرفع لنا عمن تجدون فيهم الكفاية والأهلية التامة للاضطلاع بمهام الفتوى للإذن لهم بذلك في مشمول اختيارنا لرئاسة وعضوية هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ومن نأذن لهم بالفتوى… إلى آخر ما ذكر يحفظه الله).
لو تعامل كل مسلم مع العلم الشرعي بمثل تعامل واحترام خادم الحرمين الشريفين يحفظه الله لهذا العلم لما وصلت حال الفتوى إلى ما وصلت إليه، مما استدعى حزمه يحفظه الله، لكن من أفضال الله على هذا البلد أن أوكل أمرها إلى ولاة أمر نذروا أنفسهم لخدمة الحرمين الشريفين فاتخذوها لقبا، واتخذوا شرع الله دستورا ونذروا أنفسهم لحماية هيبة الدين وتعاطوا مع هذا الأمر بحلم وحكمة وصبر ولكن دون السماح بالتجرؤ على الدين فعندما يقارب الأمر إلى الوصول إلى الجرأة على كتاب الله وسنة نبيه الكريم فإن الحزم حاضر والردع موعود، وخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله تميز بحلم واسع وحكمة بالغة مع حزم شديد وهذه الصفات جعلت منه قائدا بمعنى الكلمة فحلمه ينعم به غير المتعمد أو المخدوع فيحظى بفرصة العودة إلى طريق الصواب معززا مكرما، وحكمته نعمت بها الأمة الإسلامية والعربية أجمع وسعد بها شعبه وافتخر بها أيما فخر، وحزمه ردع من في قلبه مرض.
كلمات خادم الحرمين الشريفين في نص تلك الرغبة الملكية الموجهة إلى سماحة المفتي أبلغ من أن أصفها وأعظم تفصيلا من أن أفصل فيها في هذه المساحة المحدودة، لكنني أردت فقط أن أوجه الانتباه إلى أمرين غاية في الحكمة والبلاغة والدقة ومدعاة للاقتداء بالقائد منا جميعا: الأول التأدب مع العلم الشرعي والعلماء في كلمة (نرغب) والثاني الاستشهاد بالأدلة من الكتاب والسنة والتفصيل في شرح حيثيات هذه الرغبة الملكية استنادا إلى تلك الأدلة الدامغة.
أما الحزم في إنهاء أزمة الفتاوى الشاذة ومنع التطرق لأي موضوع يدخل في شواذ الآراء ومفردات أهل العلم المرجوحة وأقوالهم المهجورة فسوف نستشعر حكمته في توقف التطفل على مائدة الشرع وإيقاف ضجيج تلك القنوات الفضائية التي تقتات على الشاذ من القول، ليس حبا في معرفة الحقيقة بقدر ما هو استرزاق من خلافنا عليها.
حفظ الله خادم الحرمين الشريفين وحامي هيبة الدين.